البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي

عن الكتاب
أسر الشيء : أخفاه، وأعلنه : أظهره.
﴿أوَ لا يعلمون أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون﴾ : هذا توبيخ من الله لهم، أي إذا كان علم الله محيطاً بجميع أفعالهم، وهم عالمون بذلك، فكيف يسوغ لهم أن ينافقوا ويتظاهروا للمؤمنين بما يعلم الله منهم خلافه، فلا يجامع حالة نفاقهم بحالة علمهم بأن الله عالم بذلك والأولى حمل ما يسرون وما يعلنون على العموم، إذ هو ظاهر اللفظ.
وقيل : الذي أسرّوه الكفر، والذي أعلنوه الإيمان.
وقيل : العداوة والصداقة.
وقيل : قولهم لشياطينهم إنا معكم، وقولهم للمؤمنين آمنا.
وقيل : صفة النبي ﷺ، وتغيير صفته إلى صفة أخرى، حتى لا تقوم عليهم الحجة.
وقرأ ابن محيصن : أو لا تعلمون بالتاء، قالوا : فيكون ذلك خطاباً للمؤمنين، وفيه تنبيه لهم على جهلهم بعالم السر والعلانية، ويحتمل أن يكون خطاباً لهم، وفائدته التنبيه على سماع ما يأتي بعده، ثم أعرض عن خطابهم وأعاد الضمير إلى الغيبة، إهمالاً لهم، فيكون ذلك من باب الالتفات، ويكون حكمته في الحالتين ما ذكرناه.
وقد تقدم لنا أن مثل ﴿أفلا تعقلون﴾، ﴿أولا يعلمون﴾، أن الفاء والواو فيهما للعطف، وأن أصلهما أن يكونا أول الكلام، لكنه اعتنى بهمزة الاستفهام، فقدّمت.
وذكرنا طريقة الزمخشري في ذلك، فأغنى عن إعادته.
و ﴿أن الله يعلم﴾ : يحتمل أن يكون مما سدت فيه أن مسد المفرد، إذا قلنا : إن يعلمون متعد إلى واحد كعرف، ويحتمل أن يكون مما سدت فيه أن مسد المفعولين، إذا قلنا : أن يعلمون متعد إلى اثنين، كظننت، وهذا على رأي سيبويه.
وأما الأخفش، فإنها تسد عنده مسد مفعول واحد، ويجعل الثاني محذوفاً، وقد تقدم لنا ذكر هذا الخلاف، والعائد على ما محذوف تقديره : يسرّونه ويعلنونه.
وظاهر هذا الاستفهام أنه تقرير لهم أنهم عالمون بذلك، أي بأن الله يعلم السر والعلانية، أي قد علموا ذلك، فلا يناسبهم النفاق والتكذيب بما يعلمون أنه الحق.
وقيل : ذلك تقريع لهم وحث على التفكر، فيعلمون بالتفكر ذلك.
وذلك أنهم لما اعترفوا بصحة التوراة، وفيها ما يدل على نبوّة رسول الله ﷺ، لزمهم الاعتراف بالربوبية، ودل على أن المعصية، مع علمهم بها، أقبح.
وفي هذه الآية وما أشبهها دليل على أن رسول الله ﷺ كان يغضي عن المنافقين، مع أن الله أظهره على نفاقهم، وذلك رجاء أن يؤمنوا، فأغضى عنهم، حتى قبل الله منهم من قبل، وأهلك من أهلك.
واختلف، هل هذا الحكم باق، أو نسخ ؟ فقال قوم : نسخ، لأنه كان يفعل ذلك ﷺ، تأليفاً للقلوب.
وقد أعز الله الإسلام وأغنى عنهم، فلا حاجة إلى التأليف.
وقال قوم : هو باق إلى الآن، لأن أهل الكفر أكثر من أهل الإيمان، فيحتاجون إلى زيادة الأنصار وكثرة عددهم، والأول هو الأشهر.
وفي قوله :﴿يعلم ما يسرون وما يعلنون﴾، حجة على من زعم أن الله لا يعلم الجزئيات، بل يعلم الكليات.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد تضمنت هذه الآيات الكريمة استبعاد طمع المؤمنين في إيمان من سبق من آبائه التشريف بسماع كلام الله، ثم مقابلة ذلك بعظيم التحريف، هذا على علم منهم بقبيح ما ارتكبوه.
وهؤلاء المطموع في إيمانهم هم أبناء أولئك المحرفين، فهم على طريقة آبائهم في الكفر، ثم قد انطووا من حيث السريرة على مداجاة المؤمنين، بحيث إذا لقوهم أفهموهم أنهم مؤمنون، وإذا خلا بعضهم إلى بعض، أنكروا عليهم ما يتكلمون به مع المؤمنين من إخبار بشيء مما في كتبهم، وذلك مخافة أن يحتج المؤمنون عليهم بما في كتابهم، ثم أنكر تعالى عليهم ذلك بأنهم قد علموا أن الله يعلم سرّهم ونجواهم، فلا يناسب ذلك إلا الانقياد إلى كتاب الله، والإخبار بما فيه، واتباع ما تضمنه من الأمر، باتباع رسول الله ﷺ، والإيمان بما يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل، ولكنهم كفروا عناداً وجحدوا بها، واستيقنتها أنفسهم ظلماً وعلواً.
ثم لما ذكر حال هؤلاء الذين هم من أهل العلم، ولم ينتفعوا بعلمهم، ذكر أيضاً مقلدتهم وعوامّهم، وأنهم لا يعلمون من الكتاب إلا ألفاظاً مسموعة، وأن طريقهم في أصول دياناتهم إنما هو حسن ظنهم بعلمائهم المحرّفين المبدّلين.
ثم توعد الله تعالى بالهلاك والحسرة، من حرّف كلام الله وادّعى أنه من عند الله، لتحصيل غرض من الدنيا تافه نزر لا يبقي، فباع باقياً بفان.
ثم كرّر الوعيد على ما فعلوه، ثم أخبر عنهم بما صدر عنهم من الكذب البحت، بأن لبثهم في النار أياماً معدودة، وأن ذلك إخبار ليس صادراً عن عهد اتخذوه عند الله، بل قول على الله بما لا علم لهم به، ثم ردّ عليهم دعواهم تلك بقوله :﴿بلى﴾، ثم قسم الناس إلى قسمين كافر، وهو صاحب النار، ومؤمن وهو صاحب الجنة، وأنهم اندرجوا تحت قسم الكافر، لأنهم كسبوا السيئات، وأحاطت بهم الخطيئات، وناهيك ما اقتص الله فيهم من أول السورة إلى هنا، وما يقص بعد ذلك مما ارتكبوه من الكفر والمخالفات.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى