البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي
عن الكتاب
قفوت الأثر : اتبعته، والأصل أن يجيء الإنسان تابعاً لقفا الذي اتبعه، ثم توسع فيه حتى صار لمطلق الاتباع، وإن بعد زمان المتبوع، من زمان التابع.
وقال أمية :
الرسل : جمع رسول، ولا ينقاس فعل في فعول بمعنى مفعول.
وتسكين عينه لغة أهل الحجاز، والتحريك لغة بني تميم.
عيسى : اسم أعجمي علم لا يصرف للعجمة والعلمية، ووزنه عند سيبويه : فعلى، والياء فيه ملحقة ببنات الأربعة، بمنزلة ياء معزى، يعني بالياء الألف، سماها ياء لكتابتهم إياها ياء.
قال أبو علي : وليست للتأنيث، كالتي في ذكرى، بدلالة صرفهم له في النكرة.
وذهب الحافظ أبو عمر، وعثمان بن سعيد الداني، صاحب التصانيف في القراءات، وعثمان بن سعيد الصيرفي وغيره، إلى أن وزنه فعلل، وردّ ذلك الأستاذ أبو الحسن بن الباذش بأن الياء والواو لا يكونان أصلاً في بنات الأربعة.
قال بعض أصحابنا : وهذه الأسماء أعجمية، وكل أعجمي استعملته العرب، فالنحويون يتكلمون على أحكامه في التصريف على الحدّ الذي يتكلمون فيه العربي، فعيسى من هذا الباب.
انتهى كلامه.
ومن زعم أنه مشتق من العيس : وهو بياض يخالطه شقرة، فغير مصيب، لأن الاشتقاق العربي يدخل الأسماء الأعجمية.
مريم، باللسان السرياني، معناه : الخادم، وسميت به أم عيسى، فصار علماً، فامتنع الصرف للتأنيث والعلمية.
ومريم، باللسان العربي : من النساء، كالزير : من الرجال، وبه فسر قول رؤبة :
قلت لزير لم تصله مريمه***
والزير : الذي يكثر خلطة النساء وزيارتهنّ، والياء فيه مبدلة من واو، كالريح، إذ هما من الزور والروح، فصار هذا اللفظ مشتركاً بالنسبة إلى اللسانين.
ووزن مريم عند النحويين مفعل، لأن فعيلاً، بفتح الفاء، لم يثبت في الأبنية، كما ثبت نحو : عثير وعلبب، قاله الزمخشري وغيره.
وقد أثبت بعض الناس فعيلاً، وجعل منه : ضهيداً، اسم موضع، ومدين، إذا جعلنا ميمه أصلية، وضهياء مقصورة مصروفة، وهي المرأة التي لا تحيض، وقيل : التي لا ثدي لها.
قال أبو عمرو الشيباني : ضهياة وضهياءة، بالقصر والمد.
قال الزجاج : اشتقاقها من ضأهأت : أي شابهت، لأنها أشبهت الرجل.
وقال ابن جني : أما ضهيد وعثير فمصنوعان، فلا يجعلان دليلاً على إثبات فعيل. انتهى.
وصحة حرف العلة في مريم على خلاف القياس نحو : مزيد.
البين : الواضح، بان : وضح وظهر.
أيد : فعل تأييد، أو أيد : أفعل إئياداً، وكلاهما من الأيد، وهو القوة.
وقد أبدلوا في أفعل من يائه جيماً، قالوا : أجد، أي قوي، كما أبدلوا ياء يد، قالوا : لا أفعل ذلك جدى الدهر، يريدون يد الدهر، وهو إبدال لا يطرد.
والأصل في آيد أاْيد، وصححت العين كما صححت في أغيلت، وهو تصحيح شاذ إلا في فعل التعجب، فتقول : ما أبين ! وما أطول ! ورآه أبو زيد مقيساً، ولو أعل على حدّ أقتت وأحدت، فألقيت حركة العين على الفاء، وحذفت العين، لوجب أن تنقلب الفاء واواً لتحركها وانفتاح ما قبلها، كما انقلبت في أوادم جمع أدم على أفاعل، ثم تنقلب الواو ألفاً لتحركها وانفتاح ما قبلها.
فلما أدّى القياس إلى إعلال الفاء والعين، رفض وصححت العين.
الروح، من الحيوان : اسم للجزء الذي تحصل به الحياة، قاله الراغب، واختلف الناس فيه وفي النفس، أهما من المشترك أم من المتباين ؟ وفي ماهية النفس والروح، وقد صنف في ذلك.
القدس : الطهارة، وقيل : البركة، وقد تقدّم الكلام على ذلك عند الكلام على قوله تعالى :﴿ونقدّس لك﴾ الرسول، فعول بمعنى : المفعول، أي المرسل، وهو قليل، ومنه : الحلوب، والركوب، بمعنى : المحلوب والمركوب.
تهوى : تحب وتختار، ماضيه على فعل، ومصدره الهوى.
﴿ولقد آتينا موسى الكتاب﴾ : تقدّم الكلام في هذه اللام، ويحتمل أن تكون للتأكيد، وأن تكون جواب قسم.
ومناسبة هذا لما قبله أن إيتاء موسى الكتاب هو نعمة لهم، إذ فيه أحكامهم وشرائعهم.
ثم قابلوا تلك النعمة بالكفران، وذلك جرى على ما سبق من عادتهم، إذ قد أمروا بأشياء ونهوا عن أشياء، فخالفوا أمر الله ونهيه، فناسب ذكر هذه الآية ما قبلها.
والإيتاء : الإعطاء، فيحتمل أن يراد به : الإنزال، لأنه أنزله عليه جملة واحدة، ويحتمل أن يراد آتيناه : أفهمناه ما انطوى عليه من الحدود والأحكام والأنباء والقصص وغير ذلك مما فيه، فيكون على حذف مضاف آتينا موسى علم الكتاب، أو فهم الكتاب.
وموسى : هو نبي الله موسى بن عمران، صلى الله على نبينا وعليه وسلم.
والكتاب هنا : التوراة، في قول الجمهور، والألف واللام فيه للعهد، إذ قرن بموسى وانتصابه على أنه مفعول ثان لآتينا.
وقد تقدم أنه مفعول أول عند السهيلي، وموسى هو الثاني عنده.
﴿وقفينا﴾ : هذه الياء أصلها الواو، إلا أنها متى وقعت رابعة أبدلت ياء، كما تقول : غزيت من الغزو، والتضعيف الذي في قفينا ليس للتعدية، إذ لو كان للتعدية لكان يتعدى إلى اثنين، لأن قفوت يتعدّى إلى واحد.
تقول : قفوت زيداً، أي تبعته، فلو جاء على التعدية لكان : وقفيناه من بعده الرسل، وكونه لم يجىء كذلك في القرآن، يبعد أن تكون الباء زائدة في المفعول الأول، ويكون المفعول الثاني جاء محذوفاً.
ألا ترى إلى قوله :﴿ثم فقينا على آثارهم برسلنا وقفينا بعيسى ابن مريم﴾ ولكنه ضمن معنى جئنا، كأنه قال : وجئنا من بعده بالرسل، يقفو بعضهم بعضاً، ومن في :﴿من بعده﴾ : لابتداء الغاية، وهو ظاهر، لأنه يحكى أن موسى لم يمت حتى نبىء يوشع.
﴿بالرسل﴾ : أرسل الله على أثر موسى رسلاً وهم : يوشع، وشمويل، وشمعون، وداود، وسليمان، وشعيا، وأرميا، وعزير، وحزقيل، وإلياس، وأليسع ويونس، وزكريا، ويحيى، وغيرهم.
والباء في بالرسل متعلق بقفينا، والألف واللام يحتمل أن تكون للجنس الخاص، ويحتمل أن تكون للعهد، لما استفيد من القرآن وغيره أن هؤلاء بعثوا من بعده، ويحتمل أن تكون التقفية معنوية، وهي كونهم يتبعونه في العمل بالتوراة وأحكامها، ويأمرون باتباعها والبقاء على التزامها.
وقرأ الجمهور : بالرسل بضم السين.
وقرأ الحسن ويحيى بن يعمر : بتسكينها، وقد تقدم أنهما لغتان، ووافقهما أبو عمرو أن أضيف إلى ضمير جمع نحو : رسلهم ورسلكم ورسلنا، استثقل توالي أربع متحركات، فسكن تخفيفاً.
﴿وآتينا عيسى ابن مريم﴾ : أضاف عيسى إلى أمه رداً على اليهود فيما أضافوه إليه.
﴿البيانات﴾ : وهي الحجج الواضحة الدالة على نبوّته، فيشمل كل معجزة أوتيها عيسى عليه السلام، وهذا هو الظاهر.
وقيل : الإنجيل.
وقيل : الحجج التي أقامها الله على اليهود.
وقيل : إبراء الأكمه والأبرص، والإخبار بالمغيبات، وإحياء الموتى، وهم أربعة : سام بن نوح، والعازر، وابن العجوز، وبنت العشار، ومن الطير : الخفاش، فقيل : لم يكن من قبل عيسى، بل هو صورة، والله نفخ فيه الروح.
وقيل : كان قبله، فوضع عيسى على مثاله.
قالوا : وإنما اختص هذا النوع من الطير لأنه ليس شيء من الطير أشد خلقاً منه، لأنه لحم كله.
وأجمل الله ذكر الرسل، وفصل ذكر عيسى، لأن من قبله كانوا متبعين شريعة موسى، وأما عيسى فنسخ شرعه كثيراً من شرع موسى.
﴿وأيدناه﴾ : قرأ الجمهور على وزن فعلناه.
وقرأ مجاهد، والأعرج، وحميد، وابن محيصن، وحسين، عن أبي عمرو : أأيدناه، على وزن : أفعلناه.
وتقدم الكلام على ذلك في المفردات، وفرق بعضهم بينهما فقال : أما المد فمعناه القوة، وأما القصر فالتأييد والنصر، والأصح أنهما بمعنى قويناه، وكلاهما من الأيد، وهو القوة.
﴿بروح القدس﴾ : قراءة الجمهور : بضم القاف والدّال.
وقرأ مجاهد : وابن كثير : بسكون الدال حيث وقع، وفيه لغة فتحها.
وقرأ أبو حيوة : القدوس، بواو.
والروح هنا : اسم الله الأعظم الذي كان به عيسى عليه السلام يحيي الموتى، قاله ابن عباس، أو الإِنجيل، كما سمى الله القرآن روحاً، قال تعالى :﴿وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا﴾ قاله ابن زيد، أو الروح التي نفخها تعالى في عيسى عليه السلام، أو جبريل عليه السلام، قاله قتادة والسدّي والضحاك والربيع، ونسب هذا القول لابن عباس، قاله ابن عطية، وهذا أصح الأقوال.
وقد قال النبي ﷺ لحسان بن ثابت « أهج قريشاً وروح القدس معك »، ومرة قال له ؛ « وجبريل معك » انتهى كلامه.
قالوا : ويقوي ذلك قوله تعالى :﴿إذ أيدتك بروح القدس﴾ وقال حسان :
وجبريل رسول الله فينا***
وروح القدس ليس له كفاء
وتسمية جبريل بذلك، لأن الغالب على جسمه الروحانية، وكذلك سائر الملائكة، أو لأنه يحيا به الدين، كما يحيا البدن بالروح، فإنه هو المتولي لإنزال الوحي، أو لتكوينه روحاً من غير ولادة.
وتأييد الله عيسى بجبريل عليهما السلام لإظهار حجته وأمر دينه، أو لدفع اليهود عنه، إذ أرادوا قتله، أو في جميع أحواله.
واختار الزمخشري أن معناه : بالروح المقدسة، قال : كما يقال حاتم الجود، ورجل صدق.
ووصفها بالقدس كما قال : وروح منه، فوصفه بالاختصاص والتقريب للكرامة.
انتهى كلامه.
وقد تقدّم معنى القدس أنه الطهارة أو البركة.
وقال مجاهد والربيع : القدس من أسماء الله تعالى، كالقدّوس.
قالوا : وإطلاق الرّوح على جبريل وعلى الإنجيل وعلى اسم الله الأعظم مجاز، لأن الرّوح هو الريح المتردد في مخارق الإنسان في منافذه.
ومعلوم أن هذه الثلاثة ما كانت كذلك، إلا أن كلاً منها أطلق الرّوح عليه على سبيل التشبيه، من حيث إن الرّوح سبب للحياة، فجبريل هو سبب لحياة القلوب بالعلوم، والإنجيل سبب لظهور الشرائع وحياتها، والاسم الأعظم سبب لأن يتوصل به إلى تحصيل الأغراض.
والمشابهة بين جبريل والرّوح أتم، ولأن هذه التسمية فيه أظهر، ولأن المراد من أيدناه : قوّيناه وأعناه، وإسنادها إلى جبريل حقيقة، وإلى الإنجيل والاسم الأعظم مجاز.
ولأن اختصاص عيسى بجبريل من آكد وجوه الاختصاص، إذ لم يكن لأحد من الأنبياء مثل ذلك، لأنه هو الذي بشر مريم بولادته، وتولد عيسى بنفخه، ورباه في جميع الأحوال، وكان يسير معه حيث سار، وكان معه حيث صعد إلى السماء.
﴿أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم﴾ : الهمزة أصلها للاستفهام، وهي هنا للتوبيخ والتقريع.
والفاء لعطف الجملة على ما قبلها، واعتنى بحرف الاستفهام فقدم، والأصل فأكلما.
ويحتمل أن لا يقدر قبلها محذوف، بل يكون العطف على الجمل التي قبلها، كأنه قال : ولقد آتينا يا بني إسرائيل، آتيناكم ما آتيناكم.
فكلما جاءكم رسول.
ويحتمل أن يقدر قبلها محذوف، أي فعلتم ما فعلتم من تكذيب فريق وقتل فريق.
وقد تقدم الكلام على كلما في قوله تعالى :﴿كلما رزقوا منها﴾ فأغنى عن إعادته.
والناصب لها قوله :﴿استكبرتم﴾.
والخطاب في جاءكم يجوز أن يكون عاماً لجميع بني إسرائيل، إذ كانوا على طبع واحد من سوء الأخلاق، وتكذيب الرسل، وكثرة سؤال
وقال أمية :
| قالت لأخت له قصيه عن جنب | وكيف تقفو ولا سهل ولا جدد |
وتسكين عينه لغة أهل الحجاز، والتحريك لغة بني تميم.
عيسى : اسم أعجمي علم لا يصرف للعجمة والعلمية، ووزنه عند سيبويه : فعلى، والياء فيه ملحقة ببنات الأربعة، بمنزلة ياء معزى، يعني بالياء الألف، سماها ياء لكتابتهم إياها ياء.
قال أبو علي : وليست للتأنيث، كالتي في ذكرى، بدلالة صرفهم له في النكرة.
وذهب الحافظ أبو عمر، وعثمان بن سعيد الداني، صاحب التصانيف في القراءات، وعثمان بن سعيد الصيرفي وغيره، إلى أن وزنه فعلل، وردّ ذلك الأستاذ أبو الحسن بن الباذش بأن الياء والواو لا يكونان أصلاً في بنات الأربعة.
قال بعض أصحابنا : وهذه الأسماء أعجمية، وكل أعجمي استعملته العرب، فالنحويون يتكلمون على أحكامه في التصريف على الحدّ الذي يتكلمون فيه العربي، فعيسى من هذا الباب.
انتهى كلامه.
ومن زعم أنه مشتق من العيس : وهو بياض يخالطه شقرة، فغير مصيب، لأن الاشتقاق العربي يدخل الأسماء الأعجمية.
مريم، باللسان السرياني، معناه : الخادم، وسميت به أم عيسى، فصار علماً، فامتنع الصرف للتأنيث والعلمية.
ومريم، باللسان العربي : من النساء، كالزير : من الرجال، وبه فسر قول رؤبة :
قلت لزير لم تصله مريمه***
والزير : الذي يكثر خلطة النساء وزيارتهنّ، والياء فيه مبدلة من واو، كالريح، إذ هما من الزور والروح، فصار هذا اللفظ مشتركاً بالنسبة إلى اللسانين.
ووزن مريم عند النحويين مفعل، لأن فعيلاً، بفتح الفاء، لم يثبت في الأبنية، كما ثبت نحو : عثير وعلبب، قاله الزمخشري وغيره.
وقد أثبت بعض الناس فعيلاً، وجعل منه : ضهيداً، اسم موضع، ومدين، إذا جعلنا ميمه أصلية، وضهياء مقصورة مصروفة، وهي المرأة التي لا تحيض، وقيل : التي لا ثدي لها.
قال أبو عمرو الشيباني : ضهياة وضهياءة، بالقصر والمد.
قال الزجاج : اشتقاقها من ضأهأت : أي شابهت، لأنها أشبهت الرجل.
وقال ابن جني : أما ضهيد وعثير فمصنوعان، فلا يجعلان دليلاً على إثبات فعيل. انتهى.
وصحة حرف العلة في مريم على خلاف القياس نحو : مزيد.
البين : الواضح، بان : وضح وظهر.
أيد : فعل تأييد، أو أيد : أفعل إئياداً، وكلاهما من الأيد، وهو القوة.
وقد أبدلوا في أفعل من يائه جيماً، قالوا : أجد، أي قوي، كما أبدلوا ياء يد، قالوا : لا أفعل ذلك جدى الدهر، يريدون يد الدهر، وهو إبدال لا يطرد.
والأصل في آيد أاْيد، وصححت العين كما صححت في أغيلت، وهو تصحيح شاذ إلا في فعل التعجب، فتقول : ما أبين ! وما أطول ! ورآه أبو زيد مقيساً، ولو أعل على حدّ أقتت وأحدت، فألقيت حركة العين على الفاء، وحذفت العين، لوجب أن تنقلب الفاء واواً لتحركها وانفتاح ما قبلها، كما انقلبت في أوادم جمع أدم على أفاعل، ثم تنقلب الواو ألفاً لتحركها وانفتاح ما قبلها.
فلما أدّى القياس إلى إعلال الفاء والعين، رفض وصححت العين.
الروح، من الحيوان : اسم للجزء الذي تحصل به الحياة، قاله الراغب، واختلف الناس فيه وفي النفس، أهما من المشترك أم من المتباين ؟ وفي ماهية النفس والروح، وقد صنف في ذلك.
القدس : الطهارة، وقيل : البركة، وقد تقدّم الكلام على ذلك عند الكلام على قوله تعالى :﴿ونقدّس لك﴾ الرسول، فعول بمعنى : المفعول، أي المرسل، وهو قليل، ومنه : الحلوب، والركوب، بمعنى : المحلوب والمركوب.
تهوى : تحب وتختار، ماضيه على فعل، ومصدره الهوى.
﴿ولقد آتينا موسى الكتاب﴾ : تقدّم الكلام في هذه اللام، ويحتمل أن تكون للتأكيد، وأن تكون جواب قسم.
ومناسبة هذا لما قبله أن إيتاء موسى الكتاب هو نعمة لهم، إذ فيه أحكامهم وشرائعهم.
ثم قابلوا تلك النعمة بالكفران، وذلك جرى على ما سبق من عادتهم، إذ قد أمروا بأشياء ونهوا عن أشياء، فخالفوا أمر الله ونهيه، فناسب ذكر هذه الآية ما قبلها.
والإيتاء : الإعطاء، فيحتمل أن يراد به : الإنزال، لأنه أنزله عليه جملة واحدة، ويحتمل أن يراد آتيناه : أفهمناه ما انطوى عليه من الحدود والأحكام والأنباء والقصص وغير ذلك مما فيه، فيكون على حذف مضاف آتينا موسى علم الكتاب، أو فهم الكتاب.
وموسى : هو نبي الله موسى بن عمران، صلى الله على نبينا وعليه وسلم.
والكتاب هنا : التوراة، في قول الجمهور، والألف واللام فيه للعهد، إذ قرن بموسى وانتصابه على أنه مفعول ثان لآتينا.
وقد تقدم أنه مفعول أول عند السهيلي، وموسى هو الثاني عنده.
﴿وقفينا﴾ : هذه الياء أصلها الواو، إلا أنها متى وقعت رابعة أبدلت ياء، كما تقول : غزيت من الغزو، والتضعيف الذي في قفينا ليس للتعدية، إذ لو كان للتعدية لكان يتعدى إلى اثنين، لأن قفوت يتعدّى إلى واحد.
تقول : قفوت زيداً، أي تبعته، فلو جاء على التعدية لكان : وقفيناه من بعده الرسل، وكونه لم يجىء كذلك في القرآن، يبعد أن تكون الباء زائدة في المفعول الأول، ويكون المفعول الثاني جاء محذوفاً.
ألا ترى إلى قوله :﴿ثم فقينا على آثارهم برسلنا وقفينا بعيسى ابن مريم﴾ ولكنه ضمن معنى جئنا، كأنه قال : وجئنا من بعده بالرسل، يقفو بعضهم بعضاً، ومن في :﴿من بعده﴾ : لابتداء الغاية، وهو ظاهر، لأنه يحكى أن موسى لم يمت حتى نبىء يوشع.
﴿بالرسل﴾ : أرسل الله على أثر موسى رسلاً وهم : يوشع، وشمويل، وشمعون، وداود، وسليمان، وشعيا، وأرميا، وعزير، وحزقيل، وإلياس، وأليسع ويونس، وزكريا، ويحيى، وغيرهم.
والباء في بالرسل متعلق بقفينا، والألف واللام يحتمل أن تكون للجنس الخاص، ويحتمل أن تكون للعهد، لما استفيد من القرآن وغيره أن هؤلاء بعثوا من بعده، ويحتمل أن تكون التقفية معنوية، وهي كونهم يتبعونه في العمل بالتوراة وأحكامها، ويأمرون باتباعها والبقاء على التزامها.
وقرأ الجمهور : بالرسل بضم السين.
وقرأ الحسن ويحيى بن يعمر : بتسكينها، وقد تقدم أنهما لغتان، ووافقهما أبو عمرو أن أضيف إلى ضمير جمع نحو : رسلهم ورسلكم ورسلنا، استثقل توالي أربع متحركات، فسكن تخفيفاً.
﴿وآتينا عيسى ابن مريم﴾ : أضاف عيسى إلى أمه رداً على اليهود فيما أضافوه إليه.
﴿البيانات﴾ : وهي الحجج الواضحة الدالة على نبوّته، فيشمل كل معجزة أوتيها عيسى عليه السلام، وهذا هو الظاهر.
وقيل : الإنجيل.
وقيل : الحجج التي أقامها الله على اليهود.
وقيل : إبراء الأكمه والأبرص، والإخبار بالمغيبات، وإحياء الموتى، وهم أربعة : سام بن نوح، والعازر، وابن العجوز، وبنت العشار، ومن الطير : الخفاش، فقيل : لم يكن من قبل عيسى، بل هو صورة، والله نفخ فيه الروح.
وقيل : كان قبله، فوضع عيسى على مثاله.
قالوا : وإنما اختص هذا النوع من الطير لأنه ليس شيء من الطير أشد خلقاً منه، لأنه لحم كله.
وأجمل الله ذكر الرسل، وفصل ذكر عيسى، لأن من قبله كانوا متبعين شريعة موسى، وأما عيسى فنسخ شرعه كثيراً من شرع موسى.
﴿وأيدناه﴾ : قرأ الجمهور على وزن فعلناه.
وقرأ مجاهد، والأعرج، وحميد، وابن محيصن، وحسين، عن أبي عمرو : أأيدناه، على وزن : أفعلناه.
وتقدم الكلام على ذلك في المفردات، وفرق بعضهم بينهما فقال : أما المد فمعناه القوة، وأما القصر فالتأييد والنصر، والأصح أنهما بمعنى قويناه، وكلاهما من الأيد، وهو القوة.
﴿بروح القدس﴾ : قراءة الجمهور : بضم القاف والدّال.
وقرأ مجاهد : وابن كثير : بسكون الدال حيث وقع، وفيه لغة فتحها.
وقرأ أبو حيوة : القدوس، بواو.
والروح هنا : اسم الله الأعظم الذي كان به عيسى عليه السلام يحيي الموتى، قاله ابن عباس، أو الإِنجيل، كما سمى الله القرآن روحاً، قال تعالى :﴿وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا﴾ قاله ابن زيد، أو الروح التي نفخها تعالى في عيسى عليه السلام، أو جبريل عليه السلام، قاله قتادة والسدّي والضحاك والربيع، ونسب هذا القول لابن عباس، قاله ابن عطية، وهذا أصح الأقوال.
وقد قال النبي ﷺ لحسان بن ثابت « أهج قريشاً وروح القدس معك »، ومرة قال له ؛ « وجبريل معك » انتهى كلامه.
قالوا : ويقوي ذلك قوله تعالى :﴿إذ أيدتك بروح القدس﴾ وقال حسان :
وجبريل رسول الله فينا***
وروح القدس ليس له كفاء
وتسمية جبريل بذلك، لأن الغالب على جسمه الروحانية، وكذلك سائر الملائكة، أو لأنه يحيا به الدين، كما يحيا البدن بالروح، فإنه هو المتولي لإنزال الوحي، أو لتكوينه روحاً من غير ولادة.
وتأييد الله عيسى بجبريل عليهما السلام لإظهار حجته وأمر دينه، أو لدفع اليهود عنه، إذ أرادوا قتله، أو في جميع أحواله.
واختار الزمخشري أن معناه : بالروح المقدسة، قال : كما يقال حاتم الجود، ورجل صدق.
ووصفها بالقدس كما قال : وروح منه، فوصفه بالاختصاص والتقريب للكرامة.
انتهى كلامه.
وقد تقدّم معنى القدس أنه الطهارة أو البركة.
وقال مجاهد والربيع : القدس من أسماء الله تعالى، كالقدّوس.
قالوا : وإطلاق الرّوح على جبريل وعلى الإنجيل وعلى اسم الله الأعظم مجاز، لأن الرّوح هو الريح المتردد في مخارق الإنسان في منافذه.
ومعلوم أن هذه الثلاثة ما كانت كذلك، إلا أن كلاً منها أطلق الرّوح عليه على سبيل التشبيه، من حيث إن الرّوح سبب للحياة، فجبريل هو سبب لحياة القلوب بالعلوم، والإنجيل سبب لظهور الشرائع وحياتها، والاسم الأعظم سبب لأن يتوصل به إلى تحصيل الأغراض.
والمشابهة بين جبريل والرّوح أتم، ولأن هذه التسمية فيه أظهر، ولأن المراد من أيدناه : قوّيناه وأعناه، وإسنادها إلى جبريل حقيقة، وإلى الإنجيل والاسم الأعظم مجاز.
ولأن اختصاص عيسى بجبريل من آكد وجوه الاختصاص، إذ لم يكن لأحد من الأنبياء مثل ذلك، لأنه هو الذي بشر مريم بولادته، وتولد عيسى بنفخه، ورباه في جميع الأحوال، وكان يسير معه حيث سار، وكان معه حيث صعد إلى السماء.
﴿أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم﴾ : الهمزة أصلها للاستفهام، وهي هنا للتوبيخ والتقريع.
والفاء لعطف الجملة على ما قبلها، واعتنى بحرف الاستفهام فقدم، والأصل فأكلما.
ويحتمل أن لا يقدر قبلها محذوف، بل يكون العطف على الجمل التي قبلها، كأنه قال : ولقد آتينا يا بني إسرائيل، آتيناكم ما آتيناكم.
فكلما جاءكم رسول.
ويحتمل أن يقدر قبلها محذوف، أي فعلتم ما فعلتم من تكذيب فريق وقتل فريق.
وقد تقدم الكلام على كلما في قوله تعالى :﴿كلما رزقوا منها﴾ فأغنى عن إعادته.
والناصب لها قوله :﴿استكبرتم﴾.
والخطاب في جاءكم يجوز أن يكون عاماً لجميع بني إسرائيل، إذ كانوا على طبع واحد من سوء الأخلاق، وتكذيب الرسل، وكثرة سؤال