البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي
عن الكتاب
الولدان : الأب والأمّ، وكل منهما يطلق عليه والد، وظاهر الإطلاق الحقيقة.
قال :
وذي ولد لم يلده أبوان***
ويقال للأم : والد ووالدة، وقيل : الوالد للأب وحده، وثنياً تغليباً للمذكر.
الإحسان : النفع بكل حسن.
ذو : بمعنى صاحب، وهو من الأسماء الستة التي ترفع، وفيها الواو، وتنصب وفيها الألف، وتجرّ وفيها الياء.
وأصلها عند سيبويه، ذوي، ووزنها عنده : فعل، وعند الخليل : ذوّة، من باب خوّة، وقوّة، ووزنها عنده فعل، وهو لازم الإضافة، وتنقاس إضافته إلى اسم جنس، وفي إضافته إلى مضمر خلاف، وقد يضاف إلى العلم وجوباً، إذا اقترنا وضعاً، كقولهم : ذو جدن، وذو يزن، وذو رعين، وذو الكلاع، وإن لم يقترنا وضعاً، فقد يجوز، كقولهم : في عمرو، وقطري : ذو عمرو، وذو قطري، ويعنون به صاحب هذا الإسم.
وإضافته إلى العلم في وجهته مسموع، وكذلك : أنا ذوبكة، واللهم صلّ على محمد وعلى ذويه.
ومما أضيف إلى العلم، وأريد به معنى : ذي مال، ومما أضيف إلى ضمير العلم، وأضيف أيضاً إلى ضمير المخاطب، قال الشاعر :
وقد أتت ذو في لغة طيّ موصولة، ولها أحكام في النحو.
القربى : مصدر كالرجعى، والألف فيه للتأنيث، وهي قرابة الرحم والصلب، قال طرفة :
وقال أيضاً :
اليتامى : فعالى، وهو جمع لا ينصرف، لأن الألف فيه للتأنيث، ومفرده : يتيم، كنديم، وهو جمع على غير قياس، وكذا جمعه على أيتام.
وقال الأصمعي : اليتم في بني آدم من قبل الأب، وفي غيرهم من قبل الأم.
وحكى الماوردي : إن اليتم في بني آدم يقال : من فقد الأم، والأوّل هو المعروف، وأصله الانفراد.
فمعنى صبي يتيم : أي منفرد عن أبيه، وسميت الدرّة التي لا مثيل لها : يتيمة لانفرادها، قاله ثعلب.
وقيل : أصل اليتم : الغفلة، وسمي الصبي يتيماً، لأنه يتغافل عن بره.
وقيل : أصل اليتم : الإبطاء، ومنه أخذ اليتيم، لأن البر يبطىء عنه، قاله أبو عمرو.
المساكين : جمع مسكين، وهو مشتق من السكون، فالميم زائدة، كمحضير من الحضر.
وقد روي : تمسكن فلان، والأصح في اللغة تسكن، أي صار مسكيناً، وهو مرادف للفقير، وهو الذي لا شيء له.
وقيل : هو الذي له أدنى شيء.
الحسن والحسن، قيل : هما لغتان : كالبخل والبخل.
والحسن : مصدر حسن، كالقبح مصدر قبح، مقابل حسن.
القليل : اسم فاعل من قلّ، كما أن كثيراً مقابله اسم فاعل من كثر.
يقال : قل يقل قلة وقلا وقلاً،
الإعراض : التولي، وقيل : التولي بالجسم، والإعراض بالقلب.
والعرض : الناحية، فيمكن أن يكون قولك : أعرض زيد عن عمرو، أي صار في ناحية منه، فتكون الهمزة فيه للصيرورة.
﴿وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله﴾ الآية، هذه الآية مناسبة للآيات الواردة قبلها في ذكر توبيخ بني إسرائيل وتقريعهم، وتبيين ما أخذ عليهم من ميثاق العبادة لله، وإفراده تعالى بالعبادة، وما أمرهم به من مكارم الأخلاق، من صلة الأرحام والإحسان إلى المساكين، والمواظبة على ركني الإسلام البدني والمالي : ثم ذكر توليهم عن ذلك، ونقضهم لذلك الميثاق، على عادتهم السابقة وطريقتهم المألوفة لهم.
وإذ : معطوف على الظروف السابقة قبل هذا.
والميثاق : هو الذي أخذه تعالى عليهم، وهم في صلب آبائهم كالذرّ، قاله : مكي، وضعف بأن الخطاب قد خصص ببني إسرائيل، وميثاق الآية فيهم، أو ميثاق أخذ عليهم وهم عقلاء في حياتهم على لسان موسى عليه السلام وغيره من أنبيائهم، قاله ابن عطية.
وقيل : هو ميثاق أخذ عليهم في التوراة، بأن يعبدوه، إلى آخر الآيات.
وقرأ ابن كثير وحمزة والكسائي : لا يعبدون، بالياء.
وقرأ الباقون : بالتاء من فوق.
وقرأ أبيّ وابن مسعود : لا يعبدوا، على النهي.
فأما لا يعبدون فذكروا في إعرابه وجوهاً.
أحدها : أنه جملة منفية في موضع نصب على الحال من بني إسرائيل، أي غير عابدين إلا الله أي موحدين الله ومفرديه بالعبادة، وهو حال من المضاف إليه، وهو لا يجوز على الصحيح.
لا يقال إن المضاف إليه يمكن أن يكون معمولاً في المعنى لميثاق، إذ يحتمل أن يكون مصدراً، أو حكمه حكم المصدر.
وإذا كان كذلك، جاز أن يكون المجرور بعده فاعلاً في المعنى، أو مفعولاً لأن الذي يقدر فيه العمل هو ما انحل إلى حرف مصدري والفعل، وهنا ليس المعنى على أن ينحل، لذلك فلا يجوز الحكم على موضعه برفع ولا نصب، لأنك لو قدرت أخذنا أن نواثق بني إسرائيل، أو أن يواثقنا بنو إسرائيل، لم يصح، بل لو فرضنا كونه مصدراً حقيقة : لم يجز فيه ذلك.
ألا ترى أنك لو قلت : أخذت علم زيد، لم ينحل لحرف مصدري والفعل : لا يقال : أخذت أن يعلم زيد.
فإذا لم يتقدر المصدر بحرف مصدري والفعل، ولا كان من ضربا زيداً، لم يعمل على خلاف في هذا الأخير، ولذلك منع ابن الطراوة في ترجمة سيبويه هذا.
وممن أجازه أن تكون الجملة حالاً بالمبرد وقطرب، قالوا : ويجوز أن يكون حالاً مقارنة، وحالاً مقدرة.
الوجه الثاني : أن تكون الجملة جواباً لقسم محذوف دل عليه قوله :﴿أخذنا ميثاق بني إسرائيل﴾، أي استحلفناهم والله لا يعبدون، ونسب هذا الوجه إلى سيبويه، وأجازه الكسائي والفراء والمبرد.
الوجه الثالث : أن تكون أن محذوفة، وتكون أن وما بعدها محمولاً على إضمار حرف جر، التقدير : بأن لا تعبدوا إلا الله فحذف حرف الجر، إذ حذفه مع أن، وأن جائز مطرد، إذ لم يلبس، ثم حذف بعد ذلك، أن، فارتفع الفعل، فصار لا تعبدون، قاله الأخفش، ونظيره من نثر العرب : مره بحفرها، ومن نظمها قوله :
ألا أيهذا الزّاجري احضر الوغى***
أصله : مره بأن يحفرها.
وعن : أن أحضر الوغى، فجرى فيه من العمل ما ذكرناه.
وهذا النوع من إضمار أن في مثل هذا مختلف فيه، فمن النحويين من منعه، وعلى ذلك متأخرو وأصحابنا.
وذهب جماعة من النحويين إلى أنه يجوز حذفها في مثل هذا الموضع.
ثم اختلفوا فقيل : يجب رفع الفعل إذ ذاك، وهذا مذهب أبي الحسن.
ومنهم من قال بنفي العمل، وهو مذهب المبرد والكوفيين.
والصحيح : قصر ما ورد من ذلك على السماع، وما كان هكذا فلا ينبغي أن تخرج الآية عليه، لأن فيه حذف حرف مصدري، وإبقاء صلته في غير المواضع المنقاس ذلك فيها.
الوجه الرابع : أن يكون التقدير : أن لا تعبدوا، فحذف أن وارتفع الفعل، ويكون ذلك في موضع نصب على البدل من قوله :﴿ميثاق بني إسرائيل﴾.
وفي هذا الوجه ما في الذي قبله من أن الصحيح عدم اقتياس ذلك، أعني حذف أن ورفع الفعل ونصبه.
الوجه الخامس : أن تكون محكية بحال محذوفة، أي قائلين لا تعبدون إلا الله، ويكون إذ ذاك لفظه لفظ الخبر، ومعناه النهي، أي قائلين لهم لا تعبدوا إلا الله، قاله الفراء، ويؤيده قراءة أبي وابن مسعود، والعطف عليه قوله :﴿وقولوا للناس حسناً﴾.
الوجه السادس : أن يكون المحذوف القول، أي وقلنا لهم :﴿لا تعبدوا إلا الله﴾، وهو نفي في معنى النهي أيضاً.
قال الزمخشري : كما يقول تذهب إلى فلان، تقول له كذا، تريد الأمر، وهو أبلغ من صريح الأمر والنهي، لأنه كان سورع إلى الامتثال والانتهاء، فهو يخبر عنه.
انتهى كلامه، وهو حسن.
الوجه السابع : أن يكون التقدير أن لا تعبدون، وتكون أن مفسرة لمضمون الجملة، لأن في قوله :﴿أخذنا ميثاق بين إسرائيل﴾ معنى القول، فحذف أن المفسرة وأبقى المفسر.
وفي جواز حذف أن المفسرة نظر.
الوجه الثامن : أن تكون الجملة تفسيرية، فلا موضع لها من الإعراب، وذلك أنه لما ذكر أنه أخذ ميثاق بني إسرائيل، كان في ذلك إيهام للميثاق ما هو، فأتى بهذه الجملة مفسرة للميثاق، فمن قرأ بالياء، فلأن بني إسرائيل لفظ غيبة، ومن قرأ بالتاء، فهو التفات، وحكمته الإقبال عليهم بالخطاب، ليكون أدعى للقبول، وأقرب للامتثال، إذ فيه الإقبال من الله على المخاطب بالخطاب.
ومع جعل الجملة مفسرة، لا تخرج عن أن يكون نفي أريد به نهي، إذ تبعد حقيقة الخبر فيه.
إلا الله : استثناء مفرّع، لأن لا تعبدون لم يأخذ مفعوله، وفيه التفات.
إذ خرج من ضمير المتكلم إلى الاسم الغائب.
ألا ترى أنه لو جرى على نسق واحد لكان نظم الكلام لا تعبدون إلا إيانا ؟ لكن في العدول إلى الاسم الظاهر من الفخامة، والدلالة على سائر الصفات، والتفرّد بالتسمية به، ما ليس في المضمر، ولأن ما جاء بعده من الأسماء، إنما هي أسماء ظاهرة، فناسب مجاورة الظاهر الظاهر.
﴿وبالوالدين إحساناً﴾، المعنى : الأمر بالإحسان إلى الوالدين وبرهما وإكرامهما.
وقد تضمنت آي من القرآن وأحاديث كثيرة ذلك، حتى عد العقوق من الكبائر، وناهيك احتفالاً بهما كون الله قرن ذلك بعبادته تعالى، ومن غريب الحكايات : أن عمر رأى امرأة تطوف بأبيها على ظهرها، وقد جاءت به على ظهرها من اليمن، فقال لها : جزاك الله خيراً، لقد وفيت بحقه، فقالت : ما وفيته ولا أنصفته، لأنه كان يحملني ويود حياتي، وأنا أحمله وأود موته.
واختلفوا فيما تتعلق به الباء في قوله :﴿وبالوالدين﴾، وفي انتصاب ﴿إحساناً﴾ على وجوه : أحدها : أن يكون معطوفاً على لا تعبدون، أعني على المصدر المنسبك من الحرف المصدري والفعل، إذ التقدير عند هذا القائل بإفراد الله بالعبادة وبالوالدين، أي وببر الوالدين، أو بإحسان إلى الوالدين، ويكون انتصاب إحساناً على المصدر من ذلك المضاف المحذوف، فالعامل فيه الميثاق، لأنه به يتعلق الجار والمجرور، وروائح الأفعال تعمل في الظروف والمجرورات.
الوجه الثاني : أن يكون متعلقاً بإحساناً، ويكون إحساناً مصدراً موضوعاً موضع فعل الأمر، كأنه قال : وأحسنوا بالوالدين.
قالوا : والباء ترادف إلى في هذا الفعل، تقول : أحسنت به وإليه بمعنى واحد، وقد تكون على هذا التقدير على حذف مضاف، أي وأحسنوا ببر الوالدين، المعنى : وأحسنوا إلى الوالدين ببرهما.
وعلى هذين الوجهين يكون العامل في الجار والمجرور ملفوظاً به.
قال ابن عطية : ويعترض هذا القول بأن المصدر قد تقدم عليه ما هو معمول له.
انتهى كلامه.
وهذا الاعتراض، إنما يتم على مذهب أبي الحسن في منعه تقديم مفعول، نحو : ضربا زيداً، وليس بشيء، لأنه لا يصح المنع إلا إذا كان المصدر موصولاً بأن ينحل لحرف مصدري والفعل، أما إذا كان غير موصول، فلا يمتنع تقديمه عليه.
فجائز أن تقول : ضربا زيداً، وزيداً ضربا، سواء كان العمل للفعل المحذوف العامل في المصدر، أو للمصدر النائب عن الفعل، لأن ذلك الفعل هو أمر، والمصدر النائب عنه أيضاً معناه الأمر.
فعلى اختلاف المذهبين في العامل يجوز التقديم.
الوجه الثالث : أن يكون العامل محذوفاً، ويقدر : وأحسنوا، أو ويحسنون بالوالدين،
قال :
وذي ولد لم يلده أبوان***
ويقال للأم : والد ووالدة، وقيل : الوالد للأب وحده، وثنياً تغليباً للمذكر.
الإحسان : النفع بكل حسن.
ذو : بمعنى صاحب، وهو من الأسماء الستة التي ترفع، وفيها الواو، وتنصب وفيها الألف، وتجرّ وفيها الياء.
وأصلها عند سيبويه، ذوي، ووزنها عنده : فعل، وعند الخليل : ذوّة، من باب خوّة، وقوّة، ووزنها عنده فعل، وهو لازم الإضافة، وتنقاس إضافته إلى اسم جنس، وفي إضافته إلى مضمر خلاف، وقد يضاف إلى العلم وجوباً، إذا اقترنا وضعاً، كقولهم : ذو جدن، وذو يزن، وذو رعين، وذو الكلاع، وإن لم يقترنا وضعاً، فقد يجوز، كقولهم : في عمرو، وقطري : ذو عمرو، وذو قطري، ويعنون به صاحب هذا الإسم.
وإضافته إلى العلم في وجهته مسموع، وكذلك : أنا ذوبكة، واللهم صلّ على محمد وعلى ذويه.
ومما أضيف إلى العلم، وأريد به معنى : ذي مال، ومما أضيف إلى ضمير العلم، وأضيف أيضاً إلى ضمير المخاطب، قال الشاعر :
| وإنا لنرجو عاجلاً منك مثل ما | رجونا قدماً من ذويك الأفاضل |
القربى : مصدر كالرجعى، والألف فيه للتأنيث، وهي قرابة الرحم والصلب، قال طرفة :
| وقربت بالقربى وجدك أنه | متى يك أمرٌ للنكيثة أشهد |
| وظلم ذوي القربى أشدّ مضاضة | على الحر من وقع الحسام المهند |
وقال الأصمعي : اليتم في بني آدم من قبل الأب، وفي غيرهم من قبل الأم.
وحكى الماوردي : إن اليتم في بني آدم يقال : من فقد الأم، والأوّل هو المعروف، وأصله الانفراد.
فمعنى صبي يتيم : أي منفرد عن أبيه، وسميت الدرّة التي لا مثيل لها : يتيمة لانفرادها، قاله ثعلب.
وقيل : أصل اليتم : الغفلة، وسمي الصبي يتيماً، لأنه يتغافل عن بره.
وقيل : أصل اليتم : الإبطاء، ومنه أخذ اليتيم، لأن البر يبطىء عنه، قاله أبو عمرو.
المساكين : جمع مسكين، وهو مشتق من السكون، فالميم زائدة، كمحضير من الحضر.
وقد روي : تمسكن فلان، والأصح في اللغة تسكن، أي صار مسكيناً، وهو مرادف للفقير، وهو الذي لا شيء له.
وقيل : هو الذي له أدنى شيء.
الحسن والحسن، قيل : هما لغتان : كالبخل والبخل.
والحسن : مصدر حسن، كالقبح مصدر قبح، مقابل حسن.
القليل : اسم فاعل من قلّ، كما أن كثيراً مقابله اسم فاعل من كثر.
يقال : قل يقل قلة وقلا وقلاً،
الإعراض : التولي، وقيل : التولي بالجسم، والإعراض بالقلب.
والعرض : الناحية، فيمكن أن يكون قولك : أعرض زيد عن عمرو، أي صار في ناحية منه، فتكون الهمزة فيه للصيرورة.
﴿وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله﴾ الآية، هذه الآية مناسبة للآيات الواردة قبلها في ذكر توبيخ بني إسرائيل وتقريعهم، وتبيين ما أخذ عليهم من ميثاق العبادة لله، وإفراده تعالى بالعبادة، وما أمرهم به من مكارم الأخلاق، من صلة الأرحام والإحسان إلى المساكين، والمواظبة على ركني الإسلام البدني والمالي : ثم ذكر توليهم عن ذلك، ونقضهم لذلك الميثاق، على عادتهم السابقة وطريقتهم المألوفة لهم.
وإذ : معطوف على الظروف السابقة قبل هذا.
والميثاق : هو الذي أخذه تعالى عليهم، وهم في صلب آبائهم كالذرّ، قاله : مكي، وضعف بأن الخطاب قد خصص ببني إسرائيل، وميثاق الآية فيهم، أو ميثاق أخذ عليهم وهم عقلاء في حياتهم على لسان موسى عليه السلام وغيره من أنبيائهم، قاله ابن عطية.
وقيل : هو ميثاق أخذ عليهم في التوراة، بأن يعبدوه، إلى آخر الآيات.
وقرأ ابن كثير وحمزة والكسائي : لا يعبدون، بالياء.
وقرأ الباقون : بالتاء من فوق.
وقرأ أبيّ وابن مسعود : لا يعبدوا، على النهي.
فأما لا يعبدون فذكروا في إعرابه وجوهاً.
أحدها : أنه جملة منفية في موضع نصب على الحال من بني إسرائيل، أي غير عابدين إلا الله أي موحدين الله ومفرديه بالعبادة، وهو حال من المضاف إليه، وهو لا يجوز على الصحيح.
لا يقال إن المضاف إليه يمكن أن يكون معمولاً في المعنى لميثاق، إذ يحتمل أن يكون مصدراً، أو حكمه حكم المصدر.
وإذا كان كذلك، جاز أن يكون المجرور بعده فاعلاً في المعنى، أو مفعولاً لأن الذي يقدر فيه العمل هو ما انحل إلى حرف مصدري والفعل، وهنا ليس المعنى على أن ينحل، لذلك فلا يجوز الحكم على موضعه برفع ولا نصب، لأنك لو قدرت أخذنا أن نواثق بني إسرائيل، أو أن يواثقنا بنو إسرائيل، لم يصح، بل لو فرضنا كونه مصدراً حقيقة : لم يجز فيه ذلك.
ألا ترى أنك لو قلت : أخذت علم زيد، لم ينحل لحرف مصدري والفعل : لا يقال : أخذت أن يعلم زيد.
فإذا لم يتقدر المصدر بحرف مصدري والفعل، ولا كان من ضربا زيداً، لم يعمل على خلاف في هذا الأخير، ولذلك منع ابن الطراوة في ترجمة سيبويه هذا.
باب علم ما الكلم من العربية : أن يتقدر المصدّر بحرف مصدري والفعل، وردّ ذلك على من أجازه.
وممن أجازه أن تكون الجملة حالاً بالمبرد وقطرب، قالوا : ويجوز أن يكون حالاً مقارنة، وحالاً مقدرة.
الوجه الثاني : أن تكون الجملة جواباً لقسم محذوف دل عليه قوله :﴿أخذنا ميثاق بني إسرائيل﴾، أي استحلفناهم والله لا يعبدون، ونسب هذا الوجه إلى سيبويه، وأجازه الكسائي والفراء والمبرد.
الوجه الثالث : أن تكون أن محذوفة، وتكون أن وما بعدها محمولاً على إضمار حرف جر، التقدير : بأن لا تعبدوا إلا الله فحذف حرف الجر، إذ حذفه مع أن، وأن جائز مطرد، إذ لم يلبس، ثم حذف بعد ذلك، أن، فارتفع الفعل، فصار لا تعبدون، قاله الأخفش، ونظيره من نثر العرب : مره بحفرها، ومن نظمها قوله :
ألا أيهذا الزّاجري احضر الوغى***
أصله : مره بأن يحفرها.
وعن : أن أحضر الوغى، فجرى فيه من العمل ما ذكرناه.
وهذا النوع من إضمار أن في مثل هذا مختلف فيه، فمن النحويين من منعه، وعلى ذلك متأخرو وأصحابنا.
وذهب جماعة من النحويين إلى أنه يجوز حذفها في مثل هذا الموضع.
ثم اختلفوا فقيل : يجب رفع الفعل إذ ذاك، وهذا مذهب أبي الحسن.
ومنهم من قال بنفي العمل، وهو مذهب المبرد والكوفيين.
والصحيح : قصر ما ورد من ذلك على السماع، وما كان هكذا فلا ينبغي أن تخرج الآية عليه، لأن فيه حذف حرف مصدري، وإبقاء صلته في غير المواضع المنقاس ذلك فيها.
الوجه الرابع : أن يكون التقدير : أن لا تعبدوا، فحذف أن وارتفع الفعل، ويكون ذلك في موضع نصب على البدل من قوله :﴿ميثاق بني إسرائيل﴾.
وفي هذا الوجه ما في الذي قبله من أن الصحيح عدم اقتياس ذلك، أعني حذف أن ورفع الفعل ونصبه.
الوجه الخامس : أن تكون محكية بحال محذوفة، أي قائلين لا تعبدون إلا الله، ويكون إذ ذاك لفظه لفظ الخبر، ومعناه النهي، أي قائلين لهم لا تعبدوا إلا الله، قاله الفراء، ويؤيده قراءة أبي وابن مسعود، والعطف عليه قوله :﴿وقولوا للناس حسناً﴾.
الوجه السادس : أن يكون المحذوف القول، أي وقلنا لهم :﴿لا تعبدوا إلا الله﴾، وهو نفي في معنى النهي أيضاً.
قال الزمخشري : كما يقول تذهب إلى فلان، تقول له كذا، تريد الأمر، وهو أبلغ من صريح الأمر والنهي، لأنه كان سورع إلى الامتثال والانتهاء، فهو يخبر عنه.
انتهى كلامه، وهو حسن.
الوجه السابع : أن يكون التقدير أن لا تعبدون، وتكون أن مفسرة لمضمون الجملة، لأن في قوله :﴿أخذنا ميثاق بين إسرائيل﴾ معنى القول، فحذف أن المفسرة وأبقى المفسر.
وفي جواز حذف أن المفسرة نظر.
الوجه الثامن : أن تكون الجملة تفسيرية، فلا موضع لها من الإعراب، وذلك أنه لما ذكر أنه أخذ ميثاق بني إسرائيل، كان في ذلك إيهام للميثاق ما هو، فأتى بهذه الجملة مفسرة للميثاق، فمن قرأ بالياء، فلأن بني إسرائيل لفظ غيبة، ومن قرأ بالتاء، فهو التفات، وحكمته الإقبال عليهم بالخطاب، ليكون أدعى للقبول، وأقرب للامتثال، إذ فيه الإقبال من الله على المخاطب بالخطاب.
ومع جعل الجملة مفسرة، لا تخرج عن أن يكون نفي أريد به نهي، إذ تبعد حقيقة الخبر فيه.
إلا الله : استثناء مفرّع، لأن لا تعبدون لم يأخذ مفعوله، وفيه التفات.
إذ خرج من ضمير المتكلم إلى الاسم الغائب.
ألا ترى أنه لو جرى على نسق واحد لكان نظم الكلام لا تعبدون إلا إيانا ؟ لكن في العدول إلى الاسم الظاهر من الفخامة، والدلالة على سائر الصفات، والتفرّد بالتسمية به، ما ليس في المضمر، ولأن ما جاء بعده من الأسماء، إنما هي أسماء ظاهرة، فناسب مجاورة الظاهر الظاهر.
﴿وبالوالدين إحساناً﴾، المعنى : الأمر بالإحسان إلى الوالدين وبرهما وإكرامهما.
وقد تضمنت آي من القرآن وأحاديث كثيرة ذلك، حتى عد العقوق من الكبائر، وناهيك احتفالاً بهما كون الله قرن ذلك بعبادته تعالى، ومن غريب الحكايات : أن عمر رأى امرأة تطوف بأبيها على ظهرها، وقد جاءت به على ظهرها من اليمن، فقال لها : جزاك الله خيراً، لقد وفيت بحقه، فقالت : ما وفيته ولا أنصفته، لأنه كان يحملني ويود حياتي، وأنا أحمله وأود موته.
واختلفوا فيما تتعلق به الباء في قوله :﴿وبالوالدين﴾، وفي انتصاب ﴿إحساناً﴾ على وجوه : أحدها : أن يكون معطوفاً على لا تعبدون، أعني على المصدر المنسبك من الحرف المصدري والفعل، إذ التقدير عند هذا القائل بإفراد الله بالعبادة وبالوالدين، أي وببر الوالدين، أو بإحسان إلى الوالدين، ويكون انتصاب إحساناً على المصدر من ذلك المضاف المحذوف، فالعامل فيه الميثاق، لأنه به يتعلق الجار والمجرور، وروائح الأفعال تعمل في الظروف والمجرورات.
الوجه الثاني : أن يكون متعلقاً بإحساناً، ويكون إحساناً مصدراً موضوعاً موضع فعل الأمر، كأنه قال : وأحسنوا بالوالدين.
قالوا : والباء ترادف إلى في هذا الفعل، تقول : أحسنت به وإليه بمعنى واحد، وقد تكون على هذا التقدير على حذف مضاف، أي وأحسنوا ببر الوالدين، المعنى : وأحسنوا إلى الوالدين ببرهما.
وعلى هذين الوجهين يكون العامل في الجار والمجرور ملفوظاً به.
قال ابن عطية : ويعترض هذا القول بأن المصدر قد تقدم عليه ما هو معمول له.
انتهى كلامه.
وهذا الاعتراض، إنما يتم على مذهب أبي الحسن في منعه تقديم مفعول، نحو : ضربا زيداً، وليس بشيء، لأنه لا يصح المنع إلا إذا كان المصدر موصولاً بأن ينحل لحرف مصدري والفعل، أما إذا كان غير موصول، فلا يمتنع تقديمه عليه.
فجائز أن تقول : ضربا زيداً، وزيداً ضربا، سواء كان العمل للفعل المحذوف العامل في المصدر، أو للمصدر النائب عن الفعل، لأن ذلك الفعل هو أمر، والمصدر النائب عنه أيضاً معناه الأمر.
فعلى اختلاف المذهبين في العامل يجوز التقديم.
الوجه الثالث : أن يكون العامل محذوفاً، ويقدر : وأحسنوا، أو ويحسنون بالوالدين،