الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري

عن الكتاب
﴿الكتاب﴾ التوراة، آتاه إياها جملة واحدة. ويقال : قفاه إذا أتبعه من القفا. نحو ذنبه، من الذنب. وقفاه به : أتبعه إياه، يعني : وأرسلنا على أثره الكثير من الرسل، كقوله تعالى :﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى﴾ [المؤمنون: ٤٤] وهم يوشع وأشمويل وشمعون وداود وسليمان وشعيا وأرميا وعزير وحزقيل وإلياس واليسع ويونس وزكريا ويحيى وغيرهم. وقيل :﴿عِيسَى﴾ بالسريانية يشوع. و ﴿مَرْيَمَ﴾ بمعنى الخادم. وقيل : المريم بالعربية من النساء، كالزير من الرجال. وبه فسر قول رؤبة :
قُلْتُ لِزَيْرٍ لَمْ تَصِلْهُ مَرْيَمُهْ ***
ووزن «مريم » عند النحويين «مفعل » لأن فعيلاً بفتح الفاء لم يثبت في الأبنية كما ثبت نحو عثير وعليب ﴿البينات﴾ المعجزات الواضحات والحجج. كإحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص والإخبار بالمغيبات. وقرىء :«وآيدناه ». ومنه : آجده بالجيم إذا قوّاه. يقال : الحمد لله الذي آجدني بعد ضعف، وأوجدني بعد فقر. ﴿بِرُوحِ القدس﴾ بالروح المقدسة كما تقول : حاتم الجود، ورجل صدق. ووصفها بالقدس كما قال :
﴿وَرُوحٌ مّنْهُ﴾ [النساء: ١٧١] فوصفه بالاختصاص والتقريب للكرامة. وقيل : لأنه لم تضمه الأصلاب، ولا أرحام الطوامث. وقيل : بجبريل. وقيل : بالإنجيل كما قال في القرآن :﴿وروحا مِنْ أَمْرِنَا﴾ [الشورى: ٥٢] وقيل : باسم الله الأعظم الذي كان يحيي الموتى بذكره. والمعنى : ولقد آتينا يابني إسرائيل أنبياءكم ما آتيناهم ﴿أَفَكُلَّمَا جَاءكُمْ رَسُولٌ﴾ منهم بالحق ﴿استكبرتم﴾ عن الإيمان به، فوسط بين الفاء وما تعلقت به همزة التوبيخ والتعجيب من شأنهم. ويجوز أن يريد : ولقد آتيناهم ما آتيناهم ففعلتم ما فعلتم. ثم وبخهم على ذلك. ودخول الفاء لعطفه على المقدّر.
فإن قلت : هلا قيل وفريقاً قتلتم ؟ قلت : هو على وجهين : أن تراد الحال الماضية، لأنّ الأمر فظيع فأريد استحضاره في النفوس وتصويره في القلوب، وأن يراد : وفريقاً تقتلونهم بعد لأنكم تحومون حول قتل محمد ﷺ لولا أني أعصمه منكم. ولذلك سحرتموه وسممتم له الشاة. وقال ﷺ عند موته :" ما زالت أكلةُ خيبر تعادّني، فهذا أوان قطعت أبهري ".

تفسير هذه الآية من كتب أخرى