فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني
عن الكتاب
قد تقدّم تفسير الميثاق المأخوذ على بني إسرائيل. وقال مكي : إن الميثاق الذي أخذه الله عليهم هنا هو : ما أخذه الله عليهم في حياتهم، على ألسن أنبيائهم، وهو قوله :﴿لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ الله﴾ وعبادة الله إثبات توحيده، وتصديق رسله، والعمل بما أنزل في كتبه. قال سيبويه : إن قوله :﴿لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ الله﴾ هو : جواب قسم، والمعنى، استحلفناهم، والله لا تعبدون إلا الله. وقيل : هو : إخبار في معنى الأمر. ويدل عليه قراءة أبيّ، وابن مسعود :«لا تعبدوا » على النهي، ويدل عليه أيضاً ما عطف عليه من قوله :﴿وقولوا وأقيموا وآتوا﴾ وقال قطرب، والمبرّد : إن قوله :﴿لاَ تَعْبُدُونَ﴾ جملة حالية، أي : أخذنا ميثاقهم موحدين أو غير معاندين. قال القرطبي : وهذا إنما يتجه على قراءة ابن كثير، وحمزة والكسائي :«يعبدون » بالياء التحتية. وقال الفراء، والزجاج وجماعة : إن معناه أخذنا ميثاقكم بأن لا تعبدوا إلا الله، وبأن تحسنوا بالوالدين، وبأن لا تسفكوا الدماء. ثم حذف " أن "، فارتفع الفعل لزوالها. قال المبرّد : هذا خطأ ؛ لأن كل ما أضمر في العربية، فهو يعمل عمله مظهراً. وقال القرطبي : ليس بخطأ بل هما وجهان صحيحان، وعليهما أنشد :
بالنصب لقوله : أحضر وبالرفع. والإحسان إلى الوالدين : معاشرتهما بالمعروف، والتواضع لهما، وامتثال أمرهما، وسائر ما أوجبه الله على الولد لوالديه من الحقوق. والقربى : مصدر كالرجعى، والعقبى، هم القرابة، والإحسان بهم : صلتهم، والقيام بما يحتاجون إليه بحسب الطاقة، وبقدر ما تبلغ إليه القدرة. واليتامى جمع يتيم، واليتيم في بني آدم من فقد أبوه. وفي سائر الحيوانات من فقدت أمه. وأصله الانفراد يقال : صبيّ يتيم، أي : منفرد من أبيه، والمساكين جمع مسكين، وهو : من أسكنته الحاجة وذللته، وهو أشدّ فقراً من الفقير عند أكثر أهل اللغة، وكثير من أهل الفقه. وروى عن الشافعي أن الفقير أسوأ حالاً من المسكين. وقد ذكر أهل العلم لهذا البحث أدلة مستوفاة في مواطنها. ومعنى قوله :﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حسنا﴾ أي : قولوا لهم قولاً حسناً، فهو صفة مصدر محذوف، وهو : مصدر كبشرى. وقرأ حمزة، والكسائي :«حسناً » بفتح الحاء، والسين، وكذلك قرأ زيد بن ثابت، وابن مسعود. قال الأخفش هما بمعنى واحد، مثل البُخل، والبَخل، والرُّشد، والرَّشد، وحكى الأخفش أيضاً :«حسنى » بغير تنوين على فعلى. قال النحاس : وهذا لا يجوز في العربية، لا يقال من هذا شيء إلا بالألف، واللام نحو الفضلى، والكبرى، والحسنى، وهذا قول سيبويه. وقرأ عيسى، بن عمر :«حُسُناً » بضمتين : والظاهر أن هذا القول الذي أمرهم الله به لا يختص بنوع معين، بل كل ما صدق عليه أنه حسن شرعاً كان من جملة ما يصدق عليه هذا الأمر، وقد قيل : إن ذلك هو : كلمة التوحيد.
وقيل : الصدق. وقيل الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر. وقيل غير ذلك.
وقوله :﴿وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة﴾ قد تقدّم تفسيره، وهو : خطاب لبني إسرائيل، فالمراد : الصلاة التي كانوا يصلونها، والزكاة التي كانوا يخرجونها. قال ابن عطية : وزكاتهم هي التي كانوا يضعونها، فتنزل النار على ما يُقبل، ولا ينزل على ما لا يُقبَل. وقوله :﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ﴾ قيل الخطاب للحاضرين منهم في عصر النبي ﷺ ؛ لأنهم مثل سلفهم في ذلك، وفيه التفات من الغيبة إلى الخطاب. وقوله :﴿إِلاَّ قَلِيلاً﴾ منصوب على الاستثناء، ومنهم عبد الله بن سلام، وأصحابه. وقوله :﴿وَأَنْتُمْ معْرِضُونَ﴾ في موضع النصب على الحال، والإعراض، والتولي بمعنى واحد، وقيل : التولي بالجسم، والإعراض بالقلب.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وقد أخرج ابن إسحاق، وابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله :﴿وَإِذْ أَخَذْنَا ميثاق بَنِى إِسْرءيلَ﴾ قال يؤنبهم أي ميثاقكم. وأخرج ابن جرير، عن ابن عباس في قوله :﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حسنا﴾ قال : الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وروى البيهقي في الشعب عن عليّ في قوله :﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حسنا﴾ قال : يعني الناس كلهم، ومثله روى عبد بن حميد، وابن جرير، عن عطاء. وأخرج ابن إسحاق، وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله :﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ﴾ قال : أي : تركتم ذلك كله. وأخرج ابن جرير عنه أنه قال : معناه أعرضتم عن طاعتي إلا قليلاً منكم، وهم : الذين اخترتهم لطاعتي.
وأخرج ابن جرير، عن أبي العالية في قوله :﴿لاَ تَسْفِكُونَ دِمَاءكُمْ﴾ لا يقتل بعضكم بعضاً ﴿وَلاَ تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُمْ من دياركم﴾ لا يخرج بعضكم بعضاً من الديار ﴿ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ﴾ بهذا الميثاق ﴿وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ وأنتم شهود. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله :﴿ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ﴾ أن هذا حق من ميثاقي عليكم ﴿ثُمَّ أَنتُمْ هؤلاء تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ﴾ أي : أهل الشرك حتى تسفكوا دماءهم معهم ﴿وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا منكُم من ديارهم﴾ قال : تخرجونهم من ديارهم معهم ﴿تظاهرون علَيْهِم بالإثم والعدوان﴾ فكانوا إذا كان بين الأوس، والخزرج حرب خرجت معهم بنو قينقاع مع الخزرج، والنضير، وقريظة مع الأوس، وظاهر كل واحد من الفريقين حلفاءه على إخوانه حتى يسافكوا دماءهم، فإذا وضعت الحرب أوزارها افتدوا أسراهم تصديقاً لما في التوراة ﴿وَإِن يَاتُوكُمْ أسارى تفادوهم﴾ وقد عرفتم أن ذلك عليكم في دينكم ﴿وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ﴾ في كتابكم لإخراجهم ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الكتاب وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ أتفادونهم مؤمنين بذلك، وتخرجونهم كفراً بذلك. وأخرج ابن جرير، عن قتادة في قوله :﴿أُولَئِكَ الذين اشتروا الحياة الدنيا بالأخرة﴾ قال : استحبوا قليل الدنيا على كثير الآخرة.
| ألا أيُّهذا الزّاجِري أحْضُرَ الوَغَى | وأنْ أشْهَدَ اللّذاتِ هل أنت مُخْلِدي |
وقيل : الصدق. وقيل الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر. وقيل غير ذلك.
وقوله :﴿وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة﴾ قد تقدّم تفسيره، وهو : خطاب لبني إسرائيل، فالمراد : الصلاة التي كانوا يصلونها، والزكاة التي كانوا يخرجونها. قال ابن عطية : وزكاتهم هي التي كانوا يضعونها، فتنزل النار على ما يُقبل، ولا ينزل على ما لا يُقبَل. وقوله :﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ﴾ قيل الخطاب للحاضرين منهم في عصر النبي ﷺ ؛ لأنهم مثل سلفهم في ذلك، وفيه التفات من الغيبة إلى الخطاب. وقوله :﴿إِلاَّ قَلِيلاً﴾ منصوب على الاستثناء، ومنهم عبد الله بن سلام، وأصحابه. وقوله :﴿وَأَنْتُمْ معْرِضُونَ﴾ في موضع النصب على الحال، والإعراض، والتولي بمعنى واحد، وقيل : التولي بالجسم، والإعراض بالقلب.
وأخرج ابن جرير، عن أبي العالية في قوله :﴿لاَ تَسْفِكُونَ دِمَاءكُمْ﴾ لا يقتل بعضكم بعضاً ﴿وَلاَ تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُمْ من دياركم﴾ لا يخرج بعضكم بعضاً من الديار ﴿ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ﴾ بهذا الميثاق ﴿وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ وأنتم شهود. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله :﴿ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ﴾ أن هذا حق من ميثاقي عليكم ﴿ثُمَّ أَنتُمْ هؤلاء تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ﴾ أي : أهل الشرك حتى تسفكوا دماءهم معهم ﴿وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا منكُم من ديارهم﴾ قال : تخرجونهم من ديارهم معهم ﴿تظاهرون علَيْهِم بالإثم والعدوان﴾ فكانوا إذا كان بين الأوس، والخزرج حرب خرجت معهم بنو قينقاع مع الخزرج، والنضير، وقريظة مع الأوس، وظاهر كل واحد من الفريقين حلفاءه على إخوانه حتى يسافكوا دماءهم، فإذا وضعت الحرب أوزارها افتدوا أسراهم تصديقاً لما في التوراة ﴿وَإِن يَاتُوكُمْ أسارى تفادوهم﴾ وقد عرفتم أن ذلك عليكم في دينكم ﴿وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ﴾ في كتابكم لإخراجهم ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الكتاب وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ أتفادونهم مؤمنين بذلك، وتخرجونهم كفراً بذلك. وأخرج ابن جرير، عن قتادة في قوله :﴿أُولَئِكَ الذين اشتروا الحياة الدنيا بالأخرة﴾ قال : استحبوا قليل الدنيا على كثير الآخرة.