اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي
عن الكتاب
روي عن ابن عباس أن التَّوراة لما نزلت أمر الله موسى بِحَمْلِهَا فلم يطق ذلك، فبعث لكل حرف منها ملكاً فلم يطيقوا حملها، فخفّفها الله على موسى عليه الصلاة والسلام فحملها.
[ قوله ] :﴿وَقَفَّيْنَا مِن بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ﴾ التضعيف في " قَفَّيْنَا " ليس للتَّعدية ؛ إِذْ لو كان كذلك لتعدّى إلى اثنين ؛ لأنه قيل : التضعيف يتعدّى لواحد، نحو :" قَفَوْتُ زَيْداً "، ولكنه ضُمِّن معنى " جئنا " كأنه قيل : وجئنا من بعده بالرُّسل.
فإن قيل : يجوز أن يكون متعدياً لاثنين على معنى أنَّ الأول محذوف، والثاني " بالرسل " والباء فيه زائدة تقديره :" وَقَفَّيْنَا من بعده الرسل ".
فالجَوَاب : أن كثرة مجيئه في القرآن كذلك يبعد هذا التَّقْدِير، وسيأتي لذلك مزيد بيان في " المائدة " [ الآية : ٤٦ ] إن شاء الله تعالى.
و " قَفَّيْنَا " أصله : قَفَّوْناً، ولكن لما وقعت " الواو " رابعة قلبت " ياء "، واشتقاقه من " قَفَوْتُ "، وقَفَوْتُه إذا اتَّبَعْتُ قَفَاه، ثم اتُّسِع فيه، فأطلق على تابع، وإن بَعُدَ زمان التابع عن زمان المتبوع.
قال أميَّةُ :[ البسيط ]
و " القَفَا " : مؤخّر العُنُق، ويقال له : القافية أيضاً، ومنه الحديث :" يعقد الشيطان على قَافِيَة رَأْس أَحَدِكُمْ(١) ".
والقَفَاوَة : ما يدّخر من اللّبن وغيره لمن تريد إكرامه، وقفوت الرجل : قذفته بِفُجُور، " وفلان قِفْوتِي " : أي تُهْمتي، وقِفْوتي أي خيرتي.
قال ابن دريد : كأنه من الأضداد.
ومنه : قافية الشعر ؛ لأنها يتلو بعضها بعضاً، ومعنى قفّينا : أي أتبعنا، كقوله :﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَا﴾ [المؤمنون: ٤٤].
و " مِنْ بَعْدِهِ " متعلق به، وكذلك :" بالرُّسُل " وهو جمع رسول بمعنى مُرْسَل، وفُعُل غير مقيس في " فعيل " بمعنى " مفعول " وسكون العين لغة " الحجاز " وبها قرأ الحسن، والضم لغة " تميم "، وبها قرأ السَّبعة إلاَّ أبا عمر، وفيما أضيف إلى " نا " أو " كم " أو " هم "، فإنه قرأ بالسكون لتوالي الحركات.
هؤلاء الرُّسل : يوشع، وشمويل، وداود، وسليمان، وشعياء، وأرمياء، وعزير، وحزقيل، وإلياس، ويونس، وزكريا، ويحيى، وغيرهم.
وروي أن بعد موسى إلى أيام عيسى كانت الرسل متواترةً، ويظهر بعضهم في أثر البعض.
والشريعة واحدة في أيام عيسى عليه الصلاة والسلام فإنه جاء بشريعة مجدّدة، والدليل على ذلك قوله :﴿وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ﴾ ؛ لأنه يقتضي أنهم على حدٍّ واحدٍ في الشريعة يتبع بعضهم بعضاً فيها. وقال القاضي : إنَّ الرسول الثاني لا يجوز أن يكون على شِرْعَةِ الأوّل بحيث لا يؤدي إلا تلك بعينها من غير زيادة ولا نُقْصَان، مع أنّ تلك الشريعة محفوظةٌ يمكن معرفتها بالتَّواتر عن الأول ؛ لأن الرَّسُول إذا كان هذا حاله لم يمكن أن يعلم من جهة إلاَّ ما كان قد علم من قبل، أو يمكن أن يعلم من قبل، فكما لا يجوز أن يبعث الله رسولاً لا شريعة معه أصلاً، فكذا هاهنا، فثبت أنه لا بد وأن يكونوا قد بعثوا بشريعة جديدة إن كانت الأولى محفوظةً، أو محيية لبعض ما اندرس من الشَّريعة الأولى.
والجواب : لم لا يجوز أن يكون المقصود من بعثة هؤلاء الرسل التعبُّد بتلك الشريعة السَّابقة بنوع آخر من الأَلْطَاف لا يعلمه إلا الله ؟
[ قوله ] :" عيسى " : علم أعجمي فلذلك لم ينصرف، وقد تكلم النحويون في وَزْنِهِ، واشتقاقه على تقدير كونه عَرَبيَّ الوضع فقال سيبويه : وزنه " فِعْلَى " والياء فيه ملحقة ببنات الأربعة كياء " مِعْزى " يعني بالياء لا الألف، سمّاها ياء لكتابتها بالياء.
وقال الفارسي : ألفه ليست للتأنيث ك " ذِكْرَى "، بدلالة صرفهم له في النكرة.
وقال عثمان بن سعيد الصيرفي : وزنه " فِعْللَ " فالألف عنده أصيلة بمعنى أنها مُنْقلبة عن أصل. ورد عليه ذلك ابن البَاذش بأن الياء والواو لا يكونان أصليين في بنات الأربعة، فمن قال : إن " عيسى " مشتق من " الْعَيْس " : وهو بياض تُخالطه شُقْرة ليس بمصيب، لأن الأعجمي لا يدخله اشتقاق ولا تصريف.
وقل الزمخشري :" وقيل : عيسى بالسُّريانية يشوع ".
قوله :" ابن مريم " عطف بيان له أو بدل، ويجوز أن يكون صفة إلا أن الأول أولى ؛ لأن " ابن مريم " جرى مجرى العلم له، وللوصف ب " ابن " أحكام تخصّه، ستأتي إن شاء الله تعالى مبينة، وقد تقدم اشتقاق " ابن " وأصله.
و " مريم " أصله بالسّريانية صفة بمعنى الخَادِمِ، ثم سُمِّيَ به ؛ فلذلك لم ينصرف، وفي لغة العرب : هي المرأة التي تُكْثر مخالطة الرجال ك " الزِّير " من الرجال، وهو الذي يكثر مُخالطتَهُن.
قال رؤبة :[ الرجز ]
٦٤٧- قُلْتُ لِزِيرٍ لَمْ تَصِلْهُ مَرْيَمُهْ ***. . .
و " ياء " الزّير عن واو ؛ لأنه من " زار يزور " فقلبت للكسرة قبلها ك " الريح "، فصار لفظ " مريم " مشتركاً بين اللِّسَانين، ووزنه عند النحويين " مَفْعَل " لا " فَعْيَل "، قال الزمخشري : لأن " فَعْيلاً "، بفتح الفاء لم يثبت في الأبنية كما ثبت نحو :" عثير وعِلَيْب " وقد أثبت بعضهم " فَعْيلاً "، وجعل منه نحو :" ضهيد " : اسم مكان و " مَدْين " على القول بأصالة ميمه و " ضهيأ " بالقَصْر وهي المرأة التي لا تحيض، أو لا ثَدْيَ لها، مشتقّة من " ضَاهَأَتْ " أي :" شابهت " ؛ لأنها شابهت الرجال في ذلك، ويجوز مدّها قاله الزَّجَّاج.
وقال ابن جني : وأما " ضهيد وعثير " فمصنوعان فلا دلالة فيهما على ثبوت " فَعْيَل "، وصحة الياء في " مريم " على خلاف القياس، إذْ كان من حقّها الإعلال بنقل حركة الياء إلى الراء، ثم قَلْب الياء ألفاً نحو :" مُبَاع " من البيع، ولكنه شذّ كما شذ " مَزْيَد ومدين ".
وقال أبو البقاء : ومريم علم أعجمي، ولو كان مشتقّاً من " رام يَرِيم " لكان مَرِيْماً بسكون الياء. وقد جاء في الأعلام بفتح الياء نحو :[ مزيد ] وهو على خلاف القياس.
و " البَيِّنَات " قيل : هي المُعْجِزَات المذكورة في سورة " آل عمران " و " المائدة ".
وقيل : الإنجيل.
وقيل : أعم من ذلك.
قوله :" وَأَيَّدْنَاهُ " معطوف على قوله :" وَآتيْنَا عِيسَى ".
وقرأ الجمهور :" وَأَيَّدْنَاهُ " على " فَعَّلْنَاهُ "، وقرأ مجاهد وابن محيصن ويروى عن أبي عمرو :" وَآيَدْنَاهُ " على " أَفْعَلْنَاهُ "، والأصل فيه :" أَأْيد " بهمزتين ثانيتهما ساكنة، فوجب إبدال الثانية ألفاً نحو :" أأمن " وبابِه، وصححت العين كما صحّت في " أغيلت وأغيمت " وهو تصحيح شاذّ إلا في فعل التعجّب نحو : ما أبين وأطول.
وحكي عن أبي زيد أن تصحيح " أغيلت " مقيس.
فإن قيل : لم لا أعلّ " أَيَّدْنَاه " كما أعلّ نحو : أَبَعْنَاهُ حتى لا يلزم حمله على الشَّاذ ؟.
فالجواب : أنه لو أعلّ بأن ألقيت حركة العَيْن على الفاء، فيلتقي ساكنان العين واللام، فتحذف العين لالتقاء الساكنين، فتجتمع همزتان مَفْتُوحتان، فيجب قلب الثانية واواً نحو :" أوادم " فتتحرك الواو بعد فتحة، فتقلب ألفاً فيصير اللفظ : أَأَدْنَاهُ ؛ لأدّى إلى إعلال الفاء والعين، فلأجل ذلك رُفِضَ بخلاف أَبَعْنَاه وأقمناه، فإنه ليس فيه إلاَّ إعلال العَيْن فقط، قال أبو البقاء : فإن قلت : فلم لم تحذف الياء التي هي عَيْن كما حذفت من نحو :" أسلناه " من " سال يسيل " ؟.
قيل : لو فعلوا ذلك لتوالى إِعْلاَلاَن :
أحدهما : قلب الهمزة الثانية ألفاً، ثم حَذْفُ الألف المبدلة من الياء لسكونها، وسكون الألف قبلها، فكان يصير اللَّفط أدْنَاه، فتحذف الفاء والعين، وليس " أَسَلْنَاه " كذلك ؛ لأن هناك حذفت العين فقط.
وقال الزمخشري في " المائدة " :" أَيَّدْتُك على أَفْعَلْتُكَ ".
وقال ابن عطية :" على فاعَلْتُكَ "، ثم قال :" ويظهر أنَّ الأصل في القراءتين : أفعلتك، ثم اختلف الإعلال " والذي يظهر أن " أَيَّدَ " فَعَّلَ لمجيء مضارعه على يُؤَيِّد بالتشديد، ولو كان أَيَّدَ بالتشديد بزنة " أَفْعَل " لكان مضارعه " يُؤْيِدُ " ك " يُؤْمِنُ " من " آمن " وأما آيَدَ بالمدّ فَيحْتَاج في نقل مُضَارعه إلى سماع، فإن سُمِع " يُؤايِد " ك " يُقَاتل " فهو " فَاعَلَ " فإن سمع " يُؤْيِد " ك " يكرم " و " آيَد " فهو أَفْعَلَ، ذكر جميع ذلك أبو حَيّان في " المائدة "، ثم قال : إنه لم يظهر كلام ابن عطيّة في قوله :" اختلف الإعلال "، وهو صحيح، إلاَّ أن قوله : والذي يظهر أن " أَيَّد " في قراءة الجمهور " فَعَّل " لا " أَفْعَل " إلى آخره فيه نظر ؛ لأنه يُشْعِرُ بجواز شيء آخر متعذّر. كيف يتوهّم أن " أَيَّدَ " بالتشديد في قراءة الجمهور بزنة " أَفَعْلَ "، هذا ما لا يقع.
و " الأَيْد " : القوة.
قال عبد المطّلب :[ الرجز ]
والصحيح أن " فَعَّلَ " و " أفْعَل " هنا بمعنى واحد وهو " قَوَّيْنَاهُ "، وقد فرق بعضهم بينهما، فقال :" أما المَدُّ فمعناه : القوة، وأما القَصْر فمعناه : التأييد والنصر " وهذا في الحقيقة ليس بفرق، وقد أبدلت بعض العرب في آيَدَ على أَفْعَلَ الياء جيماً فقالت : آجَدَهُ أي قواه.
قال الزمخشري :" يقال : الحمد لله الذي آجَدَني بعد ضَعْف، وأوجدني بعد فَقْر ". وهذا كما أبدلوا من يائه جيماً فقالوا : لا أفعل ذلك جَدَ الدَّهْرِ أو مد الدهر، وهو إبدال لا يطّرد.
ومن إبدال الياء جيماً قول الراجز :[ الرجز ]
يريد :" وأبو علي " و " بالعشي ".
قوله :" بِرُوحِ القُدُسِ " متعلق ب " أيدناه ".
وقرأ ابن كثير :" القُدْس " بإسكان الدال، والباقون بضمها، وهما لغتان : الضم ل " الحجاز " والإسكان ل " تميم "، وقد تقدم ذلك، وقرأ أبو حيوة :" القُدُّوس " بواو، فيه لغة فتح القاف والدال معناه : الطَّهارة أو البركة كما [ تقدم عند قوله :﴿وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ [البقرة: ٣٠] ] و " الروح " في الأصل : اسم للجزء الذي تحصل به الحياة في الحيوان، قاله الرَّاغب.
اختلفوا في " روح القُدُس " هنا على وجوه :
أحدها : أنه جبريل عليه السلام ؛ لقول حسّان :[ الوافر ]
قال الحسن : القُدُس هو الله عزّ وجلّ، وروحه : جبريل، قال تعالى :﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ﴾ [النحل: ١٠٢] وقيل : سمي جبريل روحاً لِلَطَافته ولمكانته من الوَحْي الذي هو سبب حياة القلوب.
قال النحاس : وسمي جبريل روحاً أو أضيف إلى القدس ؛ لأنه كان بتكوين الله عزّ وجلّ له روحاً من غير ولادة والد والده [ وقيل : المراد بروح القدس الإنجيل كما قال في القرآن " روحاً من أمرنا " لأنه الذي يوحى به ]، وكذلك سمي عيسى روحاً لهذا.
وقال ابن عَبَّاس وسعيد بن جُبَيْرٍ :" هو الاسم الأعظم الذي كان يحيي ب
[ قوله ] :﴿وَقَفَّيْنَا مِن بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ﴾ التضعيف في " قَفَّيْنَا " ليس للتَّعدية ؛ إِذْ لو كان كذلك لتعدّى إلى اثنين ؛ لأنه قيل : التضعيف يتعدّى لواحد، نحو :" قَفَوْتُ زَيْداً "، ولكنه ضُمِّن معنى " جئنا " كأنه قيل : وجئنا من بعده بالرُّسل.
فإن قيل : يجوز أن يكون متعدياً لاثنين على معنى أنَّ الأول محذوف، والثاني " بالرسل " والباء فيه زائدة تقديره :" وَقَفَّيْنَا من بعده الرسل ".
فالجَوَاب : أن كثرة مجيئه في القرآن كذلك يبعد هذا التَّقْدِير، وسيأتي لذلك مزيد بيان في " المائدة " [ الآية : ٤٦ ] إن شاء الله تعالى.
و " قَفَّيْنَا " أصله : قَفَّوْناً، ولكن لما وقعت " الواو " رابعة قلبت " ياء "، واشتقاقه من " قَفَوْتُ "، وقَفَوْتُه إذا اتَّبَعْتُ قَفَاه، ثم اتُّسِع فيه، فأطلق على تابع، وإن بَعُدَ زمان التابع عن زمان المتبوع.
قال أميَّةُ :[ البسيط ]
| ٦٤٦- قَالَتْ لأُخْتٍ لَهُ قُصِّيهِ عَنْ جُنُبٍ | وَكَيْفَ تَقْفُو وَلاَ سَهْلٌ وَلاَ جَبَلُ |
والقَفَاوَة : ما يدّخر من اللّبن وغيره لمن تريد إكرامه، وقفوت الرجل : قذفته بِفُجُور، " وفلان قِفْوتِي " : أي تُهْمتي، وقِفْوتي أي خيرتي.
قال ابن دريد : كأنه من الأضداد.
ومنه : قافية الشعر ؛ لأنها يتلو بعضها بعضاً، ومعنى قفّينا : أي أتبعنا، كقوله :﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَا﴾ [المؤمنون: ٤٤].
و " مِنْ بَعْدِهِ " متعلق به، وكذلك :" بالرُّسُل " وهو جمع رسول بمعنى مُرْسَل، وفُعُل غير مقيس في " فعيل " بمعنى " مفعول " وسكون العين لغة " الحجاز " وبها قرأ الحسن، والضم لغة " تميم "، وبها قرأ السَّبعة إلاَّ أبا عمر، وفيما أضيف إلى " نا " أو " كم " أو " هم "، فإنه قرأ بالسكون لتوالي الحركات.
فصل في تعيين الرسل المقفى بهم
هؤلاء الرُّسل : يوشع، وشمويل، وداود، وسليمان، وشعياء، وأرمياء، وعزير، وحزقيل، وإلياس، ويونس، وزكريا، ويحيى، وغيرهم.
وروي أن بعد موسى إلى أيام عيسى كانت الرسل متواترةً، ويظهر بعضهم في أثر البعض.
والشريعة واحدة في أيام عيسى عليه الصلاة والسلام فإنه جاء بشريعة مجدّدة، والدليل على ذلك قوله :﴿وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ﴾ ؛ لأنه يقتضي أنهم على حدٍّ واحدٍ في الشريعة يتبع بعضهم بعضاً فيها. وقال القاضي : إنَّ الرسول الثاني لا يجوز أن يكون على شِرْعَةِ الأوّل بحيث لا يؤدي إلا تلك بعينها من غير زيادة ولا نُقْصَان، مع أنّ تلك الشريعة محفوظةٌ يمكن معرفتها بالتَّواتر عن الأول ؛ لأن الرَّسُول إذا كان هذا حاله لم يمكن أن يعلم من جهة إلاَّ ما كان قد علم من قبل، أو يمكن أن يعلم من قبل، فكما لا يجوز أن يبعث الله رسولاً لا شريعة معه أصلاً، فكذا هاهنا، فثبت أنه لا بد وأن يكونوا قد بعثوا بشريعة جديدة إن كانت الأولى محفوظةً، أو محيية لبعض ما اندرس من الشَّريعة الأولى.
والجواب : لم لا يجوز أن يكون المقصود من بعثة هؤلاء الرسل التعبُّد بتلك الشريعة السَّابقة بنوع آخر من الأَلْطَاف لا يعلمه إلا الله ؟
فصل في لفظ عيسى
[ قوله ] :" عيسى " : علم أعجمي فلذلك لم ينصرف، وقد تكلم النحويون في وَزْنِهِ، واشتقاقه على تقدير كونه عَرَبيَّ الوضع فقال سيبويه : وزنه " فِعْلَى " والياء فيه ملحقة ببنات الأربعة كياء " مِعْزى " يعني بالياء لا الألف، سمّاها ياء لكتابتها بالياء.
وقال الفارسي : ألفه ليست للتأنيث ك " ذِكْرَى "، بدلالة صرفهم له في النكرة.
وقال عثمان بن سعيد الصيرفي : وزنه " فِعْللَ " فالألف عنده أصيلة بمعنى أنها مُنْقلبة عن أصل. ورد عليه ذلك ابن البَاذش بأن الياء والواو لا يكونان أصليين في بنات الأربعة، فمن قال : إن " عيسى " مشتق من " الْعَيْس " : وهو بياض تُخالطه شُقْرة ليس بمصيب، لأن الأعجمي لا يدخله اشتقاق ولا تصريف.
وقل الزمخشري :" وقيل : عيسى بالسُّريانية يشوع ".
قوله :" ابن مريم " عطف بيان له أو بدل، ويجوز أن يكون صفة إلا أن الأول أولى ؛ لأن " ابن مريم " جرى مجرى العلم له، وللوصف ب " ابن " أحكام تخصّه، ستأتي إن شاء الله تعالى مبينة، وقد تقدم اشتقاق " ابن " وأصله.
و " مريم " أصله بالسّريانية صفة بمعنى الخَادِمِ، ثم سُمِّيَ به ؛ فلذلك لم ينصرف، وفي لغة العرب : هي المرأة التي تُكْثر مخالطة الرجال ك " الزِّير " من الرجال، وهو الذي يكثر مُخالطتَهُن.
قال رؤبة :[ الرجز ]
٦٤٧- قُلْتُ لِزِيرٍ لَمْ تَصِلْهُ مَرْيَمُهْ ***. . .
و " ياء " الزّير عن واو ؛ لأنه من " زار يزور " فقلبت للكسرة قبلها ك " الريح "، فصار لفظ " مريم " مشتركاً بين اللِّسَانين، ووزنه عند النحويين " مَفْعَل " لا " فَعْيَل "، قال الزمخشري : لأن " فَعْيلاً "، بفتح الفاء لم يثبت في الأبنية كما ثبت نحو :" عثير وعِلَيْب " وقد أثبت بعضهم " فَعْيلاً "، وجعل منه نحو :" ضهيد " : اسم مكان و " مَدْين " على القول بأصالة ميمه و " ضهيأ " بالقَصْر وهي المرأة التي لا تحيض، أو لا ثَدْيَ لها، مشتقّة من " ضَاهَأَتْ " أي :" شابهت " ؛ لأنها شابهت الرجال في ذلك، ويجوز مدّها قاله الزَّجَّاج.
وقال ابن جني : وأما " ضهيد وعثير " فمصنوعان فلا دلالة فيهما على ثبوت " فَعْيَل "، وصحة الياء في " مريم " على خلاف القياس، إذْ كان من حقّها الإعلال بنقل حركة الياء إلى الراء، ثم قَلْب الياء ألفاً نحو :" مُبَاع " من البيع، ولكنه شذّ كما شذ " مَزْيَد ومدين ".
وقال أبو البقاء : ومريم علم أعجمي، ولو كان مشتقّاً من " رام يَرِيم " لكان مَرِيْماً بسكون الياء. وقد جاء في الأعلام بفتح الياء نحو :[ مزيد ] وهو على خلاف القياس.
و " البَيِّنَات " قيل : هي المُعْجِزَات المذكورة في سورة " آل عمران " و " المائدة ".
وقيل : الإنجيل.
وقيل : أعم من ذلك.
قوله :" وَأَيَّدْنَاهُ " معطوف على قوله :" وَآتيْنَا عِيسَى ".
وقرأ الجمهور :" وَأَيَّدْنَاهُ " على " فَعَّلْنَاهُ "، وقرأ مجاهد وابن محيصن ويروى عن أبي عمرو :" وَآيَدْنَاهُ " على " أَفْعَلْنَاهُ "، والأصل فيه :" أَأْيد " بهمزتين ثانيتهما ساكنة، فوجب إبدال الثانية ألفاً نحو :" أأمن " وبابِه، وصححت العين كما صحّت في " أغيلت وأغيمت " وهو تصحيح شاذّ إلا في فعل التعجّب نحو : ما أبين وأطول.
وحكي عن أبي زيد أن تصحيح " أغيلت " مقيس.
فإن قيل : لم لا أعلّ " أَيَّدْنَاه " كما أعلّ نحو : أَبَعْنَاهُ حتى لا يلزم حمله على الشَّاذ ؟.
فالجواب : أنه لو أعلّ بأن ألقيت حركة العَيْن على الفاء، فيلتقي ساكنان العين واللام، فتحذف العين لالتقاء الساكنين، فتجتمع همزتان مَفْتُوحتان، فيجب قلب الثانية واواً نحو :" أوادم " فتتحرك الواو بعد فتحة، فتقلب ألفاً فيصير اللفظ : أَأَدْنَاهُ ؛ لأدّى إلى إعلال الفاء والعين، فلأجل ذلك رُفِضَ بخلاف أَبَعْنَاه وأقمناه، فإنه ليس فيه إلاَّ إعلال العَيْن فقط، قال أبو البقاء : فإن قلت : فلم لم تحذف الياء التي هي عَيْن كما حذفت من نحو :" أسلناه " من " سال يسيل " ؟.
قيل : لو فعلوا ذلك لتوالى إِعْلاَلاَن :
أحدهما : قلب الهمزة الثانية ألفاً، ثم حَذْفُ الألف المبدلة من الياء لسكونها، وسكون الألف قبلها، فكان يصير اللَّفط أدْنَاه، فتحذف الفاء والعين، وليس " أَسَلْنَاه " كذلك ؛ لأن هناك حذفت العين فقط.
وقال الزمخشري في " المائدة " :" أَيَّدْتُك على أَفْعَلْتُكَ ".
وقال ابن عطية :" على فاعَلْتُكَ "، ثم قال :" ويظهر أنَّ الأصل في القراءتين : أفعلتك، ثم اختلف الإعلال " والذي يظهر أن " أَيَّدَ " فَعَّلَ لمجيء مضارعه على يُؤَيِّد بالتشديد، ولو كان أَيَّدَ بالتشديد بزنة " أَفْعَل " لكان مضارعه " يُؤْيِدُ " ك " يُؤْمِنُ " من " آمن " وأما آيَدَ بالمدّ فَيحْتَاج في نقل مُضَارعه إلى سماع، فإن سُمِع " يُؤايِد " ك " يُقَاتل " فهو " فَاعَلَ " فإن سمع " يُؤْيِد " ك " يكرم " و " آيَد " فهو أَفْعَلَ، ذكر جميع ذلك أبو حَيّان في " المائدة "، ثم قال : إنه لم يظهر كلام ابن عطيّة في قوله :" اختلف الإعلال "، وهو صحيح، إلاَّ أن قوله : والذي يظهر أن " أَيَّد " في قراءة الجمهور " فَعَّل " لا " أَفْعَل " إلى آخره فيه نظر ؛ لأنه يُشْعِرُ بجواز شيء آخر متعذّر. كيف يتوهّم أن " أَيَّدَ " بالتشديد في قراءة الجمهور بزنة " أَفَعْلَ "، هذا ما لا يقع.
و " الأَيْد " : القوة.
قال عبد المطّلب :[ الرجز ]
| ٦٤٨- أَلْحَمْدُ لِلَّهِ الأعَزِّ الأَكْرَمِ | أَيَّدَنَا يَوْمَ زُحُوفٍ الأَشْرَمِ |
قال الزمخشري :" يقال : الحمد لله الذي آجَدَني بعد ضَعْف، وأوجدني بعد فَقْر ". وهذا كما أبدلوا من يائه جيماً فقالوا : لا أفعل ذلك جَدَ الدَّهْرِ أو مد الدهر، وهو إبدال لا يطّرد.
ومن إبدال الياء جيماً قول الراجز :[ الرجز ]
| ٦٤٩- خَالِي عُوَيْفٌ وَأَبُو عَلِجِّ | أَلْمُطْعِمَانِ اللَّحْمَ بِالْعَشِجِّ |
قوله :" بِرُوحِ القُدُسِ " متعلق ب " أيدناه ".
وقرأ ابن كثير :" القُدْس " بإسكان الدال، والباقون بضمها، وهما لغتان : الضم ل " الحجاز " والإسكان ل " تميم "، وقد تقدم ذلك، وقرأ أبو حيوة :" القُدُّوس " بواو، فيه لغة فتح القاف والدال معناه : الطَّهارة أو البركة كما [ تقدم عند قوله :﴿وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ [البقرة: ٣٠] ] و " الروح " في الأصل : اسم للجزء الذي تحصل به الحياة في الحيوان، قاله الرَّاغب.
فصل في المراد ب " روح القدس "
اختلفوا في " روح القُدُس " هنا على وجوه :
أحدها : أنه جبريل عليه السلام ؛ لقول حسّان :[ الوافر ]
| ٦٥٠- وجبْرِيلٌ رَسولُ اللهِ فِينَا | ورُوحُ القُدْسِ لَيْسَ بِهِ كِفَاءُ |
قال النحاس : وسمي جبريل روحاً أو أضيف إلى القدس ؛ لأنه كان بتكوين الله عزّ وجلّ له روحاً من غير ولادة والد والده [ وقيل : المراد بروح القدس الإنجيل كما قال في القرآن " روحاً من أمرنا " لأنه الذي يوحى به ]، وكذلك سمي عيسى روحاً لهذا.
وقال ابن عَبَّاس وسعيد بن جُبَيْرٍ :" هو الاسم الأعظم الذي كان يحيي ب
١ - متفق عليه من رواية أبي هريرة رضي الله عنه فقد أخرجه البخاري في الصحيح (٣/٢٤) كتاب التهجد (١٩) باب عقد الشيطان على قافية الرأس (١٢) حديث رقم (١١٤٢) ومسلم في الصحيح (١/٥٣٨) كتاب صلاة المسافرين وقصرها (٦) باب ما روي فيمن نام الليل أجمع حتى أصبح (٢٨) حديث رقم (٢٠٧/٧٧٦) وعن القافية قال في شرح السنة (٤/٣٣) وأراد بقافية الرأس مؤخر الرأس وأبو داود في السنن حديث رقم (١٣٠٦)- وابن ماجه في السنن حديث رقم (١٣٢٩)- وأحمد في المسند (٢/٢٤٣) وابن خزيمة في صحيحه حديث رقم (١١٣١)- والبيهقي في السنن (٢/٥٠١)، (٣/١٥)- ومالك في الموطأ (١٧٦) وذكره المنذري في الترغيب ١/٤٤٢، ٤٤٦. والهندي في كنز العمال حديث رقم ٢١٣٧٨..