كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني

عن الكتاب
قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ :﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ ؛ أي أخَذنا عليهم في التوراةِ العهدَ الشديدَ :﴿لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللَّهَ﴾ ؛ بالتاء قرأ ابنُ كثيرٍ وحمزة والكسائيُّ ؛ وقرأ الباقون بالياءِ. قال أبو عمرٍو : وَالإنْزَاهُ ﴿وَقُولُواْ لِلنَّاسِ﴾ فَدَلَّتِ الْمُخَاطَبَةُ عَلَى التَّاءِ. قال الكسائي : إنَّمَا ارْتَفَعَ ﴿لاَ تَعْبُدُونَ﴾ لأَنَّ مَعْنَاهُ : أخَذْنَا مِيْثَاقَ بَنِي إسْرَائِيْلَ أنْ لاَ تَعْبُدُونَ إلاَّ اللهِ. فَلَمَّا أَلْقَى (أنْ) رَفَعَ، وَمِثْلُهُ : لاَ يَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ، ونظيرهُ قوله تعالى :﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ﴾[الزمر: ٦٤] يريدُ : أنْ أعبدَ ؛ فلما حذفَ (أنْ) الناصبةَ عاد الفعلُ إلى المضارعة. وقرأ أُبَيُّ بنُ كعب :(لاَ تَعْبُدُوا) جزماً على النَّهيِ ؛ أي وقل لَهم : لا تعبدُوا إلاَّ الله.
ومعنى الآيةِ : أمَرْنَاهُم بإخلاصِ العبادةِ لله عَزَّ وَجَلَّ، ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً﴾ ؛ أي وصَّيناهم بالوالدين إحساناً برّاً بهما ؛ وعَطْفاً عليهما. وإنَّما قال :﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ﴾ وأحدُهما والدةٌ ؛ لأن المذكَّرَ والمؤنَّثَ إذا اقترَنَا غلبَ المذكرُ لخفَّته وقوَّته.
قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ :﴿وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ﴾ ؛ أي وبذي القُربَى. ووصَّيناهم بصِلَةِ الرَّحمِ. واليَتَامَى : جمعُ يَتِيْمٍ ؛ وهو الطفلُ الذي لا أبَ له. والمساكينُ : الفقراءُ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْناً﴾ ؛ اختلفَ القُرَّاء فيه ؟ فقرأ زيدُ بن ثابت وأبو العاليةِ وعاصم وأبو عمرٍو ونافع بضمِّ الحاء وجزْمِ السِّين ؛ وهي قراءةُ أبي حاتِم، ودليلهُ قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَبِالِدَيْنِ حُسْناً﴾ [النساء: ٣٦] وَقَوْلُهُ :﴿ثُمَّ بَدَّلَ حُسْناً بَعْدَ سُوءٍ﴾ [النمل: ١١].
وقرأ ابنُ مسعودٍ وحمزة والكسائي وخلَف :(حَسَناً) بفتح الحاءِ والسِّين ؛ وهو اختيارُ أبي عُبيد. قال : إنَّما آثرْنَاهَا ؛ لأَنَّهَا نَعْتٌ بمَعْنَى قَوْلاً حَسَناً. وقرأ عيسَى بن عمر بضمِّ الحاء والسِّين والتنوين ؛ وهو لغةٌ مثل (النُّصُبُ والسُّحُتُ). وقرأ عاصمُ الجحدري (إحْسَاناً) بالألف. وقرأ أُبَي بنُ كعبٍ وطلحة بن مصرف (حُسْنِي) بالتأنيثِ مرسلةً ؛ ومجازهُ كلمة حُسْنَى.
ومعنى الآية : أيُّهَا الرُّؤَسَاءُ مِنَ الْيَهُودِ قُولُواْ لِلسَّفَلَةِ قَوْلاً حَسَناً ؛ أيْ حَقّاً وَصِدْقاً، وَبَيِّنُواْ لَهُمْ صَفَةَ النَّبِيِّ ﷺ كَمَا فِي التَّوْرَاةِ، وَلاَ تَكْتُمُوهَا، وَلاَ تُغَيِّرُواْ صِفَةَ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم. هَذا قولُ ابنِ عبَّاس وابن جُبير وابن جريج ومقاتل. ودليله قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْداً حَسَناً﴾[طه: ٨٦] أي صِدقاً. وَقِيْلَ : معناه : مُرُوهُمْ بالمعروف وانْهُوهُمْ عن المنكرِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُّعْرِضُونَ﴾ ؛ ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ﴾ أي ثُم أعرَضْتم عن العهدِ والميثاق. وقولهُ ﴿إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْكُمْ﴾ هو عبدُالله بن سلامٍ وأصحابهُ. وانتصبَ (قَلِيْلاً) على الاستثناءِ.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى