جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب

القول في تأويل قوله تعالى :


﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِيَ إِسْرَائِيلَ لاَ تَعْبُدُونَ إِلاّ اللّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَذِي الْقُرْبَىَ وَالْيَتَامَىَ وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُواْ لِلنّاسِ حُسْناً، وَأَقِيمُواْ الصّلاَةَ وَآتُواْ الزّكَاةَ ثُمّ تَوَلّيْتُمْ إِلاّ قَلِيلاً مّنْكُمْ وَأَنْتُمْ مّعْرِضُونَ﴾
قد دللنا فيما مضى من كتابنا هذا على أن الميثاق مفعال، من التوثق باليمين ونحوها من الأمور التي تؤكد القول. فمعنى الكلام إذا : واذكروا أيضا يا معشر بني إسرائيل إذْ أخذنا ميثاقكم لا تعبدون إلا الله. كما :
حدثني به ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، قال : حدثني ابن إسحاق، قال : حدثني محمد بن أبي محمد، عن سعيد بن جبير أو عكرمة، عن ابن عباس :﴿وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إسْرَائِيلَ﴾ أي ميثاقكم ﴿لا تَعْبُدُونَ إِلاّ اللّهَ﴾.
قال أبو جعفر : والقراءة مختلفة في قراءة قوله :﴿لا تَعْبُدُونَ﴾ فبعضهم يقرؤها بالتاء، وبعضهم يقرؤها بالياء، والمعنى في ذلك واحد. وإنما جازت القراءة بالياء والتاء وأن يقال :«لا تعبدون »، و«لا يعبدون » وهم غَيب لأن أخذ الميثاق بمعنى الاستحلاف، فكما تقول : استحلفت أخاك ليقومنّ، فتخبر عنه خبرك عن الغائب لغيبته عنك، وتقول : استحلفته لتقومنّ، فتخبر عنه خبرك عن المخاطب لأنك قد كنت خاطبته بذلك، فيكون ذلك صحيحا جائزا، فكذلك قوله :﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لاَ تَعْبُدُونَ إِلاّ اللّه﴾َ و«لا يعبدون ». من قرأ ذلك بالتاء فمعنى الخطاب إذْ كان الخطاب قد كان بذلك، ومن قرأ بالياء فلأنهم ما كانوا مخاطبين بذلك في وقت الخبر عنهم. وأما رفع لا تعبدون فبالتاء التي في تعبدون، ولا ينصب ب«أن » التي كانت تصلح أن تدخل مع : لا تَعْبُدُونَ إِلاّ اللّهَ، لأنها إذا صلح دخولها على فعل فحذفت ولم تدخل كان وجه الكلام فيه الرفع كما قال جل ثناؤه :﴿قُلْ أفَغَيْرَ اللّهِ تَأمُرُونّي أعْبُدُ أيّها الجاهِلُونَ﴾ فرفع «أعبدُ » إذ لم تدخل فيها أن بالألف الدالة على معنى الاستقبال. وكما قال الشاعر :
ألاَ أيّهذَا الزّاجِرِي أحْضُرُ الوَغَىوأنْ أشْهَدَ اللّذّاتِ هَلْ أنْتَ مُخْلِدِي
فرفع «أحضر » وإن كان يصلح دخول «أن » فيها، إذ حذفت بالألف التي تأتي الاستقبال. وإنما صلح حذف «أن » من قوله :﴿وَإذْ أخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إسْرائِيلَ لا تَعْبُدُونَ﴾لدلالة ما ظهر من الكلام عليها، فاكتفى بدلالة الظاهر عليها منها.
وقد كان بعض نحويي البصرة يقول : معنى قوله :﴿وَإذْ أخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إسْرَائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلاّ اللّهَ﴾ حكاية، كأنك قلت : استحلفناهم لا تعبدون، أي قلنا لهم : والله لا تعبدون، وقالوا : والله لا يعبدون. والذي قال ذلك قريب معناه من معنى القول الذي قلنا في ذلك.
وبنحو الذي قلنا في قوله :﴿وَإذْ أخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إسْرَائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إلاّ اللّهَ﴾ تأوّله أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثني المثنى، قال : حدثنا آدم، قال : حدثنا أبو جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية : أخذ مواثيقهم أن يخلصوا له وأن لا يعبدوا غيره.
حدثني المثنى، قال : حدثنا إسحاق، قال : أخبرنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع في قوله :﴿وَإذْ أخَذْنا مِيثاق بنِي إسْرَائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إلاّ الله﴾قال : أخذنا ميثاقهم أن يخلصوا لله ولا يعبدوا غيره.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : حدثني حجاج، عن ابن جريج :﴿وَإذْ أخَذْنا مِيثاقَ بَني إسْرَائيلَ لا تَعْبُدُونَ إلاّ اللّهَ﴾ قال : الميثاق الذي أخذ عليهم في المائدة.

القول في تأويل قوله تعالى :﴿وَبالْوَالِدَيْنِ إحْسانا﴾.


وقوله جل ثناؤه :﴿وبالْوَالِدَيْنِ إحْسانا﴾عطف على موضع «أن » المحذوفة في لا تعبدون إلا الله. فكان معنى الكلام : وإذْ أخذنا ميثاق بني إسرائيل بأن لا تعبدوا إلا الله وبالوالدين إحسانا. فرفع «لا تعبدون » لما حذف «أن »، ثم عطف بالوالدين على موضعها، كما قال الشاعر :
مُعاوِيَ إنّنا بَشَر فأسْجِحْفَلَسْنا بالجبال وَلا الحَدِيدا
فنصب «الحديد » على العطف به على موضع الجبال لأنها لو لم تكن فيها باء خافضة كانت نصبا، فعطف بالحديث على معنى الجبال لا على لفظها، فكذلك ما وصفت من قوله : وَبالْوَالِدَيْنِ إحْسانا. وأما الإحسان فمنصوب بفعل مضمر يؤدي معناه قوله : وَبِالْوَالِدَيْنِ إذْ كان مفهوما معناه، فكان معنى الكلام لو أظهر المحذوف : وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل بأن لا تعبدوا إلا الله، وبأن تحسنوا إلى الوالدين إحسانا. فاكتفى بقوله : وَبالْوَالِدَيْنِ من أن يقال : وبأن تحسنوا إلى الوالدين إحسانا، إذْ كان مفهوما أن ذلك معناه بما ظهر من الكلام.
وقد زعم بعض أهل العربية في ذلك أن معناه : وبالوالدين فأحسنوا إحسانا فجعل «الباء » التي في «الوالدين » من صلة الإحسان مقدمة عليه.
وقال آخرون : بل معنى ذلك : أن لا تعبدوا إلا الله، وأحسنوا بالوالدين إحسانا. فزعموا أن «الباء » التي في «الوالدين » من صلة المحذوف، أعني «أَحْسِنوا »، فجعلوا ذلك من كلامين. وإنما يصرف الكلام إلى ما ادعوا من ذلك إذا لم يوجد لاتساق الكلام على كلام واحد وجه، فأما وللكلام وجه مفهوم على اتساقه على كلام واحد فلا وجه لصرفه إلى كلامين. وأخرى : أن القول في ذلك لو كان على ما قالوا لقيل :«وإلى الوالدين إحسانا » لأنه إنما يقال : أحسن فلان إلى والديه، ولا يقال : أحسن بوالديه، إلاّ على استكراه للكلام. ولكن القول فيه ما قلنا، وهو : وإذْ أخذنا ميثاق بني إسرائيل بكذا وبالوالدين إحسانا، على ما بينا قبل. فيكون «الإحسان » حينئذ مصدرا من الكلام لا من لفظه كما بينا فيما مضى من نظائره.
فإن قال قائل : وما ذلك الإحسان الذي أخذ عليهم وبالوالدين الميثاق ؟ قيل : نظير ما فرض الله على أمتنا لهما من فعل المعروف لهما والقول الجميل، وخفض جناح الذل رحمة بهما والتحنن عليهما، والرأفة بهما والدعاء بالخير لهما، وما أشبه ذلك من الأفعال التي ندب الله عباده أن يفعلوا بهما.

القول في تأويل قوله تعالى :﴿وَذي القُرْبَى وَاليتَامَى وَالمسَاكين﴾.


يعني بقوله :﴿وَذي القرْبَى وبذي القربى﴾ أن يصلوا قرابته منهم ورحمه. والقربى مصدر على تقدير «فُعْلَى » من قولك : قربت مني رحم فلان قرابة وقربى وقربا بمعنى واحد. وأما اليتامى فهم جمع يتيم، مثل أسير وأَسارى ويدخل في اليتامى الذكور منهم والإناث. ومعنى ذلك :﴿وإذْ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله﴾ وحده دون من سواه من الأنداد ﴿وبالوالدين إحسانا وبذي القربى﴾، أن تصلوا رَحِمَه، وتعرفوا حقه، ﴿وباليتامى﴾ : أن تتعطفوا عليهم بالرحمة والرأفة، ﴿وبالمساكين﴾ : أن تؤتوهم حقوقهم التي ألزمها الله أموالكم. ﴿والمسكين﴾ : هو المتخشع المتذلل من الفاقة والحاجة، وهو «مِفْعيل » من المسكنة، والمسكنة هي ذلّ الحاجة والفاقة.

القول في تأويل قوله تعالى :﴿وَقُولُوا للنّاس حُسُنا﴾.


إن قال قائل : كيف قيل :﴿وقُولُوا للنّاس حُسْنا﴾فأخرج الكلام أمرا ولما يتقدمه أمرٌ، بل الكلام جار من أول الآية مجرى الخبر ؟ قيل : إن الكلام وإن كان قد جرى في أول الآية مجرى الخبر، فإنه مما يحسن في موضعه الخطاب بالأمر والنهي، فلو كان مكان :«لا تعبدون إلا الله » «لا تعبدوا إلا الله » على وجه النهي من الله لهم عن عبادة غيره كان حسنا صوابا وقد ذكر أن ذلك كذلك في قراءة أبيّ بن كعب. وإنما حسن ذلك وجاز لو كان مقروءا به لأن أخذ الميثاق قول، فكان معنى الكلام لو كان مقروءا كذلك : وإذْ قلنا لبني إسرائيل لا تعبدوا إلا الله، كما قال جل ثناؤه في موضع آخر :﴿وَإذْ أخَذْنا ميثاقَكُمْ ورَفَعْنا فَوْقَكُمْ الطّورَ خُذُوا ما آتيْناكُمْ بِقُوّة﴾. فلما كان حسنا وضع الأمر والنهي في موضع :﴿لا تعبدون إلا الله﴾، عطف بقوله :﴿وَقُولُوا للنّاس حُسْنا﴾ على موضع لا تعبدون، وإن كان مخالفا كل واحد منهما معناه معنى ما فيه، لما وصفنا من جواز وضع الخطاب بالأمر والنهي موضع لا تعبدون فكأنه قيل : وإذا أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدوا إلا الله، وقولوا للناس حسنا. وهو نظير ما قدمنا البيان عنه من أن العرب تبتدئ الكلام أحيانا على وجه الخبر عن الغائب في موضع الحكايات لما أخبرت عنه، ثم تعود إلى الخبر على وجه الخطاب، وتبتدىء أحيانا على وجه الخطاب ثم تعود إلى الإخبار على وجه الخبر عن الغائب لما في الحكاية من المعنيين كما قال الشاعر :
أَسِيئي بنا أوْ أحْسِني لا مَلُومَةًلَديْنا وَلا مَقْلِيّةً إنْ تَقَلّتِ
يعني تقلّيت، وأمّا «الحسن » فإن القراءة اختلفت في قراءته، فقرأته عامة قراءة الكوفة غير عاصم :«وَقُولُوا للنّاس حَسَنا » بفتح الحاء والسين. وقرأته عامة قرّاء المدينة : حُسْنا بضم الحاء وتسكين السين. وقد رُوي عن بعض القراء أنه كان يقرأ :«وَقُولُوا للنّاس حُسْنَى » على مثال «فُعْلَى ».
واختلف أهل العربية في فرق ما بين معنى قوله : حُسْنا، وحَسَنا. فقال بعض البصريين : هو على أحد وجهين : إما أن يكون يراد بالحَسَنِ الحُسْنِ، وكلاهما لغة، كما يقال : البُخْل والبَخَل. وإما أن يكون جعل الحُسْنَ هو الحَسَن في التشبيه، وذلك أن الحُسْنَ مصدر، والحَسَنُ هو الشيء الحسن، ويكون ذلك حينئذ كقولك :«إنما أنت أَكْلٌ وشُرْب »، وكما قال الشاعر :
وخَيْلٍ قَدْ دَلَفْتُ لَهَا بِخَيْلٍتَحِيّةُ بَيْنِهمْ ضَرْبٌ وَجِيعُ
فجعل التحية ضربا.
وقال آخر : بل «الحُسْن » هو الاسم العام الجامع جميع معاني الحسن، «والحَسَن » هو البعض من معاني الحُسْن، قال : ولذلك قال جل ثناؤه إذ أوصى بالوالدين : وَوَصّيْنا الإنْسانَ بوَالِدَيْهِ حُسْنا يعني بذلك أنه وصاه فيهما بجميع معاني الحسن، وأمر في سائر الناس ببعض الذي أمره به في والديه فقال : وَقُولُوا للنّاسِ حسَنا يعني بذلك بعض معاني الحُسْن. والذي قاله هذا القائل في معنى «الحُسْن » بضم الحاء وسكون السين غير بعيد من الصواب، وأنه اسم لنوعه الذي سمي به. وأما «الحَسَن » فإنه صفة وقعت لما وصف به، وذلك يقع بخاص. وإذا كان الأمر كذلك، فالصواب من القراءة في قوله :«وَقُولُوا للنّاسِ حَسَنا » لأن القوم إنما أمروا في هذا العهد الذي قيل لهم : وقولوا للناس باستعمال الحَسَن من القول دون سائر معاني الحسن، الذي يكون بغير القول، وذلك نعت لخاص من معاني الحُسْن وهو القول. فلذلك اخترت قراءته بفتح الحاء والسين، على قراءته بضم الحاء وسكون السين.
وأما الذي قرأ ذلك :«وَقُولُوا للنّاسِ حُسْنَى » فإنه خالف بقراءته إياه كذلك قراءة أهل الإسلام، وكفى شاهدا على خطأ القراءة بها كذلك خروجها من قراءة أهل الإسلام لو لم يكن على خطئها شاهد غيره، فكيف وهي مع ذلك خارجة من المعروف من كلام العرب ؟ وذلك أن العر

تفسير هذه الآية من كتب أخرى