جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
عن الكتابالقول في تأويل قوله تعالى :
﴿قَالَ إِنّهُ يَقُولُ إِنّهَا بَقَرَةٌ لاّ ذَلُولٌ تُثِيرُ الأرْضَ وَلاَ تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلّمَةٌ لاّ شِيَةَ فِيهَا قَالُواْ الآن جِئْتَ بِالْحَقّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ﴾
وتأويل ذلك، قال موسى : إن الله يقول : إن البقرة التي أمرتكم بذبحها بقرة لا ذلول. ويعني بقوله : لا ذَلُولٌ : أي لم يذللها العمل. فمعنى الآية : أنها بقرة لم تذللها إثارة الأرض بأظلافها، ولا سُنِيَ عليها الماء فيسقى عليها الزرع، كما يقال للدابة التي قد ذللها الركوب أو العمل : دابة ذلول بينة الذّل، بكسر الذال، ويقال في مثله من بني آدم : رجل ذليل بين الذلّ والذلة.
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد قال : حدثنا سعيد، عن قتادة قوله : إِنّهَا بَقَرَةٌ لاَ ذَلُولٌ يقول : صعبة لم يذلها عمل، تُثِيرُ الأرْضَ وَلاَ تَسْقِي الحَرْثَ.
حدثني موسى، قال : حدثنا عمرو، قال : حدثنا أسباط، عن السدي : إِنّها بَقَرَةٌ لاَ ذَلُولٌ تُثِيرُ الأرْضَ يقول : بقرة ليست بذلول يزرع عليها، وليست تسقي الحرث.
حدثني المثنى، قال : حدثنا آدم، قال : حدثنا أبو جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية : إِنّها بَقَرَةٌ لاَ ذَلُولٌ أي لم يذللها العمل، تُثِيرُ الأرْضَ يعني ليست بذلول فتثير الأرض، وَلا تَسْقِي الحَرْثَ يقول : ولا تعمل في الحرث.
حدثت عن عمار، قال : حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع : إِنّهَا بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ يقول : لم يذلها العمل، تُثِيرُ الأرْضَ يقول : تثير الأرض بأظلافها، وَلا تَسْقِي الحَرْثَ يقول : لا تعمل في الحرث.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : حدثني حجاج، قال : قال ابن جريج، قال : الأعرج : قال مجاهد : قوله : لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الأرْضَ وَلا تَسْقِي الحَرْثَ يقول : ليست بذلول فتفعل ذلك.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : حدثنا أبو سفيان، عن معمر، عن قتادة : ليست بذلول تثير الأرض ولا تسقي الحرث.
ويعني بقوله : تُثِيرُ الأرْضَ : تقلب الأرض للحرث، يقال منه : أثرت الأرض أثيرها إثارة : إذا قلبتها للزرع. وإنما وصفها جل ثناؤه بهذه الصفة لأنها كانت فيما قيل وحشية.
حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال : حدثنا هشيم، قال : أخبرنا جويبر، عن كثير بن زياد، عن الحسن قال : كانت وحشية.
القول في تأويل قوله تعالى : مُسَلّمَةٌ.
ومعنى مُسَلّمَةٌ مفعلة من السلامة، يقال منه : سلمت تسلم فهي مسلمة.
ثم اختلف أهل التأويل في المعنى الذي سلمت منه، فوصفها الله بالسلامة منه. فقال مجاهد بما :
حدثنا به محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد : مُسَلّمَةٌ يقول : مسلمة من الشية، ولا شية فِيها لا بياض فيها ولا سواد.
حدثني المثنى، قال : حدثنا أبو حذيفة، قال : حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
حدثنا القاسم قال : حدثنا الحسين، قال : حدثني حجاج، عن ابن جريج، قال : قال مجاهد : لاشِيَةَ فِيها قال : مسلمة من الشية لاشِيَةَ فِيها لا بياض فيها ولا سواد.
وقال آخرون : مسلمة من العيوب. ذكر من قال ذلك :
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة : مُسَلّمَة لاشِيَة فِيها أي مسلمة من العيوب.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن قتادة : مُسَلّمَةٌ يقول : لا عيب فيها.
حدثني المثنى، قال : حدثنا آدم، قال : حدثنا أبو جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية : مُسَلّمَةٌ يعني مسلمة من العيوب.
حدثت عن عمار، قال : حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بمثله.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : حدثني حجاج، قال : قال ابن جريج : قال ابن عباس قوله : مُسَلّمَةٌ لا عَوَار فيها.
والذي قاله ابن عباس وأبو العالية ومن قال بمثل قولهما في تأويل ذلك أولى بتأويل الآية مما قاله مجاهد لأن سلامتها لو كانت من سائر أنواع الألوان سوى لون جلدها، لكان في قوله : مُسَلّمَة مكتفي عن قوله : لاشِيَةَ فِيها. وفي قوله : لاشِيَةَ فِيها ما يوضح عن أن معنى قوله : مُسَلّمَة غير معنى قوله : لاشِيَةَ فِيها. وإذ كان ذلك كذلك، فمعنى الكلام أنه يقول : إنها بقرة لم تذللها إثارة الأرض وقلبها للحراثة ولا السّنُوّ عليها للمزارع، وهي مع ذلك صحيحة مسلمة من العيوب.
القول في تأويل قوله تعالى : لاشِيَةَ فِيها.
يعني بقوله : لاشِيَةَ فِيها : لا لون فيها يخالف لون جلدها. وأصله من وَشْي الثوب، وهو تحسين عيوبه التي تكون فيه بضروب مختلفة من ألوان سَداه ولُحمته، يقال منه : وشيت الثوب فأنا أشيه شية ووشيا. ومنه قيل للساعي بالرجل إلى السلطان أو غيره : واشٍ، لكذبه عليه عنده وتحسينه كذبه بالأباطيل، يقال منه : وشيت به إلى السلطان وشاية، ومنه قول كعب بن زهير :
| تَسْعَى الوُشَاةُ جَنابَيْها وَقَوْلُهُم | إنّكَ يا ابْنَ أبي سُلْمَى لَمَقْتُولُ |
وقد زعم بعض أهل العربية أن الوشي : العلامة. وذلك لا معنى له إلا أن يكون أراد بذلك تحسين الثوب بالأعلام، لأنه معلوم أن القائل : وشيت بفلان إلى فلان غير جائز أن يتوهم عليه أنه أراد : جعلت له عنده علامة. وإنما قيل : لاشِيةَ فِيها وهي من وشيت، لأن الواو لما أسقطت من أولها أبدلت مكانها الهاء في آخرها، كما قيل : وزنته زنة، ووسيته سية، ووعدته عدة، ووديته دية. وبمثل الذي قلنا في معنى قوله : لاشِيَةَ فِيها قال أهل التأويل.
حدثنا بشر بن معاذ، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة : لاشِيَةَ فِيها أي لا بياض فيها.
حدثنا الحسن، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن قتادة، مثله.
حدثني المثنى، قال : حدثنا آدم، قال : حدثنا أبو جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية : لاشِيَةَ فِيها يقول : لا بياض فيها.
حدثني محمد بن عمرو قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد : لاشِيَةَ فِيها أي لا بياض فيها ولا سواد.
حدثني المثنى، قال : حدثنا أبو حذيفة، قال : حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا ابن إدريس، عن أبيه، عن عطية : لاشِيَةَ فِيها قال : لونها واحد ليس فيها لون سوى لونها.
حدثني موسى، قال : حدثنا عمرو، قال : حدثنا أسباط، عن السدي : لاشِيَةَ فِيها من بياض ولا سواد ولا حمرة.
حدثني يونس بن عبد الأعلى، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد : لاشِيَةَ فِيها هي صفراء ليس فيها بياض ولا سواد.
حدثت عن عمار، قال : حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع : لاشِيَةَ فِيها يقول : لا بياض فيها.
القول في تأويل قوله تعالى : قَالُوا الآن جِئْتَ بِالحقّ.
اختلف أهل التأويل في تأويل قوله : قَالُوا الآن جِئْتَ بِالحَقّ فقال بعضهم : معنى ذلك : الآن بينت لنا الحقّ فتبيناه، وعرفنا أية بقرة عينت. وممن قال ذلك قتادة.
حدثنا بشر بن معاذ، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة : قَالُوا الآن جِئْتَ بِالحَقّ أي الآن بينت لنا.
وقال بعضهم : ذلك خبر من الله جل ثناؤه عن القوم أنهم نسبوا نبيّ الله موسى صلوات الله عليه إلى أنه لم يكن يأتيهم بالحقّ في أمر البقرة قبل ذلك. وممن رُوي عنه هذا القول عبد الرحمن بن زيد.
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد : اضطروا إلى بقرة لا يعلمون على صفتها غيرها، وهي صفراء ليس فيها سواد ولا بياض، فقالوا : هذه بقرة فلان الآن جِئْتَ بالحَقّ وقبل ذلك والله قد جاءهم بالحق.
وأولى التأويلين عندنا بقوله : قالُوا الآن جِئْتَ بالحَقّ قول قتادة وهو أن تأويله : الآن بينت لنا الحق في أمر البقرة، فعرفنا أنها الواجب علينا ذبحها منها لأن الله جل ثناؤه قد أخبر عنهم أنهم قد أطاعوه فذبحوها بعد قيلهم هذا مع غلظ مؤنة ذبحها عليهم وثقل أمرها، فقال : فَذَبحُوها وما كادُوا يَفْعَلُونَ وإن كانوا قد قالوا بقولهم : الاَن بينت لنا الحق، هراء من القول، وأتوا خطأ وجهلاً من الأمر. وذلك أن نبي الله موسى ﷺ كان مبينا لهم في كل مسألة سألوها إياه، وردّ رادّوه في أمر البقرة الحق. وإنما يقال : الاَن بينت لنا الحق لمن لم يكن مبينا قبل ذلك، فأما من كان كل قيله فيما أبان عن الله تعالى ذكره حقا وبيانا، فغير جائز أن يقال له في بعض ما أبان عن الله في أمره ونهيه وأدّى عنه إلى عباده من فرائضه التي أوجبها عليهم : الاَنَ جِئْتَ بِالحَقّ كأنه لم يكن جاءهم بالحق قبل ذلك.
وقد كان بعض من سلف يزعم أن القوم ارتدوا عن دينهم، وكفروا بقولهم لموسى : الاَنَ جِئْتَ بِالحَقّ ويزعم أنهم نفوا أن يكون موسى أتاهم بالحق في أمر البقرة قبل ذلك، وأن ذلك من فعلهم وقيلهم كفر. وليس الذي قال من ذلك عندنا كما قال لأنهم أذعنوا بالطاعة بذبحها، وإن كان قيلهم الذي قالوه لموسى جهلة منهم وهفوة من هفواتهم.
القول في تأويل قوله تعالى : فَذَبحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ.
يعني بقوله : فَذَبحُوها فذبح قوم موسى البقرة التي وصفها الله لهم وأمرهم بذبحها. ويعني بقوله : وَما كَادُوا يَفْعَلُونَ أي قاربوا أن يدعوا ذبحها، ويتركوا فرض الله عليهم في ذلك.
ثم اختلف أهل التأويل في السبب الذي من أجله كادوا أن يضيعوا فرض الله عليهم في ذبح ما أمرهم بذبحه من ذلك. فقال بعضهم : ذلك السبب كان غلاء ثمن البقرة التي أمروا بذبحها وبينت لهم صفتها. ذكر من قال ذلك :
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا أبو معشر المدني، عن محمد بن كعب القرظي في قوله : فَذَبحُوهَا ومَا كادُوا يَفْعَلُونَ قال : لغلاء ثمنها.
حدثنا محمد بن عبد الله بن عبيد الهلالي، قال : حدثنا عبد العزيز بن الخطاب، قال : حدثنا أبو معشر، عن محمد بن كعب القرظي : فَذَبحُوهَا وَما كادُوا يَفْعَلُونَ قال : من كثرة قيمتها.
حدثنا القاسم، قال : أخبرنا الحسين، قال : حدثنا حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد وحجاج، عن أبي معشر، عن محمد بن كعب القرظي، ومحمد بن قيس في حديث فيه طول، ذكر أن حديث بعضهم دخل في حديث بعض، قوله : فَذَبحُوهَا وَما كَادُوا يَفْعَلُونَ لكثرة الثمن، أخذوها بملء مَسْكها ذهبا من مال المقتول، فكان سواء لم يكن فيه فضل فذبحوها.
حدثت عن المنجاب، قال : حدثنا بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس : فَذَبحُوهَا وَما كَادُوا يَفْعَلُونَ يقول : كادوا لا يفعلون. ولم يكن الذي أرادوا لأنهم أرادوا أن لا يذبحوها، وكل شيء في القرآن «كاد » أو «كادوا » أو «لو » فإنه لا يكون، وهو مثل قوله : أكادُ أُخْفِيها.
وقال آخرون : لم يكادوا أن يفعلوا ذلك خوف الفضيحة إن أطلع الله على قاتل القتيل الذي اختصموا فيه إلى موسى.
وا