فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني

عن الكتاب
وقوله :﴿قُلْ إِن كَانَتْ لَكُمُ الدار الأخرة﴾ هو ردٌّ عليهم لما ادّعوا أنهم يدخلون الجنة، ولا يشاركهم في دخولها غيرهم، وإلزام لهم بما يتبين به أنهم كاذبون في تلك الدعوى، وأنها صادرة منهم لا عن برهان، و ﴿خَالِصَةٌ﴾ منصوب على الحال، ويكون خبر كان هو عند الله، أو يكون خبر كان هو خالصة، ومعنى الخلوص أنه لا يشاركهم فيها غيرهم، إذا كانت اللام في قوله :﴿من دُونِ الناس﴾ للجنس، أو لا يشاركهم فيها المسلمون، إن كانت اللام للعهد.
وهذا أرجح لقولهم في الآية الأخرى :﴿وَقَالُوا لَن يَدْخُلَ الجنة إِلاَّ مَن كَانَ هُودًا أَوْ نصارى﴾ [البقرة: ١١١] وإنما أمرهم بتمني الموت ؛ لأن من اعتقد أنه من أهل الجنة كان الموت أحب إليه من الحياة، ولما كان ذلك منهم مجرد دعوى أحجموا. ولهذا قال سبحانه :﴿وَلَن يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا﴾
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج عبد الرزاق، وابن جرير، عن قتادة في قوله :﴿وَأُشْرِبُوا فِى قُلُوبِهِمُ العجل﴾ قال : أشربوا حبه حتى خلص ذلك إلى قلوبهم. وأخرج ابن جرير، عن أبي العالية، أن اليهود لما قالوا :﴿لَن يَدْخُلَ الجنة إِلاَّ مَن كَانَ هُودًا أَوْ نصارى﴾ [البقرة: ١١١]، نزل قوله تعالى :﴿قُلْ إِن كَانَتْ لَكُمُ الدار الاخرة﴾ الآية. وأخرج ابن جرير، مثله عن قتادة. وأخرج البيهقي، في الدلائل عن ابن عباس، أن قوله :﴿خَالِصَةً من دُونِ الناس﴾ يعني المؤمنين :﴿فَتَمَنَّوا الموت﴾ فقال لهم رسول الله :" إن كنتم في مقالتكم صادقين، فقولوا :" اللهم أمتنا "، فوالذي نفسي بيده لا يقولها رجل منكم إلا غصّ بريقه، فمات مكانه " وأخرج ابن إسحاق، وابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله :﴿فَتَمَنَّوا الموت﴾ أي : ادعوا بالموت على أيّ الفريقين أكذب، فأبوا ذلك، ولو تمنوه يوم قال ذلك ما بقي على الأرض يهوديّ إلا مات. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر وأبو نعيم عنه قال :«لو تمنى اليهود الموت لماتوا». وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عنه نحوه. وأخرج البخاري، وغيره من حديثه مرفوعاً :«لو أن اليهود تمنوا لماتوا، ولرأوا مقاعدهم من النار». وأخرج ابن أبي حاتم، والحاكم وصححه عنه في قوله :﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ الناس على حياة﴾ قال اليهود :﴿وَمِنَ الذين أَشْرَكُوا﴾ قال : وذلك أن المشركين لا يرجون بعثاً بعد الموت، فهو يحب طول الحياة، وأن اليهودي قد عرف ماله من الخزي بما ضيع ما عنده من العلم :﴿وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ﴾ قال : بمنحيه. وأخرج سعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، والحاكم عنه في قوله :﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ قال : هو قول الأعاجم إذا عطس أحدهم «ده هز ارسال» يعني عش ألف سنة.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى