البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي

عن الكتاب
﴿ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة ولهم عذاب عظيم﴾ الختم : الوسم بطابع أو غيره مما يوسم به.
القلب : مصدر قلب، والقلب : اللحمة الصنوبرية المعروفة سميت بالمصدر، وكنى به في القرآن وغيره عن العقل، وأطلق أيضاً على لب كل شيء وخالصه.
السمع : مصدر سمع سمعاً وسماعاً وكنى به في بعض المواضع عن الأذن.
البصر : نور العين، وهو ما تدرك به المرئيات.
الغشاوة : الغطاء، غشاه أي غطاه، وتصحح الواو لأن الكلمة بنيت على تاء التأنيث، كما صححوا اشتقاقه، قال أبو علي الفارسي : لم أسمع من الغشاوة فعلاً متصرفاً بالواو، وإذا لم يوجد ذلك كان معناها معنى ما اللام منه الياء، غشي يغشى بدلالة قولهم : الغشيان والغشاوة من غشي، كالجباوة من جبيت في أن الواو كأنها بدل من الياء إذا لم يصرف منه فعل، كما لم يصرف من الجباوة، انتهى كلامه.
العذاب : أصله الاستمرار، ثم اتسع فيه فسمي به كل استمرار ألم، واشتقوا منه فقالوا : عذبته، أي داومت عليه الألم، وقد جعل الناس بينه وبين العذاب : الذي هو الماء الحلو، وبين عذب الفرس : استمر عطشه، قدراً مشتركاً وهو الاستمرار، وإن اختلف متعلق الاستمرار.
وقال الخليل : أصله المنع، يقال عذب الفرس : امتنع من العلف.
عظيم : اسم فاعل من عظم غير مذهوب به مذهب الزمان، وفعيل اسم، وصفة الاسم مفرد نحو : قميص، وجمع نحو : كليب، ومعنى نحو : صهيل، والصفة مفرد فعله كقرى، وفعله كسرى، واسم فاعل من فعل ككريم، وللمبالغة من فاعل كعليم، وبمعنى أفعل كشميط، وبمعنى مفعول كجريح، ومفعل كسميع وأليم، وتفعل كوكيد، ومفاعل كجليس، ومفتعل كسعير، ومستفعل كمكين، وفعل كرطيب، وفعل كعجيب، وفعال كصحيح، وبمعنى الفاعل والمفعول كصريح، وبمعنى الواحد والجمع كخليط وجمع فاعل كغريب.
وظاهر قوله تعالى :﴿ختم الله﴾ أنه إخبار من الله تعالى بختمه وحمله بعضهم على أنه دعاء عليهم، وكنى بالختم على القلوب عن كونها لا تقبل شيئاً من الحق ولا تعيه لإعراضها عنه، فاستعار الشيء المحسوس والشيء المعقول، أو مثل القلب بالوعاء الذي ختم عليه صوناً لما فيه ومنعاً لغيره من الدخول إليه.
والأول : مجاز الاستعارة، والثاني : مجاز التمثيل.
ونقل عمن مضى أن الختم حقيقة وهو انضمام القلب وانكماشه، قال مجاهد : إذا أذنبت ضم من القلب هكذا، وضم مجاهد الخنصر، ثم إذا أذنبت ضم هكذا، وضم البنصر، ثم هكذا إلى الإبهام، وهذا هو الختم والطبع والرين.
وقيل : الختم سمة تكون فيهم تعرفهم الملائكة بها من المؤمنين.
وقيل : حفظ ما في قلوبهم من الكفر ليجازيهم.
وقيل : الشهادة على قلوبهم بما فيها من الكفر ونسبة الختم إلى الله تعالى بأي معنى فسر إسناد صحيح، إذ هو إسناد إلى الفاعل الحقيقي، إذ الله تعالى خالق كل شيء.
وقد تأول الزمخشري وغيره من المعتزلة هذا الإسناد، إذ مذهبهم أن الله تعالى لا يخلق الكفر ولا يمنع من قبول الحق والوصول إليه، إذ ذاك قبيح والله تعالى يتعالى عن فعل القبيح، وذكر أنواعاً من التأويل عشرة، ملخصها : الأول : أن الختم كنى به عن الوصف الذي صار كالخلقي وكأنهم جبلوا عليه وصار كأن الله هو الذي فعل بهم ذلك.
الثاني : أنه من باب التمثيل كقولهم : طارت به العنقاء، إذا أطال الغيبة، وكأنهم مثلت حال قلوبهم بحال قلوب ختم الله عليها.
الثالث : أنه نسبه إلى السبب لما كان الله هو الذي أقدر الشيطان ومكنه أسند إليه الختم.
الرابع : أنهم لما كانوا مقطوعاً بهم أنهم لا يؤمنون طوعاً ولم يبق طريق إيمانهم إلا بإلجاء وقسر وترك القسر عبر عن تركه بالختم.
الخامس : أن يكون حكاية لما يقوله الكفار تهكماً كقولهم :﴿قلوبنا في أكنة﴾.
السادس : أن الختم منه على قلوبهم هو الشهادة منه بأنهم لا يؤمنون.
السابع : أنها في قوم مخصوصين فعل ذلك بهم في الدنيا عقاباً عاجلاً، كما عجل لكثير من الكفار عقوبات في الدنيا.
الثامن : أن يكون ذلك فعله بهم من غير أن يحول بينهم وبين الإيمان لضيق صدورهم عقوبة غير مانعة من الإيمان.
التاسع : أن يفعل بهم ذلك في الآخرة لقوله تعالى :﴿ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عمياً وبكماً وصماً﴾ العاشر : ما حكى عن الحسن البصري، وهو اختيار أبي علي الجبائي، والقاضي، أن ذلك سمة وعلامة يجعلها الله تعالى في قلب الكافر وسمعه، تستدل بذلك الملائكة على أنهم كفار وأنهم لا يؤمنون.
انتهى ما قاله المعتزلة.
والمسألة يبحث عنها في أصول الدين.
وقد وقع قوله :﴿وعلى سمعهم﴾ بين شيئين : يمكن أن يكون السمع محكوماً عليه مع كل واحد منهما، إذ يحتمل أن يكون أشرك في الختم بينه وبين القلوب، ويحتمل أن يكون أشرك في الغشاوة بينه وبين الأبصار.
لكن حمله على الأول أولى للتصريح بذلك في قوله :﴿وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة﴾ وتكرير حرف الجر يدل على أن الختم ختمان، أو على التوكيد، إن كان الختم واحداً فيكون أدل على شدة الختم.
وقرأ ابن أبي عبلة أسماعهم فطابق في الجمع بين القلوب والأسماع والأبصار.
وأما الجمهور فقرؤوا على التوحيد، إما لكونه مصدراً في الأصل فلمح فيه الأصل، وإما اكتفاء بالمفرد عن الجمع لأن ما قبله وما بعده يدل على أنه أريد به الجمع، وإما لكونه مصدراً حقيقة وحذف ما أضيف إليه لدلالة المعنى أي حواس سمعهم.
وقد اختلف الناس في أي الحاستين السمع والبصر أفضل، وهو اختلاف لا يجدي كبير شيء.
والإمالة في أبصارهم جائزة، وقد قرئ بها، وقد غلبت الراء المكسورة حرف الاستعلاء، إذ لولاها لما جازت الإمالة، وهذا بتمامه مذكور في النحو.
وقرأ الجمهور : غشاوة بكسر الغين ورفع التاء، وكانت هذه الجملة ابتدائية ليشمل الكلام الإسنادين : إسناد الجملة الفعلية وإسناد الجملة الابتدائية، فيكون ذلك آكد لأن الفعلية تدل على التجدد والحدوث، والاسمية تدل على الثبوت.
وكان تقديم الفعلية أولى لأن فيها أن ذلك قد وقع وفرغ منه، وتقديم المجرور الذي هو على أبصارهم مصحح لجواز الابتداء بالنكرة، مع أن فيه مطابقة بالجملة قبله لأنه تقدم فيها الجزء المحكوم به.
وهذه كذلك الجملتان تؤول دلالتهما إلى معنى واحد، وهو منعهم من الإيمان، ونصب المفضل غشاوة يحتاج إلى إضمار ما أظهر في قوله :﴿وجعل على بصره غشاوة﴾، أي وجعل على أبصارهم غشاوة، أو إلى عطف أبصارهم على ما قبله ونصبها على حذف حرف الجر، أي بغشاوة، وهو ضعيف.
ويحتمل عندي أن تكون اسماً وضع موضع مصدر من معنى ختم، لأن معنى ختم غشي وستر، كأنه قيل تغشيه على سبيل التأكيد، وتكون قلوبهم وسمعهم وأبصارهم مختوماً عليها مغشاة.
وقال أبو علي : وقراءة الرفع أولى لأن النصب إما أن يحمله على ختم الظاهر فيعرض في ذلك أنك حلت بين حرف العطف والمعطوف به، وهذا عندنا إنما يجوز في الشعر، وما أن تحمله على فعل يدل عليه ختم تقديره وجعل على أبصارهم فيجيء الكلام من باب :
متقلداً سيفاً ورمحاً***
وقول الآخر :
علفتها تبناً وماء بارداً***
ولا تكاد تجد هذا الاستعمال في حال سعة واختيار، فقراءة الرفع أحسن، وتكون الواو عاطفة جملة على جملة.
انتهى كلام أبي علي، رحمه الله تعالى.
ولا أدري ما معنى قوله : لأن النصب إنما يحمله على ختم الظاهر، وكيف تحمل غشاوة المنصوب على ختم الذي هو فعل ؟ هذا ما لا حمل فيه اللهم إلا إن أراد أن يكون قوله تعالى :﴿ختم الله على قلوبهم﴾ دعاء عليهم لا خبراً، فإن ذلك يناسب مذهبه لاعتزاله، ويكون غشاة في معنى المصدر المدعو به عليهم القائم مقام الفعل فكأنه قيل : وغشى الله على أبصارهم، فيكون إذ ذاك معطوفاً على ختم عطف المصدر النائب مناب فعله في الدعاء، نحو قولك : رحم الله زيداً وسقياً له، وتكون إذ ذاك قد حلت بين غشاوة المعطوف وبين ختم المعطوف عليه بالجار والمجرور.
وأما إن جعلت ذلك خبراً محضاً وجعلت غشاوة في موضع المصدر البدل عن الفعل في الخبر فهو ضعيف لا ينقاس ذلك بل يقتصر فيه على مورد السماع، وقرأ الحسن باختلاف عنه وزيد بن علي : غشاوة بضم الغين ورفع التاء، وأصحاب عبد الله بالفتح والنصب وسكون الشين، وعبيد بن عمير كذلك، إلا أنه رفع التاء.
وقرأ بعضهم غشوة بالكسر والرفع، وبعضهم غشوة وهي قراءة أبي حيوة، والأعمش قرأ بالفتح والرفع والنصب.
وقال الثوري : كان أصحاب عبد الله يقرأونها غشية بفتح الغين والياء والرفع.
اه.
وقال يعقوب : غشوة بالضم لغة، ولم يؤثرها عن أحد من القراءة.
قال بعض المفسرين : وأصوب هذه القراءات المقروء بها ما عليه السبعة من كسر الغين على وزن عمامة، والأشياء التي هي أبداً مشتملة، فهذا يجيء وزنها : كالصمامة، والعمامة، والعصابة، والريانة، وغير ذلك.
وقرأ بعضهم : غشاوة بالعين المهملة المكسورة والرفع من العشي، وهو شبه العمى في العين.
وتقديم القلوب على السمع من باب التقديم بالشرف وتقديم الجملة التي انتظمتها على الجملة التي تضمنت الأبصار من هذا الباب أيضاً.
وذكر أهل البيان أن التقديم يكون باعتبارات خمسة : تقدم العلة والسبب على المعلول والمسبب، كتقديم الأموال على الأولاد في قوله تعالى :﴿إنما أموالكم وأولادكم فتنة﴾ فإنه إنما يشرع في النكاح عند قدرته على المؤنة، فهي سبب إلى التزوج، والنكاح سبب للتناسل.
والعلة : كتقدم المضيء على الضوء، وليس تقدم زمان، لأن جرم الشمس لا ينفك عن الضوء.
وتقدم بالذات، كالواحد مع الاثنين، وليس الواحد علة للاثنين بخلاف القسم الأول.
وتقدم بالشرف، كتقدم الإمام على المأموم.
وتقدم بالزمان، كتقدم الوالد على الولد بالوجود، وزاد بعضهم سادس وهو : التقدم بالوجود حيث لا زمان.
ولما ذكر تعالى حال هؤلاء الكفار في الدنيا، أخبر بما يؤول إليه أمرهم في الآخرة من العذاب العظيم.
ولما كان قد أعد لهم العذاب صير كأنه ملك لهم لازم، والعظيم هو الكبير.
وقيل : العظيم فوق، لأن الكبير يقابله الصغير، والعظيم يقابله الحقير.
قيل : والحقير دون الصغير، وأصل العظم في الجثة ثم يستعمل في المعنى، وعظم العذاب بالنسبة لي عذاب دونه يتخلله فتور، وبهذا التخلل المتصور يصح أن يتفاضل العرضان كسوادين أحدهما شبع من الآخر، إذ قد تخلل الآخر ما ليس بسواد.
وذكر المفسرون في سبب نزول قوله تعالى :﴿إن الذين كفروا﴾ إلى قوله :﴿عظيم﴾، أقوالاً : أحدها : أنها نزلت في يهود كانوا حول المدينة، قاله ابن عباس، وكان يسميهم.
الثاني : نزلت في قادة الأحزاب من مشركي قريش، قاله أبو العالية.
الثالث : في أبي جهل وخمسة من أهل بيته، قاله الضحاك.
الرابع : في أصحاب القليب : وهم أبو جهل، وشيبة بن ربيعة، وعقبة بن أبي معيط، وعتبة بن ربيعة، والوليد بن المغيرة.
الخامس : في مشركي العرب قريش وغيرها.
السادس : في المنافقين، فإن كانت نزلت في ناس بأعيانهم وافوا على الكفر، فالذين كفروا معهودون، وإن كانت لا في ناس مخصوصين وافوا على الكفر، فيكون عاماً مخصوصاً.
ألا ترى أنه قد أسلم من مشركي قريش وغيرها
وذكروا أيضاً أن في هاتين الآيتين من ضروب الفصاحة أنواعاً.
الأول : الخطاب العام اللفظ الخاص المعنى.
الثاني : الاستفهام الذي يراد به تقرير المعنى في النفس، أي يتقرر أن الإنذار وعدمه سواء عندهم.
الثالث : المجاز، ويسمى : الاستعارة، وهو قوله تعالى :﴿ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم﴾، وحقيقة الختم وضع محسوس على محسوس يحدث بينهما رقم يكون علامة للخاتم، والختم هنا معنوي، فإن القلب لما لم يقبل الحق مع ظهوره استعير له اسم المختوم عليه فبين أنه من مجاز الاستعارة.
الرابع : الحذف، وهو في مواضع : منها : أن الذين كفروا، أي أن القوم الذين كفروا بالله وبك وبما جئت به.
ومنها : لا يؤمنون بالله وبما أخبرتهم به عنه.
ومنها : ختم الله على قلوبهم فلا تعي وعلى أسماعهم فلا تصغي.
ومنها : وعلى أبصارهم غشاوة على من نصب، أي وجعل على أبصارهم غشاوة فلا يبصرون سبيل الهداية.
ومنها : ولهم عذاب، أي ولهم يوم القيامة عذاب عظيم دائم، ويجوز أن يكون التقدير : ولهم عذاب عظيم في الدنيا بالقتل والسبي أو بالإذلال ووضع الجزية وفي الآخرة بالخلود في نار جهنم.
الخامس : التعميم : وهو في قوله :﴿ولهم عذاب عظيم﴾، فإنه لو اقتصر على قوله عذاب ولم يقل عظيم لاحتمل القليل والكثير، فلما وصفه بالعظيم تمم المعنى وعلم أن العذاب الذي وعدوا به عظيم، إما في المقدار وإما في الإيلام والدوام.
السادس : الإشارة، فإن قوله :﴿سواء عليهم﴾ إشارة إلى أن السواء الذي أضيف إليهم وباله ونكاله عليهم ومستعل فوقهم، لأنه لو أراد بيان أن ذلك من وصفهم فحسب لقال : سواء عندهم، فلما قال : سواء عليهم، نبه على أنه مستعل عليهم، فإن كلمة على للاستعلاء وهو الذي قاله هذا القائل من أن على تشعر بالاستعلاء صحيح، وأما أنها تدل على أن الكلام تضمن معنى الوبال والنكال عليهم فليس بصحيح، بل المعنى في قولك سواء عليك وعندك كذا وكذا واحد، وإن كان أكثر الاستعمال بعلى، قال تعالى :
﴿سواء علينا أوعظت أو لم تكن من الواعظين﴾ ﴿سواء علينا أجزعنا أم صبرنا﴾ سواء عليها رحلتي ومقامي، وكل هذا لا يدل على معنى الوبال والنكال عليهم.
السابع : مجاز التشبيه شبه قلوبهم لتأبيها عن الحق، وأسماعهم لإضرابها عن سماع داعي الفلاح، وأبصارهم لامتناعها عن تلمح نور الهداية بالوعاء المختوم عليه المسدود منافذه المغشي بغشاء يمنع أن يصل إليه ما يصلحه، لما كانت مع صحتها وقوة إدراكها ممنوعة عن قبول الخير وسماعه وتلمح نوره، وهذا كله من مجاز التشبيه، إذ الختم والغشاوة لم يوجدا حقيقة، وهو بالاستعارة أولى، إذ من شرط التشبيه أن يذكر المشبه والمشبه به.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى