البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي
عن الكتاب
الخالص : الذي لا يشوبه شيء، يقال : خلص يخلص خلوصاً.
تمنى : تفعل من المنية، وهو الشيء المشتهى، وقد يكون المتمنى باللسان بمعنى : التلاوة، ومنه : تمنى على زيد منه حاجة،
﴿قل إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله خالصة﴾ : نزلت فيما حكاه ابن الجوزي عندما قالت اليهود : إن الله لم يخلق الجنة إلا لإسرائيل وبنيه.
وقال أبو العالية والربيع : سبب نزول هاتين الآيتين قولهم :﴿لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً﴾ و ﴿نحن أبناء الله﴾ و ﴿لن تمسنا النار﴾ الآيات، وروي مثله عن قتادة.
والضمير في قل، إما للنبي ﷺ، وإما لمن ينبغي إقامة الحجة عليهم منه ومن غيره.
وفسروا الدار الآخرة بالجنة، قالوا : وذلك معهود في إطلاقها على الجنة.
قال تعالى :﴿تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوًّا في الأرض ولا فساداً﴾ ومعلوم أن ما يجعل لهؤلاء هو الجنة، ﴿وللدار الآخرة خير للذين يتقون﴾ والأحسن أن يكون ذلك على حذف مضاف دل عليه المعنى، أي نعيم الدار الآخرة وحظوتها وخيرها، لأن الدار الآخرة هي موضع الإقامة بعد انقضاء الدنيا.
وسميت آخرة لأنها متأخرة عن الدنيا، أو هي آخر ما يسكن.
وقد تقدم الكلام على ذلك في قوله :﴿وهم بالآخرة هم يوقنون﴾ ومعنى : عند الله، أي في حكم الله، كقوله تعالى :﴿فأولئك عند الله﴾ أي في حكمه ﴿هم الفاسقون﴾ وقيل : المراد بالعندية هنا : المكانة والمرتبة والشرف، لا المكان.
ومعنى خالصة : أي مختصة بكم، لا حظ في نعيمها لغيركم.
واختلفوا في إعراب خالصة، فقيل : نصب على الحال، ولم يحك الزمخشري غيره، فيكون لكم إذ ذاك خبر كانت، ويكون العامل في الحال هو العامل في المجرور، ولا يجوز أن يكون الظرف إذ ذاك الخبر، لأنه لا يستقل معنى الكلام به وحده.
وقد وهم في ذلك المهدوي وابن عطية، إذ قالا : ويجوز أن يكون نصب خالصة على الحال، وعند الله خبر كان.
وقيل : انتصاب خالصة على أنه خبر كان، فيجوز في لكم أن يتعلق بكانت، لأن كان يتعلق بها حرف الجر، ويجوز أن يتعلق بخالصة.
ويجوز أن تكون للتبين، فيتعلق بمحذوف تقديره : لكم، أعني نحو قولهم :﴿سقياً لك﴾ إذ تقديره : لك أدعو.
﴿من دون الناس﴾ : متعلق بخالصة، ودون هنا لفظ يستعمل للاختصاص، وقطع الشركة.
تقول : هذا ولي دونك، وأنت تريد لا حق فيه لك معي ولا نصيب.
وفي غير هذا المكان يأتي لمعنى الانتقاص في المنزلة أو المكان أو المقدار.
والمراد بالناس : الجنس، وهو الظاهر لدلالة اللفظ وقوله : خالصة.
وقيل : المراد النبي ﷺ والمسلمون.
وقيل : المراد به النبي ﷺ، قاله ابن عباس : قالوا، ويطلق الناس، ويراد به الرجل الواحد، وهذا لا يكون إلا على مجاز وتنزيل الرجل الواحد منزلة الجماعة.
﴿فتمنوا الموت﴾ : أي سلوه باللسان فقط، وإن لم يكن بالقلب، قاله ابن عباس.
أو تمنوه بقلوبكم واسألوه بألسنتكم، قاله قوم.
أو فسلوه بقلوبكم على أردإ الحزبين من المؤمنين أومنهم.
وروي عن ابن عباس وغيره، وقرأ الجمهور : فتمنوا الموت، بضم الواو، وهي اللغة المشهورة في مثل : اخشوا القوم.
ويجوز الكسر تشبيهاً لهذه الواو بواو : ولو استطعنا، كما شبهوا واو لو بواو اخشوا، فضموا، فقالوا : لو استطعنا.
وقرأ ابن أبي إسحاق : فتمنوا الموت بالكسر، وحكى أبو علي الحسن بن إبراهيم بن يزداد، عن أبي عمرو، أنه قرأ : فتمنوا الموت، بفتح الواو، وحركها بالفتح طلباً للتخفيف، لأن الضمة والكسرة في الواو يثقلان.
وحكى أيضاً عن أبي عمرو : واختلاس ضمة الواو.
﴿وإن كنتم صادقين﴾ في دعواكم أن الجنة لكم دون غيركم.
وجواب الشرط محذوف، أي فتمنوا الموت.
وعلق تمنيهم على شرط مفقود، وهو كونهم صادقين، وليسوا بصادقين في أن الجنة خالصة لهم دون الناس، فلا يقع التمني : والمقصود من ذلك التحدي وإظهار كذبهم، وذلك أن من أيقن أنه من أهل الجنة، اختار أن ينتقل إليها، وأن يخلص من المقام في دار الأكدار، وأن يصل إلى دار القرار.
كما روي عمن شهد له رسول الله ﷺ بالجنة، كعثمان، وعليّ، وعمار، وحذيفة، أنهم كانوا يختارون الموت، وكذلك الصحابة كانت تختار الشهادة.
وفي الحديث الصحيح أنه قال ﷺ :« ليتني أحيا ثم أقتل ثم أحيا فأقتل » لما علم من فضل الشهادة.
وقال، لما بلغه قتل من قتل ببئر معونة :« يا ليتني غودرت معهم في لحف الجبل » وروي عن حذيفة أنه كان يتمنى الموت، فلما احتضر قال : حبيب جاء على فاقة.
وعن عمار، لما كان بصفين قال : غداً نلقى الأحبة، محمداً وصحبه.
وعن عليّ أنه كان يطوف بين الصفين بغلالة، فقال له ابنه الحسن : ما هذا بزيّ المحاربين، فقال : يا بنيّ لا يبالي أبوك، أعلى الموت سقط، أم عليه سقط الموت.
وكان عبد الله بن رواحة ينشد، وهو يقاتل الروم :
والروم روم قد دنا عذابها***
وفي قصتي قتل عثمان وسعيد بن جبير ما يدل على اختيارهما الشهادة، وذلك أن عثمان جاءه جماعة من الصحابة فقالوا له : نقاتل عنك ؟ فقال لهم : لا، وكان له قريب من ألف عبد، فشهروا سيوفهم لما هجم عليهم، فقال : من أغمد سيفه فهو حرّ.
فصبر حتى قتل.
وأما سعيد، فإن الموكلين به، لما طلبه الحجاج، لما شاهدوا من لياذ السباع به وتمسحها به، قالوا : لا ندخل في إراقة دم هذا الرجل الصالح، قالوا له : طلبك ليقتلك، فاذهب حيث شئت، ونحن نكون فداء.
فقال : لا والله، إني سألت ربي الشهادة، وقد رزقنيها، والله لا برحت.
وروي عن النبي، ﷺ :« لو تمنوا الموت لغص كل إنسان بريقه فمات مكانه وما بقي على وجه الأرض يهودي » وذلك أن الله أمر نبيه أن يدعوهم إلى تمني الموت، وأن يعلمهم أنه من تمناه منهم مات.
ففعل النبي ﷺ ذلك، فعلم اليهود صدقه، فأحجموا عن تمنيه فرقاً من الله.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وقد تضمنت هذه الآيات الكريمة الامتنان على بني إسرائيل وتذكارهم بنعم الله، إذ آتى موسى التوراة المشتملة على الهدى والنور، ووالى بعده بالرسل لتجديد دين الله وشرائعه، وآتى عيسى الأمور الخارقة، من إحياء الأموات، وإبراء الأكمة والأبرص، وإيجاد المخلوق، ونفخ الروح فيه، والإنباء بالمغيبات، وغير ذلك.
وأيده بمن ينزل الوحي على يديه، وهو جبريل عليه السلام.
ثم مع هذه المعجزات والنعم كانوا أبعد الناس عن قبول ما يأتيهم من عند الله، وكانوا بحيث إذا جاءهم رسول بما لا يوافقهم، بادروا إلى تكذيبه، أو قتلوه، وهم غير مكترثين بما يصدر منهم من الجرائم، حتى حكي أنهم في أثر قتلهم الجماعة من الأنبياء، تقوم سوق البقل بينهم، التي هي أرذل الأسواق، فكيف بالأسواق التي تباع فيها الأشياء النفيسة ؟ ثم نعى تعالى عليهم أنهم باقون على تلك العادة من تكذيب ما جاء من عند الله، وإن كانوا قبل مجيئه به يذكرون أنه يأتيهم من عند الله.
فحين وافاهم ما كانوا ينتظرونه ويعرفونه، كفروا به، فختم الله عليهم باللعنة.
وأن سبب طردهم عن رحمة الله هو ما سبق من كفرهم، وأن إيمانهم كان قليلاً، إذ كانوا قبل مجيء الكتاب يؤمنون بأنه سيأتي كتاب.
ثم أخذ في ذكر ذمهم، أن باعوا أنفسهم النفيسة بما يترتب لهم على كفرهم بآيات الله من المآكل والرّياسات المنقضية في الزمن اليسير، وأن الحامل على ذلك هو البغي والحسد، لأن اختص الله بفضله من شاء من عباده، فلم يرضوا بحكمه ولا باختياره، فباءُوا بالغضب من الله، وأعد لهم في الآخرة العذاب الذي يذلهم ويهينهم.
إذ كان امتناعهم من الإيمان، إنما هو للتكبر والحسد وعدم الرّضا بالقدر، فناسب ذلك أن يعذبوا العذاب الذي فيه صغار لهم وذلة وإهانة.
ثم أخبر تعالى عنهم، أنهم إذا عرض عليهم الإيمان بما أنزل الله، أجابوا أنهم يؤمنون بالتوراة، وأنهم يكفروا بما سواها.
هذا والكتب المنزلة من عند الله سواء، إذ كلها حق يصدق بعضها بعضاً.
فالكفر ببعضها كفر بجميعها.
ثم أخبر تعالى بكذبهم في قولهم :﴿نؤمن بما أنزل علينا﴾، وذلك بأنهم قتلوا الأنبياء، والتوراة ناطقة باتباع الأنبياء والاقتداء بهم، فقد خالف قولهم فعلهم.
ثم كرر عليهم، توبيخاً لهم، أن موسى الذي أنزل عليه التوراة، وأنهم يزعمون أنهم آمنوا بها، قد جاءهم بالأشياء الواضحة والمعجزات الخارقة، من نجاتهم من فرعون، وفلق البحر وغير ذلك، ومع ذلك، اتخذوا من بعد ذهابه إلى مناجاة ربه إلهاً من أبعد الحيوان ذهناً وأبلدها، وهو العجل المصنوع من حليهم، المشاهد إنشاؤه وعمله، وموسى لم يمت بعد، وكتاب الله طري نزوله عليهم، لم يتقادم عهده.
وكرر تعالى ذكر رفع الطور عليهم ليقبلوا ما في التوراة، وأمروا بالسمع والطاعة، فأجابوا بالعصيان.
هذا وهم ملجئون إلى الإيمان، أو كالملجئين، لأن مثل هذا المزعج العظيم من رفع جبل عليهم ليشدخوا به جدير بأن يأتي الإنسان ما أمر به، ويقبل ما كلف به من التكاليف.
وتأبيهم لذلك، وعدم قبولهم، سببه أن عبادة العجل خامرت قلوبهم ومازجتها، حتى لم تسمع قبولاً لشيء من الحق، والقلب إذا امتلأ بحب شيء لم يسمع سواه ولم يصغ إلى ملام، وأنشدوا :
ثم ذمهم تعالى على ما أمرهم به إيمانهم، ولا إيمان لهم حقيقة، بل نسب ذلك إليهم، على سبيل التهكم من عبادة العجل واتخاذه إلهاً من دون الله.
ثم كذبهم في دعواهم أن الجنة هي خالصة لهم، لا يدخلها أحد سواهم، فأمرهم بتمني الموت، لأن من اعتقد أنه يصير إلى سرور وحبور ولذة دائمة لا تنقضي، يؤثر الوصول إلى ذلك، وانقضاء ما هو فيه من الذلة والنكد.
وأخبر تعالى أن تمني الموت لا يقع منهم أبداً، وأن امتناعهم من ذلك هو بما قدّمت أيديهم من الجرائم، فظهر كذبهم في دعواهم بأنهم أهل الجنة.
ثم أخبر ترشيحاً لما قبله من عدم تمنيهم الموت، أنهم أشدّ الناس حرصاً على حياة، حتى أنهم أحرص من الذين لا يؤمنون بالدار الآخرة، ولا يرجون ثواباً، ولا يخافون عقاباً.
ثم ذكر أن أحدهم يودّ أن يعمر ألف سنة، ومع ذلك فتعميره، وإن طال، ليس بمنجيه من عذاب الله.
ثم ختم الآيات بأن الله تعالى مطلع على قبائح أفعالهم، ومجازيهم عليها.
وتبين بمجموع هذه الآيات ما جبل عليه اليهود من فرط كذبهم، وتناقض أفعالهم وأقوالهم، ونقص عقولهم، وكثرة بهتهم، أعاذنا الله من ذلك، وسلك بنا أنهج المسالك.
تمنى : تفعل من المنية، وهو الشيء المشتهى، وقد يكون المتمنى باللسان بمعنى : التلاوة، ومنه : تمنى على زيد منه حاجة،
﴿قل إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله خالصة﴾ : نزلت فيما حكاه ابن الجوزي عندما قالت اليهود : إن الله لم يخلق الجنة إلا لإسرائيل وبنيه.
وقال أبو العالية والربيع : سبب نزول هاتين الآيتين قولهم :﴿لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً﴾ و ﴿نحن أبناء الله﴾ و ﴿لن تمسنا النار﴾ الآيات، وروي مثله عن قتادة.
والضمير في قل، إما للنبي ﷺ، وإما لمن ينبغي إقامة الحجة عليهم منه ومن غيره.
وفسروا الدار الآخرة بالجنة، قالوا : وذلك معهود في إطلاقها على الجنة.
قال تعالى :﴿تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوًّا في الأرض ولا فساداً﴾ ومعلوم أن ما يجعل لهؤلاء هو الجنة، ﴿وللدار الآخرة خير للذين يتقون﴾ والأحسن أن يكون ذلك على حذف مضاف دل عليه المعنى، أي نعيم الدار الآخرة وحظوتها وخيرها، لأن الدار الآخرة هي موضع الإقامة بعد انقضاء الدنيا.
وسميت آخرة لأنها متأخرة عن الدنيا، أو هي آخر ما يسكن.
وقد تقدم الكلام على ذلك في قوله :﴿وهم بالآخرة هم يوقنون﴾ ومعنى : عند الله، أي في حكم الله، كقوله تعالى :﴿فأولئك عند الله﴾ أي في حكمه ﴿هم الفاسقون﴾ وقيل : المراد بالعندية هنا : المكانة والمرتبة والشرف، لا المكان.
ومعنى خالصة : أي مختصة بكم، لا حظ في نعيمها لغيركم.
واختلفوا في إعراب خالصة، فقيل : نصب على الحال، ولم يحك الزمخشري غيره، فيكون لكم إذ ذاك خبر كانت، ويكون العامل في الحال هو العامل في المجرور، ولا يجوز أن يكون الظرف إذ ذاك الخبر، لأنه لا يستقل معنى الكلام به وحده.
وقد وهم في ذلك المهدوي وابن عطية، إذ قالا : ويجوز أن يكون نصب خالصة على الحال، وعند الله خبر كان.
وقيل : انتصاب خالصة على أنه خبر كان، فيجوز في لكم أن يتعلق بكانت، لأن كان يتعلق بها حرف الجر، ويجوز أن يتعلق بخالصة.
ويجوز أن تكون للتبين، فيتعلق بمحذوف تقديره : لكم، أعني نحو قولهم :﴿سقياً لك﴾ إذ تقديره : لك أدعو.
﴿من دون الناس﴾ : متعلق بخالصة، ودون هنا لفظ يستعمل للاختصاص، وقطع الشركة.
تقول : هذا ولي دونك، وأنت تريد لا حق فيه لك معي ولا نصيب.
وفي غير هذا المكان يأتي لمعنى الانتقاص في المنزلة أو المكان أو المقدار.
والمراد بالناس : الجنس، وهو الظاهر لدلالة اللفظ وقوله : خالصة.
وقيل : المراد النبي ﷺ والمسلمون.
وقيل : المراد به النبي ﷺ، قاله ابن عباس : قالوا، ويطلق الناس، ويراد به الرجل الواحد، وهذا لا يكون إلا على مجاز وتنزيل الرجل الواحد منزلة الجماعة.
﴿فتمنوا الموت﴾ : أي سلوه باللسان فقط، وإن لم يكن بالقلب، قاله ابن عباس.
أو تمنوه بقلوبكم واسألوه بألسنتكم، قاله قوم.
أو فسلوه بقلوبكم على أردإ الحزبين من المؤمنين أومنهم.
وروي عن ابن عباس وغيره، وقرأ الجمهور : فتمنوا الموت، بضم الواو، وهي اللغة المشهورة في مثل : اخشوا القوم.
ويجوز الكسر تشبيهاً لهذه الواو بواو : ولو استطعنا، كما شبهوا واو لو بواو اخشوا، فضموا، فقالوا : لو استطعنا.
وقرأ ابن أبي إسحاق : فتمنوا الموت بالكسر، وحكى أبو علي الحسن بن إبراهيم بن يزداد، عن أبي عمرو، أنه قرأ : فتمنوا الموت، بفتح الواو، وحركها بالفتح طلباً للتخفيف، لأن الضمة والكسرة في الواو يثقلان.
وحكى أيضاً عن أبي عمرو : واختلاس ضمة الواو.
﴿وإن كنتم صادقين﴾ في دعواكم أن الجنة لكم دون غيركم.
وجواب الشرط محذوف، أي فتمنوا الموت.
وعلق تمنيهم على شرط مفقود، وهو كونهم صادقين، وليسوا بصادقين في أن الجنة خالصة لهم دون الناس، فلا يقع التمني : والمقصود من ذلك التحدي وإظهار كذبهم، وذلك أن من أيقن أنه من أهل الجنة، اختار أن ينتقل إليها، وأن يخلص من المقام في دار الأكدار، وأن يصل إلى دار القرار.
كما روي عمن شهد له رسول الله ﷺ بالجنة، كعثمان، وعليّ، وعمار، وحذيفة، أنهم كانوا يختارون الموت، وكذلك الصحابة كانت تختار الشهادة.
وفي الحديث الصحيح أنه قال ﷺ :« ليتني أحيا ثم أقتل ثم أحيا فأقتل » لما علم من فضل الشهادة.
وقال، لما بلغه قتل من قتل ببئر معونة :« يا ليتني غودرت معهم في لحف الجبل » وروي عن حذيفة أنه كان يتمنى الموت، فلما احتضر قال : حبيب جاء على فاقة.
وعن عمار، لما كان بصفين قال : غداً نلقى الأحبة، محمداً وصحبه.
وعن عليّ أنه كان يطوف بين الصفين بغلالة، فقال له ابنه الحسن : ما هذا بزيّ المحاربين، فقال : يا بنيّ لا يبالي أبوك، أعلى الموت سقط، أم عليه سقط الموت.
وكان عبد الله بن رواحة ينشد، وهو يقاتل الروم :
| يا حبذا الجنة واقترابها | طيبة وبارد شرابها |
وفي قصتي قتل عثمان وسعيد بن جبير ما يدل على اختيارهما الشهادة، وذلك أن عثمان جاءه جماعة من الصحابة فقالوا له : نقاتل عنك ؟ فقال لهم : لا، وكان له قريب من ألف عبد، فشهروا سيوفهم لما هجم عليهم، فقال : من أغمد سيفه فهو حرّ.
فصبر حتى قتل.
وأما سعيد، فإن الموكلين به، لما طلبه الحجاج، لما شاهدوا من لياذ السباع به وتمسحها به، قالوا : لا ندخل في إراقة دم هذا الرجل الصالح، قالوا له : طلبك ليقتلك، فاذهب حيث شئت، ونحن نكون فداء.
فقال : لا والله، إني سألت ربي الشهادة، وقد رزقنيها، والله لا برحت.
وروي عن النبي، ﷺ :« لو تمنوا الموت لغص كل إنسان بريقه فمات مكانه وما بقي على وجه الأرض يهودي » وذلك أن الله أمر نبيه أن يدعوهم إلى تمني الموت، وأن يعلمهم أنه من تمناه منهم مات.
ففعل النبي ﷺ ذلك، فعلم اليهود صدقه، فأحجموا عن تمنيه فرقاً من الله.
وأيده بمن ينزل الوحي على يديه، وهو جبريل عليه السلام.
ثم مع هذه المعجزات والنعم كانوا أبعد الناس عن قبول ما يأتيهم من عند الله، وكانوا بحيث إذا جاءهم رسول بما لا يوافقهم، بادروا إلى تكذيبه، أو قتلوه، وهم غير مكترثين بما يصدر منهم من الجرائم، حتى حكي أنهم في أثر قتلهم الجماعة من الأنبياء، تقوم سوق البقل بينهم، التي هي أرذل الأسواق، فكيف بالأسواق التي تباع فيها الأشياء النفيسة ؟ ثم نعى تعالى عليهم أنهم باقون على تلك العادة من تكذيب ما جاء من عند الله، وإن كانوا قبل مجيئه به يذكرون أنه يأتيهم من عند الله.
فحين وافاهم ما كانوا ينتظرونه ويعرفونه، كفروا به، فختم الله عليهم باللعنة.
وأن سبب طردهم عن رحمة الله هو ما سبق من كفرهم، وأن إيمانهم كان قليلاً، إذ كانوا قبل مجيء الكتاب يؤمنون بأنه سيأتي كتاب.
ثم أخذ في ذكر ذمهم، أن باعوا أنفسهم النفيسة بما يترتب لهم على كفرهم بآيات الله من المآكل والرّياسات المنقضية في الزمن اليسير، وأن الحامل على ذلك هو البغي والحسد، لأن اختص الله بفضله من شاء من عباده، فلم يرضوا بحكمه ولا باختياره، فباءُوا بالغضب من الله، وأعد لهم في الآخرة العذاب الذي يذلهم ويهينهم.
إذ كان امتناعهم من الإيمان، إنما هو للتكبر والحسد وعدم الرّضا بالقدر، فناسب ذلك أن يعذبوا العذاب الذي فيه صغار لهم وذلة وإهانة.
ثم أخبر تعالى عنهم، أنهم إذا عرض عليهم الإيمان بما أنزل الله، أجابوا أنهم يؤمنون بالتوراة، وأنهم يكفروا بما سواها.
هذا والكتب المنزلة من عند الله سواء، إذ كلها حق يصدق بعضها بعضاً.
فالكفر ببعضها كفر بجميعها.
ثم أخبر تعالى بكذبهم في قولهم :﴿نؤمن بما أنزل علينا﴾، وذلك بأنهم قتلوا الأنبياء، والتوراة ناطقة باتباع الأنبياء والاقتداء بهم، فقد خالف قولهم فعلهم.
ثم كرر عليهم، توبيخاً لهم، أن موسى الذي أنزل عليه التوراة، وأنهم يزعمون أنهم آمنوا بها، قد جاءهم بالأشياء الواضحة والمعجزات الخارقة، من نجاتهم من فرعون، وفلق البحر وغير ذلك، ومع ذلك، اتخذوا من بعد ذهابه إلى مناجاة ربه إلهاً من أبعد الحيوان ذهناً وأبلدها، وهو العجل المصنوع من حليهم، المشاهد إنشاؤه وعمله، وموسى لم يمت بعد، وكتاب الله طري نزوله عليهم، لم يتقادم عهده.
وكرر تعالى ذكر رفع الطور عليهم ليقبلوا ما في التوراة، وأمروا بالسمع والطاعة، فأجابوا بالعصيان.
هذا وهم ملجئون إلى الإيمان، أو كالملجئين، لأن مثل هذا المزعج العظيم من رفع جبل عليهم ليشدخوا به جدير بأن يأتي الإنسان ما أمر به، ويقبل ما كلف به من التكاليف.
وتأبيهم لذلك، وعدم قبولهم، سببه أن عبادة العجل خامرت قلوبهم ومازجتها، حتى لم تسمع قبولاً لشيء من الحق، والقلب إذا امتلأ بحب شيء لم يسمع سواه ولم يصغ إلى ملام، وأنشدوا :
| ملأت ببعض حبك كل قلبي | فإن ترد الزيادة هات قلبا |
ثم كذبهم في دعواهم أن الجنة هي خالصة لهم، لا يدخلها أحد سواهم، فأمرهم بتمني الموت، لأن من اعتقد أنه يصير إلى سرور وحبور ولذة دائمة لا تنقضي، يؤثر الوصول إلى ذلك، وانقضاء ما هو فيه من الذلة والنكد.
وأخبر تعالى أن تمني الموت لا يقع منهم أبداً، وأن امتناعهم من ذلك هو بما قدّمت أيديهم من الجرائم، فظهر كذبهم في دعواهم بأنهم أهل الجنة.
ثم أخبر ترشيحاً لما قبله من عدم تمنيهم الموت، أنهم أشدّ الناس حرصاً على حياة، حتى أنهم أحرص من الذين لا يؤمنون بالدار الآخرة، ولا يرجون ثواباً، ولا يخافون عقاباً.
ثم ذكر أن أحدهم يودّ أن يعمر ألف سنة، ومع ذلك فتعميره، وإن طال، ليس بمنجيه من عذاب الله.
ثم ختم الآيات بأن الله تعالى مطلع على قبائح أفعالهم، ومجازيهم عليها.
وتبين بمجموع هذه الآيات ما جبل عليه اليهود من فرط كذبهم، وتناقض أفعالهم وأقوالهم، ونقص عقولهم، وكثرة بهتهم، أعاذنا الله من ذلك، وسلك بنا أنهج المسالك.