اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي
عن الكتاب
﴿إِذْ﴾معطوف على الظرف قبله، وقد تقدم ما فيه من كونه متصرفاً أو لا.
و " أَخَذْنَا " في محلّ خفض، أي : واذكر وَقْت أَخْذنا ميثاقهم، أو نحو ذلك.
" لا تَعْبُدُونَ " قرأ ابن كثير وغيره والكِسائي بالياء، والباقون بالتاء.
فمن قرأ بالغيبة فلأن الأسماء الظَّاهرة حكمها الغيبة، ومن قرأ بالخطاب هو الْتِفَات، وحكمته أنه أدعى لِقَبُول المخاطب الأمر والنهي الواردين عليه.
وجعل أبو البقاء قراءة الخِطَاب على إضمار القول.
قال : يقرأ بالتاء على تقدير : قلنا لهم : لا تعبدون إلا الله وكونه التفاتاً أحسن.
وفي هذه الجملة المنفيّة من الإعراب ثمانية أوجه :
أظهرها : أنها مفسرة لأخذ الميثاق، وذلك لأنه تعالى لما ذكر أنه أخذ ميثاق بني إسرائيل كان في ذلك إبْهَام للميثاق ما هو ؟ فأتى بهذه الجُمْلة مفسرة له، ولا محلّ لها حينئذ من الإعراب.
الثاني : أنها في محلّ نصب على الحال من " بَنِي إِسْرَائِيْلَ " وفيها حينئذ وجهان :
أحدهما : أنها حال مقدّرة بمعنى : أخذنا ميثاقهم مقدّرين التوحيد أبداً ما عاشوا.
والثَّاني : أنَّها حال مقارنة بمعنى : أخذنا مِيْثَاقهم ملتزمين الإقامة على التوحيد، قاله أبو البقاء [ وسبقه إلى ذلك قطرب والمبرد ].
وفيه نظر من حيث مجيء الحال من المضاف إليه في غير المواضع الجائز فيها ذلك على الصحيح، خلافاً لمن أجاز مجيئها من المُضَاف إليه مطلقاً، لا يقال : المضاف إليه معمول له في المعنى ل " ميثاق " ؛ لأن ميثاقاً إما مصدر أو في حكمه، فيكون ما بعده إما فاعلاً أو مفعولاً، وهو غير جائز ؛ لأن من شرط عمل المصدر غير الواقع موقع الفعل أن ينحل إلى حرف مصدري، وفعل هذا لا ينحل لهما، لو قدرت : وإذ أخذنا أن نواثق بني إسرائيل، أو أن يواثقنا بنو إسرائيل، لم يصح ألا ترى أنك لو قلت : أخذت علم زيد لم يتقدر بقول : أخذت أن يعلم زيد، ولذلك منع ابن الطَّراوة في ترجمة سيبويه :" هذا باب علم ما الكلم من العربية " أن يقدر المصدر بحرف مصدري والفعل، ورده وأنكر على من أجازه.
الثالث : أن يكون جواباً لقسم محذوف دلّ عليه لفظ المِيْثَاق، أي : استحلفناهم، أو قلنا لهم : بالله لا تعبدون، ونسب هذا الوجه لسيبويه، ووافقه الكسائي والفَرّاء والمبرد.
الرابع : أن يكون على تقدير حذف حرف الجر، وحذف " أن "، والتقدير : أخذنا ميثاقهم على ألاَّ تعبدوا بألا تعبدوا، فَحُذِف حرف الجر ؛ لأن حذفه مطرد مع " أنَّ وأنْ " كما تقدم، ثم حذفت " أن " الناصبة، فارتفع الفعل بعدها ؛ كقول طرفة :[ الطويل ]
وحكي عن العرب :" مُرْهُ يَحْفِرَهَا " أي : بأن يحفرها، والتقدير : عن أن يحضر، أو بأن يحفرها، وفيه نظر، فإن [ إضمار ] " أن " لا ينقاس، إنما يجوز في مواضع عدها النحويون، وجعلوا ما سواها شاذّاً قليلاً، وهو الصحيح خلافاً للكوفيين، وإذا حذفت " أن "، فالصحيح جواز [ النصب والرفع ]، وروي :" مُرْهُ يَحْفِرهَا " و " أحضر الوَغَى " بالوجهين، وهذا رأي المبرد والكوفيين خلافاً لأبي الحسن، حيث التزم رفعه.
وأيد الزمخشري هذا الوجه الرابع بقراءة عبد الله :" لاَ تَعْبُدُوا " على النهي، قال : إلاَّ أنه جاء على لفظ الخبر لقوله تعالى :﴿لاَ تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا﴾ [البقرة: ٢٣٣]، قال : والذي يؤكد كونه نهياً [ قوله :" وأقيموا الصلاة " ] فإنه تنصره قراءة عبد الله وأُبي :" لا تعبدوا ".
الخامس : أن يكون في محلّ نصب بالقول المحذوف، وذلك القول حال تقديره : قائلين لهم : لا تعبدون إلا الله، ويكون خبراً في معنى النهي، ويؤيده قراءة أُبَي المتقدمة، ولهذا يصح عطف " قُولُوا " عليه، وبه قال الفَرّاء.
السادس : أَنَّ " أنْ " الناصبة مضمرة كما تقدم، ولكنها هي وما في حَيّزها في محلّ نصب على أنها بدل من " مِيْثَاق "، وهذا قريب من القول الأول من حيث إن هذه الجملة مفسرة للميثاق، وفيه النظر المتقدم أعني حذف أن في غير المواضع المقيسة.
السابع : أن يكون منصوباً بقول محذوف، وذلك القول ليس حالاً، بل مجرد إخبار، والتقدير : وقلنا لهم ذلك، ويكون خبراً في معنى النهي.
قال الزمخشري : كما تقول : تذهب إلى فلان تقول له : كذا تريد الأمر، وهو أبلغ من صريح الأمر والنهي ؛ لأنه كأنه سُورعَ إلى الامتثال والانتهاء، فهو يخبر عنه، وتَنْصره قراءة عبد الله وأُبَيّ :" لاَ تَعْبُدُوا " ولا بد من إرادة القول بهذا.
الثامن : أن يكون التقدير :" ألاَّ تَعْبُدُونَ " وهي " أن " المفسرة ؛ لأن في قوله :﴿أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ إيهاماً كما تقدم، وفيه معنى القول، ثم حذف " أن " المفسرة، ذكره الزَّمخشري.
وفي ادعاء حذف حرف التفسير نظر لا يخفى.
قوله :" إِلاَّ اللهَ " استثناء مفرغ ؛ لأن ما قبله مفتقر إليه وقد تقدم تحقيقه أولاً.
وفيه التفات من التكلّم إلى الغيبة، إذ لو جرى الكَلاَم على نسقه لقيل : لا تعبدون إلاَّ إيانا، لقوله :" أَخّذْنَا ".
وفي هذا الالتفات من الدّلالة على عظم هذا الاسم والتفرد به ما ليس في المضمر، وأيضاً الأسماء الواقعة ظاهرة، فناسب أن يجاور الظاهرُ الظاهرَ.
هذا الميثاق يدلّ على تمام ما لا بد منه في الدين، لأنه تعالى لما أمر بعبادته، ونهى عن عبادة غيره، وذلك مسبوق بالعِلْمِ بذاته سبحانه، وجميع ما يجب ويجوز ويستحيل عليه، وبالعلم بوحدانيته وبراءته عن الأضداد والأنداد، ومسبوق أيضاً بالعلم بكيفية تلك العبادة الَّتِي لا سبيل إلى معرفتها إلا بالوَحْي والرسالة، فقوله :﴿لا تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللهَ﴾ يتضمّن كلّ ما اشتمل عليه علم الكلام والفقه والأحكام.
وقال مكّي :" هذا الميثاق هو الذي أخذه عليهم حين أخرجوا من ظهر آدم كالذَّر " و " بِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً " فيه خمسة أوجه :
أحدها : أن تتعلق الباء ب " إحساناً " على أنه مصدر واقع [ موقع ] فعل الأمر، والتقدير وأحسنوا وبالوالدين، والباء ترادف " إلى " في هذا المعنى، تقول : أحسنت به وإليه، بمعنى أن يكون على هذا الوجه ثَمَّ مضافٌ محذوف، وأحسنوا بر الوالدين بمعنى : أحسنوا إليهما برّهما.
قال ابن عطية : يعترض على هذا القول، أن يتقدّم على المصدر معمولُهُ، وهذا الاعتراض لا يتم على مَذْهَب الجمهور، فإن مذهبهم جواز تقديم معمول المَصْدر النَّائب عن فعل الأمر عليه، تقول :" ضرباً زيداً " وإن شئت :" زيداً ضرباً " وسواء عندهم إن جعلنا العمل للفعل المقدر، أم للمصدر النائب عن فعله، فإن التقديم عندهم جائز، وإنما يمتنع تقدم
معمول المَصْدر المنحل لحرف مصدري والفعل كما تقدم وإنما يتم على مذهب أبي الحسن، فإنه منع تقديم معمول المصدر النائب عن الفعل، ويخالف الجمهور في ذلك.
الثاني : أنها متعلّقة بمحذوف وذلك المحذوف يجوز أن يقدر فعل أمر مُرَاعاة لقوله :" لاَ تَعْبُدُونَ " فإنه في معنى النهي كما تقدم، كأنه قال : لا تبعدوا إلا الله وأحسنوا بالوالدين، ويجوز أن يقدر خبراً مراعاة لِلَفْظِ " لاَ تَعْبُدُونَ " والتقدير : وتحسنون [ وإن كان معناه الأمر، وبهذين ] الاحتمالين قدره الزمخشري، وينتصب " إحساناً " حينئذ على المصدر المؤكّد لذلك الفعل المحذوف.
وفيه نظر من حيث إن حذف عامل المؤكّد منصوصٌ على عدم جوازه، وفيه بحث ليس هذا موضعه.
الثالث : أن يكون التقدير : واستوصوا بالوالدين، ف " البَاء " متعلّقة [ بهذا الفعل المقدر ] أيضاً، وينتصب " إحساناً " حينئذ على أنه مفعول به.
الرابع : تقديره : وَوَصَّيْنَاهُمْ بالوالدين، فالباء متعلّقة بالمحذوف أيضاً، وينتصب " إحساناً " [ حينئذ ] على أنه مفعول لأجله، أي : لأجل إحساننا إلى الموصى بهم من حيث إنّ الإحسان متسبّب عن وصيتنا بهم، أو الموصى لما يترتب الثواب منّا لهم إذا أحسنوا إليهم.
الخامس : أن تكون الباء وما عملت فيه عطفاً على قوله :" لاَ تَعْبُدُونَ " إذا قيل بأن " أن " المصدرية مقدرة فينسبك منها ومما بعدها مصدر يعطف عليه هذا المجرور، والتقدير : أخذنا ميثاقهم بإفراد الله بالعبادة وبالوالدين، أي : وببرّ الوالدين، أو : بإحسان إلى الوالدين، فتتعلّق " الباء " حينئذ ب " الميثاق " لما فيه من مَعْنَى الفعل، فإن الظرف وشبهه تعمل فيه رَوَائح الأفعال، وينتصب " إحساناً " حينئذ على المصدر من ذلك المضاف المحذوف، وهو " البر " لأنه بمعناه، أو الإحسان الذي قدرناه.
والظّاهر من هذه الأوجه هو الثَّاني، لعدم الإضمار اللازم في غيره، أو لأن ورود المصدر نائباً عن فعل الأمر مطّرد شائع.
وإنما تقدّم المعمول اهتماماً به وتنبيهاً على أنه أولى بالإحسان إليه ممن ذُكِرَ معه.
و " الَوالِدَان " الأب والأم، يقال لكل واحدٍ منهما : والد ؛ قال :[ الطويل ]
وقيل : لا يقال في الأم : والدة بالتاء، وإنما قيل فيها وفي الأب : والدان تغليباً للذكر.
و " الإحسان " : الإنعام على الغير.
وقيل : بل هو أعم من الإنعام.
وقيل : هو النَّافع لكل شيء.
قال ابن الخَطِيْبِ : إنما أراد عبادة الله بالإحْسَان إلى الوالدين لوجوه :
أحدها : أن نعمة الله على العَبْدِ أعظم النعم، فلا بد من تقديم شكره على شُكْرِ غيره، ثم بعد نعمة الله فنعمة الوالدين أعظم النّعم ؛ لأن الوالدين هما الأصل في وجود الولد، ومنعمان عليه بالتربية، فإنعامهما أعظم الإنْعَام بعد إنعام الله تعالى.
وثانيها : أن الله سبحانه وتعالى المؤثر في وجود الإنْسَان في الحقيقة، والوالدان مؤثران في وجوده بحسب العُرْفِ الظاهر، فلأنه المؤثر الحقيقي أردفه بذكر المؤثر بحسب العرف الظَّاهر.
وثالثها : أن الله سبحانه وتعالى لا يطلب على إنعامه على العبد عوضاً ألبتَّة، وإنعام الوالدين كذلك، فإنهما لا يطلبان على الإنعام على الولد عوضاً.
ورابعها : أن الله لا يملّ من الإنعام على العبد، ولو أتى العبد بأعظم الجرائم، فإنه لا يقطع عنه مواد نعمه، وكذلك الوالدان لا يملاَّن الولد ولا يقطعان عنه موادتهما وإن كان الولد مسيئاً إلى الوالدين.
وخامسها : كما أن الوالد المشفق يتصرّف في مال ولده بالاسْتِرْبَاحِ، وطلب الزيادة ويصونه عن البخس والنقصان، فكذلك الحقّ سبحانه وتعالى يتصرف في طاعة العبد، فيصونها عن الضياع ويضاعفها كما قال :﴿مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّاْئَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ﴾ [البقرة: ٢٦١].
فلما تشابها من هذه الحيثيات كانت نعم الوالدين قليلة بالنسبة إلى نِعَمِ الله تعالى، [ بل النعم كلها من الله تعالى فلا ] جَرَمَ ذكر الإحسان إلى الوالدين عقب ذكر عبادة الله تعالى.
و " أَخَذْنَا " في محلّ خفض، أي : واذكر وَقْت أَخْذنا ميثاقهم، أو نحو ذلك.
" لا تَعْبُدُونَ " قرأ ابن كثير وغيره والكِسائي بالياء، والباقون بالتاء.
فمن قرأ بالغيبة فلأن الأسماء الظَّاهرة حكمها الغيبة، ومن قرأ بالخطاب هو الْتِفَات، وحكمته أنه أدعى لِقَبُول المخاطب الأمر والنهي الواردين عليه.
وجعل أبو البقاء قراءة الخِطَاب على إضمار القول.
قال : يقرأ بالتاء على تقدير : قلنا لهم : لا تعبدون إلا الله وكونه التفاتاً أحسن.
وفي هذه الجملة المنفيّة من الإعراب ثمانية أوجه :
أظهرها : أنها مفسرة لأخذ الميثاق، وذلك لأنه تعالى لما ذكر أنه أخذ ميثاق بني إسرائيل كان في ذلك إبْهَام للميثاق ما هو ؟ فأتى بهذه الجُمْلة مفسرة له، ولا محلّ لها حينئذ من الإعراب.
الثاني : أنها في محلّ نصب على الحال من " بَنِي إِسْرَائِيْلَ " وفيها حينئذ وجهان :
أحدهما : أنها حال مقدّرة بمعنى : أخذنا ميثاقهم مقدّرين التوحيد أبداً ما عاشوا.
والثَّاني : أنَّها حال مقارنة بمعنى : أخذنا مِيْثَاقهم ملتزمين الإقامة على التوحيد، قاله أبو البقاء [ وسبقه إلى ذلك قطرب والمبرد ].
وفيه نظر من حيث مجيء الحال من المضاف إليه في غير المواضع الجائز فيها ذلك على الصحيح، خلافاً لمن أجاز مجيئها من المُضَاف إليه مطلقاً، لا يقال : المضاف إليه معمول له في المعنى ل " ميثاق " ؛ لأن ميثاقاً إما مصدر أو في حكمه، فيكون ما بعده إما فاعلاً أو مفعولاً، وهو غير جائز ؛ لأن من شرط عمل المصدر غير الواقع موقع الفعل أن ينحل إلى حرف مصدري، وفعل هذا لا ينحل لهما، لو قدرت : وإذ أخذنا أن نواثق بني إسرائيل، أو أن يواثقنا بنو إسرائيل، لم يصح ألا ترى أنك لو قلت : أخذت علم زيد لم يتقدر بقول : أخذت أن يعلم زيد، ولذلك منع ابن الطَّراوة في ترجمة سيبويه :" هذا باب علم ما الكلم من العربية " أن يقدر المصدر بحرف مصدري والفعل، ورده وأنكر على من أجازه.
الثالث : أن يكون جواباً لقسم محذوف دلّ عليه لفظ المِيْثَاق، أي : استحلفناهم، أو قلنا لهم : بالله لا تعبدون، ونسب هذا الوجه لسيبويه، ووافقه الكسائي والفَرّاء والمبرد.
الرابع : أن يكون على تقدير حذف حرف الجر، وحذف " أن "، والتقدير : أخذنا ميثاقهم على ألاَّ تعبدوا بألا تعبدوا، فَحُذِف حرف الجر ؛ لأن حذفه مطرد مع " أنَّ وأنْ " كما تقدم، ثم حذفت " أن " الناصبة، فارتفع الفعل بعدها ؛ كقول طرفة :[ الطويل ]
| ٦١٣- أَلاَ أَيُّهَذَا الزَّاجِرِي أَحْضُرُ الْوَغَى | وَأَنْ أَشْهَدَ اللَّذَّاتِ، هَلْ أَنْتَ مُخْلِدِي |
وأيد الزمخشري هذا الوجه الرابع بقراءة عبد الله :" لاَ تَعْبُدُوا " على النهي، قال : إلاَّ أنه جاء على لفظ الخبر لقوله تعالى :﴿لاَ تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا﴾ [البقرة: ٢٣٣]، قال : والذي يؤكد كونه نهياً [ قوله :" وأقيموا الصلاة " ] فإنه تنصره قراءة عبد الله وأُبي :" لا تعبدوا ".
الخامس : أن يكون في محلّ نصب بالقول المحذوف، وذلك القول حال تقديره : قائلين لهم : لا تعبدون إلا الله، ويكون خبراً في معنى النهي، ويؤيده قراءة أُبَي المتقدمة، ولهذا يصح عطف " قُولُوا " عليه، وبه قال الفَرّاء.
السادس : أَنَّ " أنْ " الناصبة مضمرة كما تقدم، ولكنها هي وما في حَيّزها في محلّ نصب على أنها بدل من " مِيْثَاق "، وهذا قريب من القول الأول من حيث إن هذه الجملة مفسرة للميثاق، وفيه النظر المتقدم أعني حذف أن في غير المواضع المقيسة.
السابع : أن يكون منصوباً بقول محذوف، وذلك القول ليس حالاً، بل مجرد إخبار، والتقدير : وقلنا لهم ذلك، ويكون خبراً في معنى النهي.
قال الزمخشري : كما تقول : تذهب إلى فلان تقول له : كذا تريد الأمر، وهو أبلغ من صريح الأمر والنهي ؛ لأنه كأنه سُورعَ إلى الامتثال والانتهاء، فهو يخبر عنه، وتَنْصره قراءة عبد الله وأُبَيّ :" لاَ تَعْبُدُوا " ولا بد من إرادة القول بهذا.
الثامن : أن يكون التقدير :" ألاَّ تَعْبُدُونَ " وهي " أن " المفسرة ؛ لأن في قوله :﴿أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ إيهاماً كما تقدم، وفيه معنى القول، ثم حذف " أن " المفسرة، ذكره الزَّمخشري.
وفي ادعاء حذف حرف التفسير نظر لا يخفى.
قوله :" إِلاَّ اللهَ " استثناء مفرغ ؛ لأن ما قبله مفتقر إليه وقد تقدم تحقيقه أولاً.
وفيه التفات من التكلّم إلى الغيبة، إذ لو جرى الكَلاَم على نسقه لقيل : لا تعبدون إلاَّ إيانا، لقوله :" أَخّذْنَا ".
وفي هذا الالتفات من الدّلالة على عظم هذا الاسم والتفرد به ما ليس في المضمر، وأيضاً الأسماء الواقعة ظاهرة، فناسب أن يجاور الظاهرُ الظاهرَ.
فصل في مدلول " الميثاق "
هذا الميثاق يدلّ على تمام ما لا بد منه في الدين، لأنه تعالى لما أمر بعبادته، ونهى عن عبادة غيره، وذلك مسبوق بالعِلْمِ بذاته سبحانه، وجميع ما يجب ويجوز ويستحيل عليه، وبالعلم بوحدانيته وبراءته عن الأضداد والأنداد، ومسبوق أيضاً بالعلم بكيفية تلك العبادة الَّتِي لا سبيل إلى معرفتها إلا بالوَحْي والرسالة، فقوله :﴿لا تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللهَ﴾ يتضمّن كلّ ما اشتمل عليه علم الكلام والفقه والأحكام.
وقال مكّي :" هذا الميثاق هو الذي أخذه عليهم حين أخرجوا من ظهر آدم كالذَّر " و " بِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً " فيه خمسة أوجه :
أحدها : أن تتعلق الباء ب " إحساناً " على أنه مصدر واقع [ موقع ] فعل الأمر، والتقدير وأحسنوا وبالوالدين، والباء ترادف " إلى " في هذا المعنى، تقول : أحسنت به وإليه، بمعنى أن يكون على هذا الوجه ثَمَّ مضافٌ محذوف، وأحسنوا بر الوالدين بمعنى : أحسنوا إليهما برّهما.
قال ابن عطية : يعترض على هذا القول، أن يتقدّم على المصدر معمولُهُ، وهذا الاعتراض لا يتم على مَذْهَب الجمهور، فإن مذهبهم جواز تقديم معمول المَصْدر النَّائب عن فعل الأمر عليه، تقول :" ضرباً زيداً " وإن شئت :" زيداً ضرباً " وسواء عندهم إن جعلنا العمل للفعل المقدر، أم للمصدر النائب عن فعله، فإن التقديم عندهم جائز، وإنما يمتنع تقدم
معمول المَصْدر المنحل لحرف مصدري والفعل كما تقدم وإنما يتم على مذهب أبي الحسن، فإنه منع تقديم معمول المصدر النائب عن الفعل، ويخالف الجمهور في ذلك.
الثاني : أنها متعلّقة بمحذوف وذلك المحذوف يجوز أن يقدر فعل أمر مُرَاعاة لقوله :" لاَ تَعْبُدُونَ " فإنه في معنى النهي كما تقدم، كأنه قال : لا تبعدوا إلا الله وأحسنوا بالوالدين، ويجوز أن يقدر خبراً مراعاة لِلَفْظِ " لاَ تَعْبُدُونَ " والتقدير : وتحسنون [ وإن كان معناه الأمر، وبهذين ] الاحتمالين قدره الزمخشري، وينتصب " إحساناً " حينئذ على المصدر المؤكّد لذلك الفعل المحذوف.
وفيه نظر من حيث إن حذف عامل المؤكّد منصوصٌ على عدم جوازه، وفيه بحث ليس هذا موضعه.
الثالث : أن يكون التقدير : واستوصوا بالوالدين، ف " البَاء " متعلّقة [ بهذا الفعل المقدر ] أيضاً، وينتصب " إحساناً " حينئذ على أنه مفعول به.
الرابع : تقديره : وَوَصَّيْنَاهُمْ بالوالدين، فالباء متعلّقة بالمحذوف أيضاً، وينتصب " إحساناً " [ حينئذ ] على أنه مفعول لأجله، أي : لأجل إحساننا إلى الموصى بهم من حيث إنّ الإحسان متسبّب عن وصيتنا بهم، أو الموصى لما يترتب الثواب منّا لهم إذا أحسنوا إليهم.
الخامس : أن تكون الباء وما عملت فيه عطفاً على قوله :" لاَ تَعْبُدُونَ " إذا قيل بأن " أن " المصدرية مقدرة فينسبك منها ومما بعدها مصدر يعطف عليه هذا المجرور، والتقدير : أخذنا ميثاقهم بإفراد الله بالعبادة وبالوالدين، أي : وببرّ الوالدين، أو : بإحسان إلى الوالدين، فتتعلّق " الباء " حينئذ ب " الميثاق " لما فيه من مَعْنَى الفعل، فإن الظرف وشبهه تعمل فيه رَوَائح الأفعال، وينتصب " إحساناً " حينئذ على المصدر من ذلك المضاف المحذوف، وهو " البر " لأنه بمعناه، أو الإحسان الذي قدرناه.
والظّاهر من هذه الأوجه هو الثَّاني، لعدم الإضمار اللازم في غيره، أو لأن ورود المصدر نائباً عن فعل الأمر مطّرد شائع.
وإنما تقدّم المعمول اهتماماً به وتنبيهاً على أنه أولى بالإحسان إليه ممن ذُكِرَ معه.
و " الَوالِدَان " الأب والأم، يقال لكل واحدٍ منهما : والد ؛ قال :[ الطويل ]
| ٦١٤- عَجِبْتُ لمَوْلُودٍ وَلَيْسَ لَهُ أَبٌ | وَذِي وَلَدٍ لَمْ يَلْدَهُ أِبَوَانِ |
و " الإحسان " : الإنعام على الغير.
وقيل : بل هو أعم من الإنعام.
وقيل : هو النَّافع لكل شيء.
فصل في وجوه ذكر البر بالوالدين مع عبادة الله
قال ابن الخَطِيْبِ : إنما أراد عبادة الله بالإحْسَان إلى الوالدين لوجوه :
أحدها : أن نعمة الله على العَبْدِ أعظم النعم، فلا بد من تقديم شكره على شُكْرِ غيره، ثم بعد نعمة الله فنعمة الوالدين أعظم النّعم ؛ لأن الوالدين هما الأصل في وجود الولد، ومنعمان عليه بالتربية، فإنعامهما أعظم الإنْعَام بعد إنعام الله تعالى.
وثانيها : أن الله سبحانه وتعالى المؤثر في وجود الإنْسَان في الحقيقة، والوالدان مؤثران في وجوده بحسب العُرْفِ الظاهر، فلأنه المؤثر الحقيقي أردفه بذكر المؤثر بحسب العرف الظَّاهر.
وثالثها : أن الله سبحانه وتعالى لا يطلب على إنعامه على العبد عوضاً ألبتَّة، وإنعام الوالدين كذلك، فإنهما لا يطلبان على الإنعام على الولد عوضاً.
ورابعها : أن الله لا يملّ من الإنعام على العبد، ولو أتى العبد بأعظم الجرائم، فإنه لا يقطع عنه مواد نعمه، وكذلك الوالدان لا يملاَّن الولد ولا يقطعان عنه موادتهما وإن كان الولد مسيئاً إلى الوالدين.
وخامسها : كما أن الوالد المشفق يتصرّف في مال ولده بالاسْتِرْبَاحِ، وطلب الزيادة ويصونه عن البخس والنقصان، فكذلك الحقّ سبحانه وتعالى يتصرف في طاعة العبد، فيصونها عن الضياع ويضاعفها كما قال :﴿مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّاْئَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ﴾ [البقرة: ٢٦١].
فلما تشابها من هذه الحيثيات كانت نعم الوالدين قليلة بالنسبة إلى نِعَمِ الله تعالى، [ بل النعم كلها من الله تعالى فلا ] جَرَمَ ذكر الإحسان إلى الوالدين عقب ذكر عبادة الله تعالى.