الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿إِن كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الآخِرَةُ عِندَ اللَّهِ خَالِصَةً﴾ : شَرْطٌ جوابُه :" فَتَمَنَّوُا " و " الدارُ " اسمُ كان وهي الجنةُ. والأَوْلَى أن يُقَدَّر حَذْفُ مضافٍ، أي : نَعيمُ الدارِ، لأنَّ الدارَ الآخِرةَ في الحقيقةِ هي انقضاءُ الدنيا وهي للفريقَيْن. واختلفوا في خبر " كان " على ثلاثةِ أقوالٍ، أحدُها : أنه " خالصةً " فتكون " عند " ظرفاً لخالصةً أو للاستقرار الذي في " لكم "، ويجوزُ أن تكونَ حالاً مِن " الدار " والعاملُ فيه " كان " أو الاستقرارُ. وأمَّا " لكم " فيتعلَّقُ بكان لأنها تعملُ في الظرفِ وشِبْهِه. قال أبو البقاء " ويجوز أن تكونَ للتبيينِ فيكونَ موضعُها بعد " خالصةً " أي خالصةً لكم فَتَتَعَلَّقَ بنفسِ " خالصةً ". وهذا فيه نظرٌ، لأنه متى كانت للبيانِ تعلَّقَتْ بمحذوفٍ تقديرُه : أعني لكم نحو : سُقْياً لك، تقديرُه : أعني بهذا الدعاءِ لك. وقد صَرَّح غيرُه في هذا الموضعِ بأنها للبيانِ وأنها متعلقةٌ حينئذٍ بمحذوف كما ذكرت. ويجوز أَنْ يكونَ صفةً ل " خالصةً " في الأصل قُدِّم عليها فصار حالاً منها فيتعلَّقَ بمحذوفٍ.
الثاني : أنَّ الخبر " لكم " فيتعلَّقُ بمحذوفٍ ويُنْصَبُ " خالصةً " حينئذٍ على الحالِ، والعاملُ فيها : إمَّا " كان " أو الاستقرارُ في " لكم " و " عند " منصوبٌ بالاستقرارِ أيضاً.
الثالث : أنَّ الخبرَ هو الظَرْفُ، و " خالصةً " حالٌ أيضاً، والعاملُ فيها : إمَّا " كانَ " أو الاسقرارُ، وكذلك " لكم ". وقد مَنَعَ من هذا الوجهِ قومٌ فقالوا :" لا يجوزُ أن يكونَ الظرفُ خبراً لأنَّ الكلامَ لا يَسْتَقِلُّ به ". وجَوَّزَ ذلك المهدوي وابنُ عطية وأبو البقاء. واستشعر أبو البقاء هذا الإِشكالَ وأجاب عنه فإنه قال :" وسَوَّغَ أن يكونَ " عند " خبرَ كان " لكم "، يعني لفظَ " لكم " سَوَّغَ وقوعَ " عند " خبراً، إذ كان فيه تخصيصٌ وتَبْيينٌ، ونظيرُه قولُه :﴿وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٤]، لولا " له " لم يَصِحَّ أن يكونَ " كفواً " خبراً. و ﴿مِّن دُونِ النَّاسِ﴾ في محلِّ النصبِ ب " خالصةً " لأنَّك تقولُ :" خَلُصَ كذا مِنْ كذا ".
وقرأ الجمهورُ :" َتَمَنَّوُا الموتَ " بضمِّ الواو، ويُرْوَى عن أبي عمرو فتحُها تخفيفاً، واختلاسُ الضمة. وقرأ ابن أبي إسحاق بكسرها على التقاء الساكنين تشبيهاً بواو " لَوِ استطعنا ". و " إنْ كنتم " كقوله :﴿إِن كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ﴾ وقد تقدَّمَ.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى