الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي

عن الكتاب
قولُه تعالى :﴿وَإِذْ أَخَذْنَا﴾. . " إذ " معطوفٌ على الظروفِ التي قبله، وقد تقدَّم ما فيه من كونِه متصرفاً أو لا. و " أَخَذْنا " في محلِّ خفضٍ، أي : واذكر وقتَ أَخْذِنا ميثاقَهم أو نحو ذلك.
قوله :﴿لاَ تَعْبُدُونَ﴾ قُرئ بالياءِ والتاء، وهو ظاهرٌ. فَمَنْ قَرَأَ بالغَيْبة فلأنَّ الأسماءَ الظاهرةَ حكمُها الغَيْبة، ومَنْ قَرَأَ بالخطابِ فهو التفاتٌ، وحكمتُه أنَّه أَدْعى لقبولِ المخاطبِ الأمرَ والنهيَ الوارِدَيْنِ عليه، وجَعَل أبو البقاء قراءةَ الخطابِ على إضمارِ القَوْلِ. قال :" يُقْرَأُ بالتاء على تقدير : قُلْنا لهم : لا تَعْبُدون إلا الله " وكونُه التفاتاً أَحْسَنُ، وفي هذه الجملةِ المنفيَّةِ من الإِعرابِ ثمانيةُ أوجهٍ، أَظْهَرُها : أنَّها مفسِّرةٌ لأخْذِ الميثاقِ، وذلك أنه لمَّا ذَكَرَ تعالى أنه أَخَذَ ميثاقَ بني إسرائيل كانَ في ذلك إيهامٌ للميثاق ما هو ؟ فأتى بهذه الجملةِ مفسِّرةً له، ولا محلَّ لها حينئذٍ من الإِعراب. الثاني : أنها في محلِّ نصبٍ على الحال من " بني إسرائيل " وفيها حينئذ وجهان، أحدُهما : أنَّها حالٌ مقدَّرة بمعنى أَخَذْنا مِيثاقَهم مقدِّرين التوحيدَ أبداً ما عاشُوا. والثاني : أنها حالٌ مقارِنةٌ بمعنى : أَخَذْنا ميثاقَهم ملتزمين الإِقامةَ على التوحيد، قالَه أبو البقاء، وسَبَقَه إلى ذلك قطرب والمبرِّد، وفيه نظرٌ من حيث مجيءُ الحال من المضافِ إليه/ في غير المواضِع الجائز فيها ذلك على الصحيحِ، خلافاً لمَنْ أجازَ مجيئَها من المضافِ إليه مطلقاً، لا يُقال المضافُ إليه معمولٌ في المعنى لميثاق، لأنَّ ميثاقاً إمَّا مصدرٌ أو في حكمه، فيكونُ ما بعده إمَّا فاعلاً أو مفعولاً، وهو [ غير ] جائز لأنَّ مِنْ شرطِ عملِ المصدرِ غير الواقِعِ موقعَ الفعلِ أَنْ ينحلَّ لحرفٍ مصدريٍ وفعل هذا لاَ يَنْحَلُّ لهما، لَو قَدَّرْتَ : وإذ أَخَذْنا أن نواثِقَ بني إسرائيلَ أو يواثقنا بنو إسرائيل لم يَصِحَّ، ألا ترى أنَّك لو قُلْتَ : أَخَذْتُ علمَ زيدٍ لم يتقدَّر بقول : أخذت أَنْ يعلَمَ زيدٌ، ولذلك مَنَع ابن الطراوة في ترجمة سيبويه :" هذا بابُ علم ما الكِلمُ من العربية " أن يُقَدَّر المصدرُ بحرفٍ مصدري والفعل، وَردَّ وأنكر على مَنْ أجازه. الثالث : أن يكنَ جواباً لقسمٍ محذوفٍ دَلَّ عليه لفظُ الميثاق، أي : استَحْلَفْناهم أو قلنا لهم : باللهِ لا تعبدون. ونُسِب هذا الوجهُ لسيبويه ووافقه الكسائي والفراء والمبرِّدُ. الرابع : أن يكونَ على تقديرِ حَذْفِ حرفِ الجرّ، وحَذْفِ أَنْ، والتقديرُ : أَخَذْنَا ميثاقَهم على أَنْ لا تعبدوا أَو بأَنْ لا تَعْبدوا، فَحُذِفَ حرفُ الجر لأنَّ حَذْفَه مطَّردٌ مع أَنَّ وأَنْ كما تقدَّم غيرَ مرة، ثم حُذِفَتْ " أَنْ " الناصبةُ فارتفع الفعلُ بعدَها ونظيرُه قولُ طرفة :
أَلا أَيُّهذا الزاجري أحضرُ الوغىوأَنْ أشهدَ اللذاتِ هل أَنْتَ مُخْلِدي.
وحَكَوا عن العرب :" مُرْهُ يَحْفِرَها " أي : بِأَنْ يَحْفِرَها، والتقديرُ : عن أَنْ أَحْضُرَ، وبأَنْ يَحْفِرَها، وفيه نظرٌ، فإنَّ إضمارَ " أَنْ " لا ينقاسُ، إنَّما يجوزُ في مواضعَ عَدَّها النَّحْويون وجَعَلُوا ما سِواها شاذاً قليلاً، وهو الصحيحُ خلافاً للكوفيين. وإذا حُذِفَتْ " أَنْ " فالصحيحُ جوازُ النصبِ والرفعِ، ورُوي :" مُرْه يَحْفِرها "، وأَحْضُر الوغى " بالوجهين، وهذا رأيُ المبرد والكوفيين خلافاً لأبي الحسن حيث التزم رفعَه. وللبحثِ موضعٌ غيرُ هذا هو أَلْيَقُ به. وأيَّد الزمخشري هذا الوجهَ الرابعَ بقراءةِ عبد الله :" لاَ تَعْبُدوا " على النهي. الخامس : أَنْ يكونَ في محلِّ نصبٍ بالقولِ المحذوفِ، وذلك القولُ حالٌ تقديره : قائلين لهم لا تعبدون إلا اللهَ، ويكونُ خبراً في معنى النهي ويؤيِّده قراءةُ أُبَيّ المتقدمة، وبهذا يَتَّضح عطفُ " وقولوا " عليه، وبه قال الفراء. السادس : أَنَّ " أَنْ " الناصبة مضمرةٌ كما تقدَّم، ولكنها هي وما في حَيِّزها في محلِّ نصب على أنها بدلٌ من " ميثاق "، وهذا قريبٌ من القولِ الأول من حيثُ إنَّ هذه الجملة مفسِّرةٌ للميثاق، وفيه النظرُ المتقدم، أعني حَذْفَ " أَنْ " في غيرِ المواضِع المَقِيسة. السابعُ : أَنْ يكونَ منصوباً بقولٍ محذوفٍ، وذلك القولُ ليس حالاً، بل مجرَّدُ إخبارٍ، والتقديرُ : وقُلْنا لهم ذلك، ويكونُ خبراً في معنى النهي. قاله الزمخشري :" كما تقولُ : تذهَبُ إلى فلانٍ تقولُ له كذا، تريدُ الأمر، وهو أَبْلَغُ من صريحِ الأمر والنهي، لأنَّه كأنه سُورع إلى الامتثالِ والانتهاءِ فهو يُخْبِرُ عنه، وتَنْصُره قراءة أُبَي وعبد الله :" لا تعبدوا " ولا بدَّ من إرادة القول ". انتهى، وهو كلامٌ حسنٌ جداً.
الثامن : أن يكونَ التقديرُ : أَنْ لا تعبدون، وهي " أَنْ " المفسِّرة، لأنَّ في قوله :﴿أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ إيهاماً كما تقدَّم، وفيه معنى القول، ثم حُذِفَتْ " أَنْ " المفسِّرة، ذكره الزمخشري. وفي ادِّعاء حَذْفِ حرفِ التفسيرِ نَظَرٌ لا يَخْفَى.
وقوله :﴿إِلاَّ اللَّهَ﴾ استثناءٌ مفرغ، لأنَّ ما قَبله مفتقرٌ إليه وقد تقدَّم تحقيقُه أولاً. وفيه التفاتٌ من التكلُّم إلى الغَيْبة، إذ لو جَرَى الكلامُ على نَسقَه لقيل : لا تَعْبدون إلا إيانا، لقوله " أَخَذْنَا ". وفي هذا الالتفاتِ من الدلالةِ على عِظَمِ هذا الاسم والتفرُّدِ به ما ليس في المُضْمر، وأيضاً الأسماءُ الواقعةُ ظاهرةٌ فناسَبَ أنْ يُجاوِرَ الظاهرُ الظاهرَ.
قوله :﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً﴾ فيه خمسةُ أوجهٍ، أحدُها : أَنْ تتعلَّقَ الباء ب " إحساناً "، على أنَّه مصدرٌ واقعٌ موقعَ فعلِ الأمر، والتقديرُ : وأَحْسِنوا بالوالدَيْنِ، والباءُ ترادِفُ " إلى " في هذا المعنى، تقول : أَحْسَنْتُ به وإليه، بمعنى أَنْ يكونَ على هذا الوجهِ ثَمَّ مضافٌ محذوفٌُ، أي : وأَحْسنوا بِرَّ الوالدَيْن بمعنى : أَحْسِنوا إليهما بِرَّهما.
قال ابن عطية :" يَعْتَرِضُ هذا القولَ أَنْ يتقدَّمَ على المصدرِ معمولُه " وهذا الذي جَعَله ابنُ عطية اعتراضاً على هذا القولِ لا يتِمُّ على مذهب الجمهور، فإنَّ مذهبَهَم جوازُ تقديم معمولِ المصدرِ النائبِ عن فِعْل الأمر عليه، تقول : ضرباً زيداً، وإنْ شئْتَ : زيداً ضرباً، وسواءً عندهم إنْ جَعَلْنَا العملَ للفعلِ المقدَّرِ أم للمصدرِ النائبِ عن فِعْلِه فإنَّ التقديمَ عندَهم جائزٌ، وإنما يمتنعُ تقديمُ معمولِ المصدرِ المنحلِّ لحرفٍ مصدري والفعلِ، كما تقدَّم بيانه آنِفاً، وإنما يَتِمُّ على مذهبِ أبي الحسن، فإنه يمنَعُ تقديمَ معمولِ المصدرِ النائبِ عن الفعلِ، وخالَفَ الجمهورَ في ذلك. الثاني : أنها متعلقةٌ بمحذوفٍ، وذلك المحذوفُ يجوزُ أَنْ يُقَدَّر فعلَ أمرٍ مراعاةً لقولِه :﴿لاَ تَعْبُدُونَ﴾ فإنه في معنى النهي كما تقدَّم، كأنه قال : لا تَعْبدوا إلا اللهَ وأَحْسِنوا بالوالدين. ويجوز أن يُقَدَّر خبراً مراعاةً لِلَفْظِ " لا تعبدون " والتقديرُ : وتُحْسِنُون. وبهذين الاحتمالين قَدَّر الزمخشري، وَيَنْتَصِبُ " إحساناً " حينئذٍ على المصدرِ المؤكِّد لذلك الفعلِ المحذوفِ. وفيه نظرٌ من حيث إنَّ حَذْفَ عاملِ المؤكِّد منصوصٌ على عدمِ جوازِه، وفيه بَحْثٌ ليس هذا موضعَه. الثالث :/ أن يكونَ التقديرُ : واستوصُوا بالوالدَيْن فالباءُ تتعلَّقُ بهذا الفعل المقدَّرِ، وينتصبُ " إحساناً " حينئذٍ على أنه مفعولٌ به. الرابعُ : تقديرُه : ووصَّيْناهم بالوالدَيْنِ، فالباءُ متعلِّقةٌ بالمحذوفِ أيضاً، وينتصبُ " إحساناً " حينئذٍ على أنه مفعولٌ من أجلهِ، أي لأجل إحساننا إلى المُوصَى بهم من حيث إن الإِحسانَ مُتَسَبِّبٌ عن وصيتِنا بهم أو الموصى لِما يترتَّبُ الثوابِ منَّا لهم إذا أَحْسَنوا إليهم. الخامس : أن تكونَ الباءُ وما عَمِلَتْ فيه عطفاً على قولِه :﴿لاَ تَعْبُدُونَ﴾ إذا قيلَ بأنَّ " أَنْ " المصدريةَ مقدرةٌ، فينسِبُكَ منها ومِمَّا بعدها مصدرٌ يُعْطَفُ عليه هذا المجرورُ، والتقديرُ : أََخَذْنا ميثاقَهم بإفرادِ الله بالعبادَةِ وبالوالدَيْن، أي : وبِبِرِّ الوالدَيْن، أو بإحسانٍ إلى الوَالدَيْن، فتتعلَّقُ الباءُ حينئذٍ بالميثاقِ لِما فيه من معنى الفعلِ، فإن الظرفَ وشِبْهَهُ تعملُ فيه روائحُ الأفعالِ، وينتصبُ " إحساناً " حينئذٍ على المصدر من ذلك المضافِ المحذوفِ وهو البِرُّ لأنه بمعناه أو الإِحسانُ الذي قَدَّرناه. والظاهرُ من هذه الأوجهِ إنما هو الثاني لِعَدَمِ الإِضمارِ اللازم في غَيْره، ولأنَّ ورودَ المصدرِ نائباً عن فعلِ الأمر مطَّرد شائِعٌ، وإنَّما قٌدِّم المعمولُ اهتماماً به وتنبيهاً على أَنَّه أَوْلَى بالإِحسان إليه مِمَّن ذُكِرَ معه.
والوالدان : الأبُ والأمُ، يُقال لكلِّ واحدٍ منهما والد، قال :
ألا رُبَّ مولودٍ وليسَ لَهُ أبٌوذي وَلَدْ لَمْ يَلْدَهُ أبوانِ
وقيل : لا يقال في الأم : والدة بالتاء، وإنما قِيل فيها وفى الأب : والدان تغليباً للمذكَّر. والإِحسانُ : الإِنعامُ على الغير، وقيل : بل هو أَعَمُّ من الإِنعام، وقيل هو النافِعُ لكل شيء.
قوله :﴿وَذِي الْقُرْبَى﴾ وما بعدَه عطفٌ على المجرورِ بالباءِ، وعلامةُ الجرِّ فيها الياءُ ؛ لأنَّها من الأسماءِ الستةِ تُرْفَعُ بالواو وتُنْصَبُ بالألف وتُجَرُّ بالياء بشروطٍ ذكرها النحويون، وهل إعرابُها بالحروفِ أو بغيرها.
عشرةُ مذاهبِ للنحْويين فيها، ليس هذا موضعَ ذِكْرِها، وهي من الأسماء اللازمةِ للإِضافةِ لفظاً ومعنًى إلى أسماءِ الأجناس ليُتَوَصَّل بذلك إلى وَصْف النكرة باسمِ الجنسِ، نحو : مَرَرْتُ برجلٍ ذي مالٍ، وإضافتُه إلى المضمرِ ممنوعةٌ إلا في ضرورةٍ أو نادرِ كلام كقوله :
صَبَحْنا الخَزْرَجِيَّةَ مُرْهَفاتٍأبانَ ذوي أَرُومَتِها ذَوُوها
وأنشد الكسائي :
إنما يَعْرِفُ المَعْروفَ في الناس ذَوُوه
وعلى هذا قولُهم : اللهم صَلِّ على محمدٍ وذَويه، وإضافتُه إلى العَلَمِ قليلةٌ جداً، وهي على ضَرْبين : واجبةٌ وذلك إذا اقْتَرَنا وَضْعاً نحو : ذي يزن وذي رَعين، وجائزةٌ وذلك [ إذا ] لم يقترنا وَضْعاً نحو : ذي قَطَري وذي عمرو، أي : صاحبُ هذا الاسمِ، وأقلُّ من ذلك إضافتُها إلى ضميرِ المخاطب كقوله :
وإنَّا لَنَرْجُو عاجلاً منكَ مثلَ مارَجَوْناه قِدْماً من ذَويك الأفاضلِ
وتَجيء " ذو " موصولةً بمعنى الذي وفروعِه، والمشهورُ حينئذٍ بناؤها وتذكيرها، ولها أحكامٌ كثيرة مذكورةٌ في كتب النحو.
و " القُرْبى " مضافٌ إليه وأَلِفُه للتأنيث وهو مصدرٌ كالرُّجْعى والعُقْبى، ويُطْلق على قَرابة الصُّلب والرَّحِم، قال طَرَفة :
وظُلْمُ ذوي القُرْبى أشدُّ مضاضةًعلى الحُرِّ مِنْ وَقْعِ الحُسامِ المُهَنَّدِ
وقال أيضاً :

تفسير هذه الآية من كتب أخرى