مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي
عن الكتاب
قوله تعالى :﴿وإذا أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله وبالوالدين إحسانا وذي القربى واليتامى والمساكين وقولوا للناس حسنا وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ثم توليتم إلا قليلا منكم وأنتم معرضون﴾
اعلم أن هذا نوع آخر من أنواع النعم التي خصهم الله بها، وذلك لأن التكليف بهذه الأشياء موصل إلى أعظم النعم وهو الجنة، والموصل إلى النعمة نعمة، فهذا التكليف لا محالة من النعم، ثم إنه تعالى بين ههنا أنه كلفهم بأشياء : التكليف الأول : قوله تعالى :﴿لا تعبدون إلا الله﴾ وفيه مسائل :
المسألة الأولى : قرأ ابن كثير وحمزة والكسائي «يعبدون » بالياء والباقون بالتاء، ووجه الياء أنهم غيب أخبر عنهم، ووجه التاء أنهم كانوا مخاطبين والاختيار التاء، قال أبو عمرو : ألا ترى أنه جل ذكره قال :﴿وقولوا للناس حسنا﴾ فدلت المخاطبة على التاء.
المسألة الثانية : اختلفوا في موضع «يعبدون » من الإعراب على خمسة أقوال :
القول الأول : قال الكسائي : رفعه على أن لا يعبدوا كأنه قيل : أخذنا ميثاقهم بأن لا يعبدوا إلا أنه لما أسقطت «أن » رفع الفعل كما قال طرفة :
أراد أن أحضر ولذلك عطف عليه «أن » وأجاز هذا الوجه الأخفش والفراء والزجاج وقطرب وعلي بن عيسى وأبو مسلم.
القول الثاني : موضعه رفع على أنه جواب القسم، كأنه قيل : وإذ أقسمنا عليهم لا يعبدون، وأجاز هذا الوجه المبرد والكسائي والفراء والزجاج وهو أحد قولي الأخفش.
القول الثالث : قول قطرب : أنه يكون في موضع الحال فيكون موضعه نصبا كأنه قال : أخذنا ميثاقكم غير عابدين إلا الله.
القول الرابع : قول الفراء أن موضع «لا تعبدون » على النهي إلا أنه جاء على لفظ الخبر كقوله تعالى :﴿لا تضار والدة بولدها﴾ بالرفع والمعنى على النهي، والذي يؤكد كونه نهيا أمور. أحدها : قوله :﴿أقيموا﴾، وثانيها أنه ينصره قراءة عبد الله وأبي :﴿لا تعبدوا﴾ وثالثها : أن الإخبار في معنى الأمر والنهي آكد وأبلغ من صريح الأمر والنهي، لأنه كأنه سورع إلى الامتثال والانتهاء فهو يخبر عنه.
القول الخامس : التقدير أن لا تعبدوا تكون «أن » مع الفعل بدلا عن الميثاق، كأنه قيل : أخذنا ميثاق بني إسرائيل بتوحيدهم.
المسألة الثالثة : هذا الميثاق يدل على تمام ما لا بد منه في الدين لأنه تعالى لما أمر بعبادة الله تعالى ونهى عن عبادة غيره، ولا شك أن الأمر بعبادته والنهي عن عبادة غيره مسبوق بالعلم بذاته سبحانه، وجميع ما يجب ويجوز ويستحيل عليه وبالعلم بوحدانيته وبراءته عن الأضداد والأنداد والبراءة عن الصاحبة والأولاد، ومسبوق أيضا بالعلم بكيفية تلك العبادة التي لا سبيل إلى معرفتها إلا بالوحي والرسالة، فقوله :﴿لا تعبدون إلا الله﴾ يتضمن كل ما اشتمل عليه علم الكلام وعلم الفقه والأحكام لأن العبادة لا تتأتى إلا معها.
التكليف الثاني : قوله تعالى :﴿وبالوالدين إحسانا﴾ وفيه مسائل :
المسألة الأولى : يقال : بم يتصل الباء في قوله تعالى :﴿وبالوالدين إحسانا﴾ وعلام انتصب ؟ قلنا فيه ثلاثة أقوال : الأول : قال الزجاج : انتصب على معنى أحسنوا بالوالدين إحسانا. والثاني : قيل على معنى وصيناهم بالوالدين إحسانا لأن اتصال الباء به أحسن على هذا الوجه ولو كان على الأول لكان. وإلى الوالدين كأنه قيل : وأحسنوا إلى الوالدين. الثالث : قيل : بل هو على الخبر المعطوف على المعنى الأول يعني أن تعبدوا وتحسنوا.
المسألة الثانية : إنما أردف عبادة الله بالإحسان إلى الوالدين لوجوه. أحدها : أن نعمة الله تعالى على العبد أعظم، فلا بد من تقديم شكره على شكر غيره ثم بعد نعمة الله فنعمة الوالدين أعم النعم، وذلك لأن الوالدين هما الأصل والسبب في كون الولد ووجوده كما أنهما منعمان عليه بالتربية، وأما غير الوالدين فلا يصدر عنه الإنعام بأصل الوجود، بل بالتربية فقط، فثبت أن إنعامهما أعظم وجوه الإنعام بعد إنعام الله تعالى. وثانيها : أن الله سبحانه هو المؤثر في وجود الإنسان في الحقيقة والوالدان هما المؤثران في وجوده بحسب العرف الظاهر، فلما ذكر المؤثر الحقيقي أردفه بالمؤثر بحسب العرف الظاهر. وثالثها : أن الله تعالى لا يطلب بإنعامه على العبد عوضا البتة بل المقصود إنما هو محض الإنعام والوالدان كذلك، فإنهما لا يطلبان على الإنعام على الولد عوضا ماليا ولا ثوابا، فإن من ينكر الميعاد يحسن إلى ولده ويربيه، فمن هذا الوجه أشبه إنعامهما إنعام الله تعالى الرابع : أن الله تعالى لا يمل من الإنعام على العبد ولو أتى العبد بأعظم الجرائم، فإنه لا يقطع عنه مواد نعمه وروادف كرمه، وكذا الوالدان لا يملان الولد ولا يقطعان عنه مواد منحهما وكرمهما، وإن كان الولد مسيئا إلى الوالدين. الخامس : كما أن الوالد المشفق يتصرف في مال ولده بالاسترباح وطلب الزيادة ويصونه عن البخس والنقصان، فكذا الحق سبحانه وتعالى متصرف في طاعة العبد فيصونها عن الضياع ثم إنه سبحانه يجعل أعماله التي لا تبقى كالشيء الباقي أبد الآباد كما قال :﴿مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة﴾ السادس : أن نعمة الله وإن كانت أعظم من نعمة الوالدين ولكن نعمة الله معلومة بالاستدلال ونعمة الوالدين معلومة بالضرورة، إلا أنها قليلة بالنسبة إلى نعم الله فاعتدلا من هذه الجهة والرجحان لنعم الله فلا جرم جعلنا نعم الوالدين كالتالية لنعم الله تعالى.
المسألة الثالثة : اتفق أكثر العلماء على أنه يجب تعظيم الوالدين وإن كانا كافرين، ويدل عليه وجوه. أحدها : أن قوله في هذه الآية :﴿وبالوالدين إحسانا﴾ غير مقيد بكونهما مؤمنين أم لا، ولأنه ثبت في أصول الفقه أن الحكم المرتب على الوصف مشعر بعلية الوصف، فدلت هذه الآية على أن الأمر بتعظيم الوالدين لمحض كونهما والدين وذلك يقتضي العموم، وهكذا الاستدلال بقوله تعالى :﴿وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا﴾. وثانيها : قوله تعالى :﴿فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما﴾ الآية، وهذا نهاية المبالغة في المنع من إياذئهما، ثم إنه تعالى قال في آخر الآية :﴿وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا﴾ فصرح ببيان السبب في وجوب هذا التعظيم. وثالثها : أن الله تعالى حكى عن إبراهيم عليه السلام أنه كيف تلطف في دعوة أبيه من الكفر إلى الإيمان في قوله :﴿يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا﴾ ثم إن أباه كان يؤذيه ويذكر الجواب الغليظ وهو عليه السلام كان يتحمل ذلك، وإذا ثبت ذلك في حق إبراهيم عليه السلام ثبت مثله في حق هذه الأمة لقوله تعالى :﴿ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا﴾.
المسألة الرابعة : اعلم أن الإحسان إليهما هو ألا يؤذيهما البتة ويوصل إليهما من المنافع قدر ما يحتاجان إليه، فيدخل فيه دعوتهما إلى الإيمان إن كانا كافرين وأمرهما بالمعروف على سبيل الرفق إن كانا فاسقين.
التكليف الثالث : قوله تعالى :﴿وذي القربى﴾ وفيه مسائل :
المسألة الأولى : قال الشافعي رضي الله عنه : لو أوصى لأقارب زيد دخل فيه الوارث المحرم وغير المحرم، ولا يدخل الأب والابن لأنهما لا يعرفان بالقريب، ويدخل الأحفاد والأجداد، وقيل : لا يدخل الأصول والفروع وقيل بدخول الكل. وههنا دقيقة، وهي أن العرب يحفظون الأجداد العالية فيتسع نسلهم وكلهم أقارب، فلو ترقينا إلى الجد العالي وحسبنا أولاده كثروا، فلهذا قال الشافعي رضي الله عنه : يرتقي إلى أقرب جد ينتسب هو إليه ويعرف به وإن كان كافرا، وذكر الأصحاب في مثاله : أنه لو أوصى لأقارب الشافعي رضي الله عنه فإنا نصرفه إلى بني شافع دون بني المطلب وبني عبد مناف وإن كانوا أقارب، لأن الشافعي ينتسب في المشهور إلى شافع دون عبد مناف. قال الشيخ الغزالي : وهذا في زمان الشافعي، أما في زماننا فلا ينصرف إلا إلى أولاد الشافعي رضي الله عنه ولا يرتقي إلى بني شافع لأنه أقرب من يعرف به أقاربه في زماننا، أما قرابة الأم فإنها تدخل في وصية العجم ولا تدخل في وصية العرب على الأظهر، لأنهم لا يعدون ذلك قرابة، أما لو قال لأرحام فلان دخل فيه قرابة الأب والأم.
المسألة الثانية : اعلم أن حق ذي القربى كالتابع لحق الوالدين لأن الإنسان إنما يتصل به أقرباؤه بواسطة اتصالهم بالوالدين والاتصال بالوالدين مقدم على الاتصال بذي القربى، فلهذا أخر الله ذكره عن الوالدين، وعن أبي هريرة أنه عليه الصلاة والسلام قال :( إن الرحم سجنة من الرحمن فإذا كان يوم القيامة يقول : أي رب إني ظلمت، إني أسيء إلي، إني قطعت. قال فيجيبها ربها : ألا ترضين أني أقطع من قطعك وأصل من وصلك ) ثم قرأ ﴿فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم﴾ والسبب العقلي في تأكيد رعاية هذا الحق أن القرابة مظنة الاتحاد والألفة والرعاية والنصرة، فلو لم يحصل شيء من ذلك لكان ذلك أشق على القلب وأبلغ في الإيلام والإيحاش والضرورة، وكلما كان أقوى كان دفعه أوجب، فلهذا وجبت رعاية حقوق الأقارب.
التكليف الرابع : قوله تعالى :﴿واليتامى﴾ وفيه مسألتان :
المسألة الأولى : اليتيم الذي مات أبوه حتى يبلغ الحلم وجمعه أيتام ويتامى، كقولهم : نديم وندامى، ولا يقال لمن ماتت أمه إنه يتيم. قال الزجاج : هذا في الإنسان، أما في غير الإنسان فيتمه من قبل أمه.
المسألة الثانية : اليتيم كالتالي لرعاية حقوق الأقارب وذلك لأنه لصغره لا ينتفع به وليتمه وخلوه عمن يقوم به، يحتاج إلى من ينفعه والإنسان قلما يرغب في صحبة مثل هذا، وإذا كان هذا التكليف شاقا على النفس لا جرم كانت درجته عظيمة في الدين.
التكليف الخامس : قوله تعالى :﴿والمساكين﴾ وفيه مسائل :
المسألة الأولى : ﴿والمساكين﴾ واحدها مسكين، أخذ من السكون كأن الفقر قد سكنه وهو أشد فقرا من الفقير عند أكثر أهل اللغة وهو قول أبي حنيفة رضي الله عنه واحتجوا بقوله تعالى :﴿أو مسكينا ذا متربة﴾ وعند الشافعي رضي الله عنه : الفقير أسوأ حالا، لأن الفقير اشتقاقه من فقار الظهر كأن فقاره انكسر لشدة حاجته وهو قول ابن الأنباري. واحتجوا عليه بقوله تعالى :﴿أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر﴾ جعلهم مساكين مع أن السفينة كانت ملكا لهم.
المسألة الثانية : إنما تأخرت درجتهم عن اليتامى لأن المسكين قد يكون بحيث ينافع به في الاستخدام فكان الميل إلى مخالطته أكثر من الميل إلى مخالطة اليتامى، ولأن المسكين أيضا يمكنه الاشتغال بتعهد نفسه ومصالح معيشته، واليتيم ليس كذلك فلا جرم قدم الله ذكر اليتيم على المسكين.
المسألة الثالثة : الإحسان إلى ذي القربى واليتامى، لا بد وأن يكون مغايرا للزكاة لأن العطف يقتضي التغاير.
التكليف السادس : قوله تعالى :﴿وقولوا للناس حسنا﴾ وفيه مسائل :
المسألة الأولى : قرأ حمزة والكسائي :( حسنا ) بفتح الحاء والسين على معنى الوصف للقول، كأنه قال : قولوا للناس قولا حسنا، والباقون بضم الحاء وسكون السين، واستشهدوا بقوله تعالى :﴿ووصينا الإنسان بوالديه حسنا﴾ وبقوله :﴿ثم بدل حسنا بعد سوء﴾ وفيه أ
اعلم أن هذا نوع آخر من أنواع النعم التي خصهم الله بها، وذلك لأن التكليف بهذه الأشياء موصل إلى أعظم النعم وهو الجنة، والموصل إلى النعمة نعمة، فهذا التكليف لا محالة من النعم، ثم إنه تعالى بين ههنا أنه كلفهم بأشياء : التكليف الأول : قوله تعالى :﴿لا تعبدون إلا الله﴾ وفيه مسائل :
المسألة الأولى : قرأ ابن كثير وحمزة والكسائي «يعبدون » بالياء والباقون بالتاء، ووجه الياء أنهم غيب أخبر عنهم، ووجه التاء أنهم كانوا مخاطبين والاختيار التاء، قال أبو عمرو : ألا ترى أنه جل ذكره قال :﴿وقولوا للناس حسنا﴾ فدلت المخاطبة على التاء.
المسألة الثانية : اختلفوا في موضع «يعبدون » من الإعراب على خمسة أقوال :
القول الأول : قال الكسائي : رفعه على أن لا يعبدوا كأنه قيل : أخذنا ميثاقهم بأن لا يعبدوا إلا أنه لما أسقطت «أن » رفع الفعل كما قال طرفة :
| ألا أيهذا اللاثمي أحضر الوغى | وأن أشهد اللذات هل أنت مخلدي |
القول الثاني : موضعه رفع على أنه جواب القسم، كأنه قيل : وإذ أقسمنا عليهم لا يعبدون، وأجاز هذا الوجه المبرد والكسائي والفراء والزجاج وهو أحد قولي الأخفش.
القول الثالث : قول قطرب : أنه يكون في موضع الحال فيكون موضعه نصبا كأنه قال : أخذنا ميثاقكم غير عابدين إلا الله.
القول الرابع : قول الفراء أن موضع «لا تعبدون » على النهي إلا أنه جاء على لفظ الخبر كقوله تعالى :﴿لا تضار والدة بولدها﴾ بالرفع والمعنى على النهي، والذي يؤكد كونه نهيا أمور. أحدها : قوله :﴿أقيموا﴾، وثانيها أنه ينصره قراءة عبد الله وأبي :﴿لا تعبدوا﴾ وثالثها : أن الإخبار في معنى الأمر والنهي آكد وأبلغ من صريح الأمر والنهي، لأنه كأنه سورع إلى الامتثال والانتهاء فهو يخبر عنه.
القول الخامس : التقدير أن لا تعبدوا تكون «أن » مع الفعل بدلا عن الميثاق، كأنه قيل : أخذنا ميثاق بني إسرائيل بتوحيدهم.
المسألة الثالثة : هذا الميثاق يدل على تمام ما لا بد منه في الدين لأنه تعالى لما أمر بعبادة الله تعالى ونهى عن عبادة غيره، ولا شك أن الأمر بعبادته والنهي عن عبادة غيره مسبوق بالعلم بذاته سبحانه، وجميع ما يجب ويجوز ويستحيل عليه وبالعلم بوحدانيته وبراءته عن الأضداد والأنداد والبراءة عن الصاحبة والأولاد، ومسبوق أيضا بالعلم بكيفية تلك العبادة التي لا سبيل إلى معرفتها إلا بالوحي والرسالة، فقوله :﴿لا تعبدون إلا الله﴾ يتضمن كل ما اشتمل عليه علم الكلام وعلم الفقه والأحكام لأن العبادة لا تتأتى إلا معها.
التكليف الثاني : قوله تعالى :﴿وبالوالدين إحسانا﴾ وفيه مسائل :
المسألة الأولى : يقال : بم يتصل الباء في قوله تعالى :﴿وبالوالدين إحسانا﴾ وعلام انتصب ؟ قلنا فيه ثلاثة أقوال : الأول : قال الزجاج : انتصب على معنى أحسنوا بالوالدين إحسانا. والثاني : قيل على معنى وصيناهم بالوالدين إحسانا لأن اتصال الباء به أحسن على هذا الوجه ولو كان على الأول لكان. وإلى الوالدين كأنه قيل : وأحسنوا إلى الوالدين. الثالث : قيل : بل هو على الخبر المعطوف على المعنى الأول يعني أن تعبدوا وتحسنوا.
المسألة الثانية : إنما أردف عبادة الله بالإحسان إلى الوالدين لوجوه. أحدها : أن نعمة الله تعالى على العبد أعظم، فلا بد من تقديم شكره على شكر غيره ثم بعد نعمة الله فنعمة الوالدين أعم النعم، وذلك لأن الوالدين هما الأصل والسبب في كون الولد ووجوده كما أنهما منعمان عليه بالتربية، وأما غير الوالدين فلا يصدر عنه الإنعام بأصل الوجود، بل بالتربية فقط، فثبت أن إنعامهما أعظم وجوه الإنعام بعد إنعام الله تعالى. وثانيها : أن الله سبحانه هو المؤثر في وجود الإنسان في الحقيقة والوالدان هما المؤثران في وجوده بحسب العرف الظاهر، فلما ذكر المؤثر الحقيقي أردفه بالمؤثر بحسب العرف الظاهر. وثالثها : أن الله تعالى لا يطلب بإنعامه على العبد عوضا البتة بل المقصود إنما هو محض الإنعام والوالدان كذلك، فإنهما لا يطلبان على الإنعام على الولد عوضا ماليا ولا ثوابا، فإن من ينكر الميعاد يحسن إلى ولده ويربيه، فمن هذا الوجه أشبه إنعامهما إنعام الله تعالى الرابع : أن الله تعالى لا يمل من الإنعام على العبد ولو أتى العبد بأعظم الجرائم، فإنه لا يقطع عنه مواد نعمه وروادف كرمه، وكذا الوالدان لا يملان الولد ولا يقطعان عنه مواد منحهما وكرمهما، وإن كان الولد مسيئا إلى الوالدين. الخامس : كما أن الوالد المشفق يتصرف في مال ولده بالاسترباح وطلب الزيادة ويصونه عن البخس والنقصان، فكذا الحق سبحانه وتعالى متصرف في طاعة العبد فيصونها عن الضياع ثم إنه سبحانه يجعل أعماله التي لا تبقى كالشيء الباقي أبد الآباد كما قال :﴿مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة﴾ السادس : أن نعمة الله وإن كانت أعظم من نعمة الوالدين ولكن نعمة الله معلومة بالاستدلال ونعمة الوالدين معلومة بالضرورة، إلا أنها قليلة بالنسبة إلى نعم الله فاعتدلا من هذه الجهة والرجحان لنعم الله فلا جرم جعلنا نعم الوالدين كالتالية لنعم الله تعالى.
المسألة الثالثة : اتفق أكثر العلماء على أنه يجب تعظيم الوالدين وإن كانا كافرين، ويدل عليه وجوه. أحدها : أن قوله في هذه الآية :﴿وبالوالدين إحسانا﴾ غير مقيد بكونهما مؤمنين أم لا، ولأنه ثبت في أصول الفقه أن الحكم المرتب على الوصف مشعر بعلية الوصف، فدلت هذه الآية على أن الأمر بتعظيم الوالدين لمحض كونهما والدين وذلك يقتضي العموم، وهكذا الاستدلال بقوله تعالى :﴿وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا﴾. وثانيها : قوله تعالى :﴿فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما﴾ الآية، وهذا نهاية المبالغة في المنع من إياذئهما، ثم إنه تعالى قال في آخر الآية :﴿وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا﴾ فصرح ببيان السبب في وجوب هذا التعظيم. وثالثها : أن الله تعالى حكى عن إبراهيم عليه السلام أنه كيف تلطف في دعوة أبيه من الكفر إلى الإيمان في قوله :﴿يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا﴾ ثم إن أباه كان يؤذيه ويذكر الجواب الغليظ وهو عليه السلام كان يتحمل ذلك، وإذا ثبت ذلك في حق إبراهيم عليه السلام ثبت مثله في حق هذه الأمة لقوله تعالى :﴿ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا﴾.
المسألة الرابعة : اعلم أن الإحسان إليهما هو ألا يؤذيهما البتة ويوصل إليهما من المنافع قدر ما يحتاجان إليه، فيدخل فيه دعوتهما إلى الإيمان إن كانا كافرين وأمرهما بالمعروف على سبيل الرفق إن كانا فاسقين.
التكليف الثالث : قوله تعالى :﴿وذي القربى﴾ وفيه مسائل :
المسألة الأولى : قال الشافعي رضي الله عنه : لو أوصى لأقارب زيد دخل فيه الوارث المحرم وغير المحرم، ولا يدخل الأب والابن لأنهما لا يعرفان بالقريب، ويدخل الأحفاد والأجداد، وقيل : لا يدخل الأصول والفروع وقيل بدخول الكل. وههنا دقيقة، وهي أن العرب يحفظون الأجداد العالية فيتسع نسلهم وكلهم أقارب، فلو ترقينا إلى الجد العالي وحسبنا أولاده كثروا، فلهذا قال الشافعي رضي الله عنه : يرتقي إلى أقرب جد ينتسب هو إليه ويعرف به وإن كان كافرا، وذكر الأصحاب في مثاله : أنه لو أوصى لأقارب الشافعي رضي الله عنه فإنا نصرفه إلى بني شافع دون بني المطلب وبني عبد مناف وإن كانوا أقارب، لأن الشافعي ينتسب في المشهور إلى شافع دون عبد مناف. قال الشيخ الغزالي : وهذا في زمان الشافعي، أما في زماننا فلا ينصرف إلا إلى أولاد الشافعي رضي الله عنه ولا يرتقي إلى بني شافع لأنه أقرب من يعرف به أقاربه في زماننا، أما قرابة الأم فإنها تدخل في وصية العجم ولا تدخل في وصية العرب على الأظهر، لأنهم لا يعدون ذلك قرابة، أما لو قال لأرحام فلان دخل فيه قرابة الأب والأم.
المسألة الثانية : اعلم أن حق ذي القربى كالتابع لحق الوالدين لأن الإنسان إنما يتصل به أقرباؤه بواسطة اتصالهم بالوالدين والاتصال بالوالدين مقدم على الاتصال بذي القربى، فلهذا أخر الله ذكره عن الوالدين، وعن أبي هريرة أنه عليه الصلاة والسلام قال :( إن الرحم سجنة من الرحمن فإذا كان يوم القيامة يقول : أي رب إني ظلمت، إني أسيء إلي، إني قطعت. قال فيجيبها ربها : ألا ترضين أني أقطع من قطعك وأصل من وصلك ) ثم قرأ ﴿فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم﴾ والسبب العقلي في تأكيد رعاية هذا الحق أن القرابة مظنة الاتحاد والألفة والرعاية والنصرة، فلو لم يحصل شيء من ذلك لكان ذلك أشق على القلب وأبلغ في الإيلام والإيحاش والضرورة، وكلما كان أقوى كان دفعه أوجب، فلهذا وجبت رعاية حقوق الأقارب.
التكليف الرابع : قوله تعالى :﴿واليتامى﴾ وفيه مسألتان :
المسألة الأولى : اليتيم الذي مات أبوه حتى يبلغ الحلم وجمعه أيتام ويتامى، كقولهم : نديم وندامى، ولا يقال لمن ماتت أمه إنه يتيم. قال الزجاج : هذا في الإنسان، أما في غير الإنسان فيتمه من قبل أمه.
المسألة الثانية : اليتيم كالتالي لرعاية حقوق الأقارب وذلك لأنه لصغره لا ينتفع به وليتمه وخلوه عمن يقوم به، يحتاج إلى من ينفعه والإنسان قلما يرغب في صحبة مثل هذا، وإذا كان هذا التكليف شاقا على النفس لا جرم كانت درجته عظيمة في الدين.
التكليف الخامس : قوله تعالى :﴿والمساكين﴾ وفيه مسائل :
المسألة الأولى : ﴿والمساكين﴾ واحدها مسكين، أخذ من السكون كأن الفقر قد سكنه وهو أشد فقرا من الفقير عند أكثر أهل اللغة وهو قول أبي حنيفة رضي الله عنه واحتجوا بقوله تعالى :﴿أو مسكينا ذا متربة﴾ وعند الشافعي رضي الله عنه : الفقير أسوأ حالا، لأن الفقير اشتقاقه من فقار الظهر كأن فقاره انكسر لشدة حاجته وهو قول ابن الأنباري. واحتجوا عليه بقوله تعالى :﴿أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر﴾ جعلهم مساكين مع أن السفينة كانت ملكا لهم.
المسألة الثانية : إنما تأخرت درجتهم عن اليتامى لأن المسكين قد يكون بحيث ينافع به في الاستخدام فكان الميل إلى مخالطته أكثر من الميل إلى مخالطة اليتامى، ولأن المسكين أيضا يمكنه الاشتغال بتعهد نفسه ومصالح معيشته، واليتيم ليس كذلك فلا جرم قدم الله ذكر اليتيم على المسكين.
المسألة الثالثة : الإحسان إلى ذي القربى واليتامى، لا بد وأن يكون مغايرا للزكاة لأن العطف يقتضي التغاير.
التكليف السادس : قوله تعالى :﴿وقولوا للناس حسنا﴾ وفيه مسائل :
المسألة الأولى : قرأ حمزة والكسائي :( حسنا ) بفتح الحاء والسين على معنى الوصف للقول، كأنه قال : قولوا للناس قولا حسنا، والباقون بضم الحاء وسكون السين، واستشهدوا بقوله تعالى :﴿ووصينا الإنسان بوالديه حسنا﴾ وبقوله :﴿ثم بدل حسنا بعد سوء﴾ وفيه أ