تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي

عن الكتاب
الآية ٨٧ وقوله تعالى :﴿ولقد آتينا موسى الكتاب﴾ يعني التوراة، وهو ظاهر.
وقوله :﴿وقفينا من بعده بالرسل﴾ وقيل ﴿وقفينا﴾ أردفنا، وهو من القفا ؛ قفا يقفو، وقيل : أتبعنا رسولا على إثر رسول(١) كقوله :
﴿فأتبعنا بعضهم بعضا﴾ [المؤمنون: ٤٤] واحدا على إثر واحد.
وقوله :﴿وآتينا عيسى ابن مريم البينات﴾ قيل : البينات الحجج، وقيل : العجائب التي كانت تجري على يديه من خلق الطين، وإحياء الموتى، وإبراء الأكمه والأبرص، وإنباء ما يأكلون، وما يدخرون، وقيل : البينات الحلال والحرام.
ثم الرسل أنفسهم(٢) حجج فلم يحتج [ كل قول يقولون إلى أن يكون مصحوبا ](٣) بدليل وبيان على صدقهم لأنهم أنفسهم حجة. وأما سائر الناس فليسوا بحجج، فلا بد لكل قول يقولون أن يأتوا بدليل يدل على صدقهم وبيان يظهر الحق من الباطل والصواب من الخطإ والصدق من الكذب، وبالله التوفيق.
[ وقوله :﴿وأيدناه بروح القدس﴾ ؛ قوله :﴿وأيدناه﴾ وقويناه. واختلف في قوله :﴿بروح القدس﴾ ](٤) قيل : روح القدس : جبريل. في الأصل : القدوس، لكن طرحت الواو [ والتضعيف ](٥) للتخفيف. وتأييده، هو أن عصمه على حفظه حتى لم يدن منه شيطان فضلا أن يدنو لشيء(٦) والله أعلم.
وقيل :﴿وأيدناه بروح القدس﴾ يعني بالروح روح الله. ووجه إضافة روح عيسى إلى الله عليه السلام [ تعظيما له وتخصيصا ](٧) وذلك أن كل خاص أضيف(٨) إلى الله تعالى [ أضيف ](٩) تعظيما لذلك الشيء وتفضيلا كما يقال لموسى : كليم الله ولعيسى : روح الله ولإبراهيم : خليل الله على التعظيم والتفضيل. وإذا أضيف الحمل إلى الله عز وجل فإنما يضاف تعظيما له عز وجل كقوله :﴿رب السماوات والأرض﴾ [ الرعد : ١٦ و. . . ] ؛ أضيف [ ذلك إليه تعظيما وتنزيها، والله الموفق.
والأصل في ذلك أن خاصية الأشياء إذا أضيف ذلك إليه أضيف تعظيما لتلك الخاصية، وإذا أضيف ](١٠) حمل الأشياء إلى الله فهو يخرج على تعظيم الرب تعالى والتبجيل له.
وقوله :﴿أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم ففريقا كذبتم وفريقا تقتلون﴾ في ظاهر هذه الآية أنهم كذبوا فريقا من الرسل، وقتلوا فريقا منهم. ويقول بعض الناس : إنهم قتلوا الأنبياء، ولم يقتلوا الرسل بقوله :﴿إنا لننصر رسلنا﴾ [غافر: ٥١] وبقوله :﴿إنهم لهم المنصورون﴾ [الصافات: ١٧٢] ؛ أخبر أنه ينصرهم، ومن كان الله ناصره فهو لا يقتل، [ منهم ](١١) من يقول : إنهم قتلوا الرسل والأنبياء ؛ فنقول : يحتمل قوله :﴿إنا لننصر رسلنا﴾ في رسول دون رسول، فمن نصره الله فهو لم يقتل، أو كان ما ذكر من النصرة لهم كان بالحجج في الآيات.
ثم في الآية، دلالة رسالة محمد [ عليه أفضل الصلوات وأكمل التحيات ](١٢) ونبوته لأنه(١٣) أخبرهم بتكذيب بعض الرسل وقتل بعضهم، فسكتوا عن ذلك. فلولا عرفوا أنه رسول، عرف ذلك بالله تعالى، وإلا لم يسكتوا عن ذلك.
١ - في النسخ الثلاث: رسول الله..
٢ - في ط م: في أنفسهم، في الأصل و ط ع: في أنفسهم حفظوا..
٣ - من ط م، في الأصل و ط ع: إلى كل قول يقولون بدليل..
٤ - في ط م والأصل: (وأيدناه) قويناه (بروح القدس) اختلف فيه، في ط ع: (وأيدناه بروح القدس) وقوله: (وأيدناه) قويناه، واختلف في قوله: (بروح القدس)..
٥ - ساقطة من النسخ الثلاث..
٦ - من ط م، في الأصل و ط ع: بشيء..
٧ - في ط م: أن تكون أضيفت تعظيما له وتفضيلا..
٨ - من ط م، في الأصل و ط ع: يضيف..
٩ - من ط م..
١٠ - من ط م..
١١ - من ط م..
١٢ - في ط م: صلى الله عليه وسلم..
١٣ - من ط م، في الأصل و ط ع: لأنهم..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى