جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
عن الكتابالقول في تأويل قوله تعالى :
﴿قُلْ مَن كَانَ عَدُوّاً لّجِبْرِيلَ فَإِنّهُ نَزّلَهُ عَلَىَ قَلْبِكَ بإذن اللّهِ مُصَدّقاً لّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَىَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾
أجمع أهل العلم بالتأويل جميعا على أن هذه الآية نزلت جوابا لليهود من بني إسرائيل، إذْ زعموا أن جبريل عدوّ لهم، وأن ميكائيل وليّ لهم. ثم اختلفوا في السبب الذي من أجله قالوا ذلك، فقال بعضهم : إنما كان سبب قيلهم ذلك من أجل مناظرة جرت بينهم وبين رسول الله ﷺ في أمر نبوّته ذكر من قال ذلك :
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا يونس، عن بكير، عن عبد الحميد بن بهرام، عن شهر بن حوشب، عن ابن عباس أنه قال : حضرت عصابة من اليهود رسول الله ﷺ فقالوا : يا أبا القاسم حدثنا عن خلال نسألك عنهنّ لا يعلمهن إلا نبيّ فقال رسول الله ﷺ :«سَلُوا عَمّا شِئْتُمْ، وَلَكِنْ اجْعَلُوا لِي ذِمّةَ اللّهِ وَمَا أخَذَ يَعْقُوبُ على بَنِيهِ لَئِنْ أنا حَدّثْتُكُمْ شَيْئا فَعَرَفْتُمُوهُ لَتُتابِعُنّي على الإسْلامِ ». فقالوا : ذلك لك. فقال رسول الله ﷺ :«سَلُونِي عَمّا شِئْتُمْ » فقالوا : أخبرنا عن أربع خلال نسألك عنهن أخبرنا أيّ الطعام حرّم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة ؟ وأخبرنا كيف ماء المرأة وماء الرجل، وكيف يكون الذكر منه والآنثى ؟ وأخبرنا بهذا النبيّ الأميّ في النوم ومَنْ وليه من الملائكة ؟ فقال رسول الله ﷺ :«عَلَيْكُمْ عَهْدُ اللّهِ لَئِنْ أنا أنْبَأْتُكُمْ لَتُتابعُنّي ». فأعطوه ما شاء من عهد وميثاق، فقال :«نَشَدْتُكُمْ بالّذِي أنْزَلَ التّوْرَاةَ على مُوسَى هَلْ تَعْلَمُونَ أنّ إسْرَائِيلَ مَرِضَ مَرَضا شَدِيدا فَطالَ سَقَمُه مِنْه، فَنَذَرَ نَذْرا لَئِنْ عافاه الله مِنْ سَقَمِهِ لَيُحَرّمَنّ أحَبّ الطّعامِ والشرَابِ إلَيْهِ وكانَ أحَبّ الطّعامِ إلَيْهِ لَحْمُ الإبِلِ ؟ » ( قال أبو جعفر : فيما أَرى ) :«وأحَبّ الشّرَابِ إلَيْهِ ألْبانها » فقالوا : اللهم نعم. فقال رسول الله ﷺ :«أشْهِد الله عَلَيْكُمْ وأنْشُدُكُمْ بِاللّهِ الّذِي لا إلَه إلاّ هُوَ الّذِي أنْزَلَ التّوْرَاةَ على مُوسَى، هَلْ تَعْلَمُونَ أنّ ماءَ الرّجُلِ أبْيَضُ غَلِيظٌ، وأنّ مَاءَ المَرأةِ أصْفَرُ رَقِيقٌ، فَأيّهُما عَلاَ كَانَ لَهُ الوَلَدُ وَالشّبَهُ بإذْنِ اللّهِ، فإذا عَلاَ مَاءُ الرّجُلِ مَاءَ المَرْأَةِ كَانَ الْوَلَدُ ذَكَرا بِاذْنِ اللّهِ وَإِذَا عَلاَ مَاءُ الْمَرَأَةِ مَاءَ الرّجُلِ كَانَ الْوَلَدُ أُنْثَى بِاذْنِ اللّهِ ؟ ». قالوا : اللهم نعم قال :«اللّهُمّ اشْهَدْ ». قال :«وَأنْشُدُكُمْ بالّذِي أنْزَلَ التّوْرَاةَ على مُوسَى، هَلْ تَعْلَمُونَ أنّ هَذَا النّبِيّ الأمي تَنامُ عَيْنَاهُ وَلاَ يَنامُ قَلْبُهُ ؟ ». قالوا : اللهم نعم قال :«اللّهُمّ أشهَدْ ». قالوا : أنت الاَن تحدثنا مَنْ وليك من الملائكة ؟ فعندها نتابعك أو نفارقك. قال :«فَانّ وَلِيّي جِبْرِيلُ، وَلَمْ يَبْعَثِ اللّهُ نَبِيّا قَطّ إِلاّ وَهُوَ وَلِيّهُ ». قالوا : فعندها نفارقك، لو كان وليك سواه من الملائكة تابعناك وصدقناك. قال :«فَمَا يَمْنَعُكُمْ أنْ تُصَدّقُوهُ ؟ » قالوا : إنه عدوّنا. فأنزل الله عزّ وجل : مَنْ كَانَ عَدُوّا لِجِبْرِيلَ فَانّهُ نَزّلَهُ على قَلْبِكَ بِاذْنِ اللّهِ إلى قوله : كأنّهُمْ لا يَعْلَمُونَ. فعندها باءوا بغضب على غضب.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، قال : حدثني محمد بن إسحاق، قال : حدثني عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي الحسين، يعني المكي، عن شهر بن حوشب الأشعري، أن نفرا من اليهود جاءوا رسول الله ﷺ فقالوا : يا محمد أخبرنا عن أربع نسألك عنهن فإن فعلت اتبعناك وصدّقناك وآمنا بك فقال رسول الله ﷺ :«عَلَيْكُمْ بِذَلِكَ عَهْدُ اللّهِ وَمِيثَاقُهُ لَئِنْ أنا أخْبَرْتُكُمْ بِذَلِكَ لَتُصَدّقُنّي » قالوا : نعم. قال :«فاسألُوا عَمّا بَدَا لَكُمْ ». فقالوا : أخبرنا كيف يشبه الولد أمه وإنما النطفة من الرجل ؟ فقال رسول الله ﷺ :«أَنْشُدُكُمْ بِاللّهِ وَبِأيّامِهِ عِنْدَ بَنِي إسْرَائِيلَ هَلْ تَعْلَمُونَ أنّ نُطْفَةَ الرّجُلِ بَيْضَاءُ غَلِيظَةٌ، وَنُطْفَةَ المَرأةِ صَفْرَاءُ رَقِيقَةٌ، فَأيّهُمَا غَلَبَتْ صَاحِبَتها كانَ لَهَا الشّبَهُ ؟ » قالوا : نعم. قالوا : فأخبرنا كيف نومك ؟ قال :«أنْشُدُكُمْ بِاللّهِ وَبِأيّامِهِ عِنْدَ بَنِي إسْرَائِيلَ، هَلْ تَعْلَمُونَ أنّ هَذَا النّبِيّ الأميّ تَنَامُ عَيْنَاهُ وَلاَ يَنَامُ قَلْبُهُ ؟ » قالوا : اللهم نعم. قال :«اللّهُمّ اشْهَدْ » قالوا : أخبرنا أيّ الطعام حرّم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة ؟ قال :«هَلْ تَعْلَمُونَ أنّهُ كَانَ أحَبّ الطّعامِ وَالشّرابِ إلَيْهِ ألْبانُ الإبِلِ ولُحُومِهَا، وأنّهُ اشْتَكَى شَكْوَى فَعافَاهُ اللّهُ مِنْهَا، فَحَرّمَ أحَبّ الطّعامِ وَالشّرَابِ إلَيْهِ شُكْرا لِلّهِ فَحَرّمَ على نَفْسِهِ لُحُومَ الإبِلِ وألْبَانِهَا ؟ » قالوا : اللهم نعم. قالوا : فأخبرنا عن الروح قال :«أنْشَدُكُمْ بالله وبأيّامِهِ عِنْدَ بَنِي إسْرَائِيلَ، هَلْ تَعْلَمُونَ أنّهُ جِبْرِيلُ وَهُوَ الّذِي يأتِينِي ؟ » قالوا : نعم، ولكنه لنا عدوّ، وهو مَلَك إنما يأتي بالشدّة وسفك الدماء، فلولا ذلك اتبعناك. فأنزل الله فيهم :﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوّا لِجِبْرِيلَ فَانّهُ نَزّلَهُ على قَلْبِكَ﴾ إلى قوله :﴿كأنّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : حدثني حجاج، عن ابن جريج، قال : حدثني القاسم بن أبي بزة : أن يهود سألوا النبيّ ﷺ مَنْ صاحبه الذي ينزل عليه بالوحي، فقال :«جِبْرِيل ». قالوا : فإنه لنا عدوّ ولا يأتي إلا بالحرب والشدة والقتال. فَنَزَلَ :﴿مَنْ كَانَ عَدُوّا لِجِبْرِيلَ﴾ الآية.
قال ابن جريج : وقال مجاهد : قالت يهود : يا محمد ما ينزل جبريل إلا بشدة وحرب، وقالوا : إنه لنا عدوّ فنزل :﴿مَنْ كَانَ عَدُوّا لِجِبْرِيلَ﴾ الآية.
وقال آخرون : بل كان سبب قيلهم ذلك من أجل مناظرة جرت بين عمر بن الخطاب رضي الله عنه وبينهم في أمر النبيّ ﷺ. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن المثنى، قال : حدثنا ربعي بن علية، عن داود بن أبي هند، عن الشعبي، قال : نزل عمر الرّوْحَاء، فرأى رجالاً يبتدرون أحجارا يصلّون إليها، فقال : ما هؤلاء ؟ قالوا : يزعمون أن رسول الله ﷺ صلى ههنا. فكره ذلك وقال : إنما رسول الله ﷺ أدركته الصلاة بوادٍ فصلى ثم ارتحل فتركه. ثم أنشأ يحدثهم فقال : كنت أشهد اليهود يوم مِدْرَاسهم فأعجب من التوراة كيف تصدّق الفرقان ومن الفرقان كيف يصدّق التوراة، فبينما أنا عندهم ذات يوم قالوا : يا ابن الخطاب ما من أصحابك أحد أحبّ إلينا منك قلت : ولم ذلك ؟ قالوا : إنك تغشانا وتأتينا. قال : قلت إني آتيكم فأعجب من الفرقان كيف يصدّق التوراة ومن التوراة كيف تصدّق الفرقان قال : ومَرّ رسول الله ﷺ فقالوا : يا ابن الخطاب ذاك صاحبكم فالحق به قال : فقلت لهم عند ذلك : أنشدكم بالله الذي لا إلَه إلا هو وما استرعاكم من حقه واستودعكم من كتابه، أتعلمون أنه رسول الله ؟ قال : فسكتوا. قال : فقال عالمهم وكبيرهم : إنه قد عظّم عليكم فأجيبوه قالوا : أنت عالمنا وسيدنا فأجبه أنت. قال : أما إذْ أنشدتنا به، فإنا نعلم أنه رسول الله. قال : قلت : ويحكم إذا هلكتم. قالوا : إنا لم نهلك. قال : قلت : كيف ذاك وأنتم تعلمون أنه رسول الله ﷺ، ثم لا تتبعونه، ولا تصدقونه ؟ قالوا : إن لنا عدوّا من الملائكة وسِلْما من الملائكة، وإنه قُرِنَ به عدوّنا من الملائكة. قال : قلت : ومن عدوّكم ومن سِلْمُكم ؟ قالوا : عدوّنا جبريل وسلمنا ميكائيل. قال : قلت : وفيم عاديتم جبريل وفيم سالمتم ميكائيل ؟ قالوا : إن جبريل ملك الفظاظة والغلظة والإعسار والتشديد والعذاب ونحو هذا، وإن ميكائيل ملك الرأفة والرحمة والتخفيف ونحو هذا. قال : قلت : وما منزلتهما من ربهما ؟ قالوا : أحدهما عن يمينه والآخر عن يساره، قال : قلت : فوالله الذي لا إلَه إلا هو إنهما والذي بينهما لعدوّ لمن عاداهما وسلم لمن سالمهما، ما ينبغي لجبريل أن يسالم عدوّ ميكائيل، ولا لميكائيل أن يسالم عدوّ جبريل. قال : ثم قمت فاتبعت النبيّ ﷺ، فلحقته وهو خارج من مَخْرَفة لبني فلان فقال لي :«يَا ابْنَ الخَطّابِ أَلاَ أُقْرِئُكَ آياتٍ نَزَلْنَ ؟ » فقرأ علي : قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوّا لِجبْرِيلَ فَانّهُ نَزّلَهُ عَلى قَلْبِكَ بِاذْنِ اللّهِ مُصَدّقا لَمَا بَيْنَ يَدَيْهِ حتى قرأ الآيات. قال : قلت : بأبي أنت وأمي يا رسول الله والذي بعثك بالحقّ لقد جئت وأنا أريد أن أخبرك الخبر فأسمع اللطيف الخبير قد سبقني إليك بالخبر.
حدثني يعقوب، قال : حدثنا إبراهيم، قال : حدثنا ابن علية، عن داود، عن الشعبي، قال : قال عمر : كنت رجلاً أغشى اليهود في يوم مدراسهم ثم ذكر نحو حديث ربعي.
حدثنا بشر بن معاذ، قال : حدثنا يزيد بن زريع، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قال : ذكر لنا أن عمر بن الخطاب انطلق ذات يوم إلى اليهود، فلما أبصروه رحّبوا به، فقال لهم عمر : أما والله ما جئت لحبكم ولا للرغبة فيكم، ولكن جئت لأسمع منكم فسألهم وسألوه، فقالوا : من صاحب صاحبكم ؟ فقال لهم : جبريل. فقالوا : ذاك عدوّنا من أهل السماء يُطْلع محمدا على سرّنا، وإذا جاء جاء بالحرب والسّنَةِ، ولكن صاحب صاحبنا ميكائيل، وكان إذا جاء جاء بالخصب وبالسلم، فقال لهم عمر : أفتعرفون جبريل وتنكرون محمدا ففارقهم عمر عند ذلك وتوجه نحو رسول الله ﷺ ليحدّثه حديثهم، فوجده قد أُنزل عليه هذه الآية :﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوّا لِجبْرِيلَ فإنّهُ نَزّلَهُ على قَلْبِكَ بإذْنِ اللّهِ﴾.
حدثني المثنى، قال : حدثنا آدم، قال : حدثنا أبو جعفر عن قتادة، قال : بلغنا أن عمر بن الخطاب أقبل على اليهود يوما فذكر نحوه.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله : مَنْ كَانَ عَدُوّا لِجِبْرِيلَ قال : قالت اليهود : إن جبريل هو عدوّنا لأنه ينزل بالشدّة والحرب والسنة، وإن ميكائيل ينزل بالرخاء والعافية والخصب، فجبريل عدوّنا. فقال الله جل ثناؤه : مَنْ كَانَ عَدُوّا لجِبْرِيلَ.
حدثني موسى بن هارون، قال : حدثنا عمرو بن حماد، قال : حدثنا أسباط، عن السدي :{ قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوّا لِجِبْرِيلَ فَانّهُ نَزّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِاذْنِ اللّهِ مُصَدّقا لِمَا