تفسير القرآن العظيم — ابن كثير

عن الكتاب
قال الإمام أبو جعفر بن جرير الطبري رحمه الله : أجمع أهل العلم بالتأويل جميعًا [ على ](١) أن هذه الآية نزلت جوابًا لليهود من بني إسرائيل، إذ زعموا أن جبريل عدو لهم، وأن ميكائيل ولي لهم، ثم اختلفوا في السبب الذي من أجله قالوا ذلك. فقال بعضهم : إنما كان سبب قيلهم ذلك من أجل مناظرة جَرَت بينَهم وبين رسول الله ﷺ في(٢) أمر نبوته. ذكر من قال ذلك :
حدثنا أبو كُرَيْب، حدثنا يونس بن بُكَيْر، عن عبد الحميد بن بَهرام، عن شَهْر بن حَوْشَب، عن ابن عباس أنه قال : حضرت عصابة من اليهود رسول الله ﷺ، فقالوا : يا أبا القاسم، حدثنا عن خلال نسألك عنهن، لا يعلمهن إلا نبي، فقال رسول الله ﷺ :" سلوا عما شئتم، ولكن اجعلوا لي ذمة وما أخذ يعقوب على بنيه، لئن أنا حدثتكم شيئًا فعرفتموه لتتابِعُنِّي على الإسلام ". فقالوا : ذلك لك. فقال رسول الله ﷺ :" سلوني عما شئتم ". فقالوا : أخبرنا عن أربع خلال نسألك عنهن : أخبرنا أيّ الطعام حرم(٣) إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة ؟ وأخبرنا كيف ماء(٤) المرأة وماء الرجل ؟ وكيف يكون الذكر منه والأنثى ؟ وأخبرنا بهذا النبي الأمي في النوم(٥) ووليه من الملائكة ؟ فقال رسول الله ﷺ :" عليكم عهد الله لئن أنا أنبأتكم لتتابعنِّي ؟ " فأعطوه ما شاء الله من عهد وميثاق. فقال :" نشدتكم(٦) بالذي أنزل التوراة على موسى، هل تعلمون أن إسرائيل يعقوب مرض مرضًا شديدًا فطال سقمه منه، فنذر لله نذرًا لئن عافاه الله من سقمه ليحرّمن أحب الطعام والشراب إليه، وكان أحب الطعام إليه لحوم(٧) الإبل وأحب الشراب إليه ألبانها ؟ ". فقالوا : اللهم نعم. فقال رسول الله ﷺ :" اللهم اشهد(٨) عليهم. وأنشدكم بالله الذي لا إله إلا هو، الذي أنزل التوراة على موسى، هل تعلمون أن ماء الرجل أبيض غليظ، وأن ماء المرأة أصفر رقيق، فأيهما علا كان له الولد والشبه بإذن الله، وإذا علا ماء الرجل ماء المرأة كان الولد ذكرًا بإذن الله، وإذا علا ماء المرأة ماء الرجل كان الولد أنثى بإذن الله ؟ ". قالوا : اللهم نعم. قال :" اللهم اشهد ". قال :" وأنشدكم بالله الذي أنزل التوراة على موسى، هل تعلمون أن هذا النبي الأمي تنام عيناه ولا ينام قلبه ؟ ". قالوا : اللهم نعم. قال :" اللهم اشهد ". قالوا : أنت الآن، فحدثنا من وليك من الملائكة، فعندها نجامعك أو نفارقك. قال :" فإن وليي جبريل، ولم يبعث الله نبيًا قط إلا وهو وليُّه ". قالوا : فعندها نفارقك، لو كان وليّك سواه من الملائكة تابعناك(٩) وصدقناك. قال :" فما مَنَعكم أن تصدقوه ؟ " قالوا : إنه عدونا. فأنزل الله عز وجل :﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ﴾ إلى قوله :﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٠٣] فعندها باؤوا بغضب على غضب(١٠).
وقد رواه الإمام أحمد في مسنده، عن أبي النضر هاشم بن القاسم وعبد بن حميد في تفسيره، عن أحمد بن يونس، كلاهما عن عبد الحميد بن بَهرام، به(١١).
ورواه الإمام أحمد - أيضاً - عن الحسين بن محمد المروزي، عن عبد الحميد، بنحوه [ به ](١٢) (١٣).
وقد رواه محمد بن إسحاق بن يسار : حدثني عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين، عن شهر بن حوشب، فذكره مرسلا وزاد فيه : قالوا : فأخبرنا عن الروح قال :" أنشدكم بالله وبآياته (١٤)_
عند بني إسرائيل، هل تعلمون أنه جبريل، وهو الذي يأتيني ؟ " قالوا : نعم، ولكنه لنا عدو، وهو ملك إنما يأتي بالشدة وسفك الدماء، فلولا ذلك اتبعناك(١٥). فأنزل الله فيهم :﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نزلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ إلى قوله :﴿كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٠١].
وقال الإمام أحمد : حدثنا أبو أحمد(١٦) حدثنا عبد الله بن الوليد العجلي، عن بكير بن شهاب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال : أقبلت يهود إلى رسول الله ﷺ فقالوا : يا أبا القاسم، إنا نسألك عن خمسة أشياء، فإن أنبأتنا بهن عرفنا أنك نبي واتبعناك. فأخذ عليهم ما أخذ إسرائيل على بنيه إذ قال :﴿اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾ [يوسف: ٦٦] قال :" هاتوا ". قالوا : أخبرنا عن علامة النبي. قال :" تنام عيناه ولا ينام قلبه ". قالوا : أخبرنا كيف تؤنث المرأة وكيف يذكر الرجل ؟ قال :" يلتقي الماءان فإذا علا ماء الرجل ماء المرأة أذكرت، وإذا علا ماء المرأة ماء الرجل أنثت "، قالوا : أخبرنا ما(١٧) حرّم إسرائيل على نفسه. قال :" كان يشتكي عِرْق النَّساء، فلم يجد شيئًا يلائمه إلا ألبان كذا وكذا " - قال أحمد : قال بعضهم : يعني الإبل، فحرم لحومها - قالوا : صدقت. قالوا : أخبرنا ما هذا الرعد ؟ قال " ملك من ملائكة الله، عز وجل، موكل بالسحاب بيديه - أو في يده - مِخْراق من نار يزجر به السحاب، يسوقه حيث أمره الله عز وجل ". قالوا : فما هذا الصوت الذي نسمعه ؟ قال :" صوته ". قالوا : صدقت. إنما بقيت واحدة وهي التي نتابعك إن أخبرتنا (١٨) إنه ليس من نبي إلا وله مَلَك يأتيه بالخبر، فأخبرنا من صاحبك ؟ قال :" جبريل عليه السلام "، قالوا : جبريل ذاك الذي ينزل بالحرب والقتال والعذاب عدونا، لو قلت : ميكائيل الذي ينزل بالرحمة والنبات والقطر لكان(١٩) فأنزل الله عز وجل :﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ﴾ إلي آخر الآية.
ورواه الترمذي، والنسائي من حديث عبد الله بن الوليد، به(٢٠). وقال الترمذي : حسن غريب.
وقال سُنَيْد في تفسيره، عن حجاج بن محمد، عن ابن جُرَيْج : أخبرني القاسم بن أبي بَزَّة أن يهود سألوا النبي ﷺ عن صاحبه الذي ينزل(٢١) عليه بالوحي. قال :" جبريل ". قالوا : فإنه لنا عدو، ولا يأتي إلا بالشدة والحرب والقتال. فنزل :﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ﴾ الآية. قال ابن جريج : وقال مجاهد : قالت يهود : يا محمد، ما ينزل(٢٢) جبريل إلا بشدة وحرب وقتال، وإنه لنا عدو. فنزل :﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ﴾ الآية.
وقال البخاري : قوله :﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ﴾ قال عكرمة : جبر، وميك، وإسراف : عبد. وإيل : الله. حدثنا عبد الله بن مُنير(٢٣) سَمِع عبد الله بن بكر(٢٤) حدثنا حُمَيد، عن أنس بن مالك،
قال : سمع عبد الله بن سلام بمقدم رسول الله ﷺ وهو في أرض يخترف. فأتى النبي ﷺ فقال : إني سائلك عن ثلاث لا يعلمهن(٢٥) إلا نبي : ما أول أشراط الساعة ؟ وما أول طعام أهل الجنة ؟ وما ينزع الولد إلى أبيه أو إلى أمه ؟ قال :" أخبرني بِهن جبريل آنفًا ". قال : جبريل ؟ قال :" نعم ". قال : ذاك عدو اليهود من الملائكة، فقرأ هذه الآية :﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نزلَهُ عَلَى قَلْبِكَ﴾ " أما أول أشراط الساعة فنار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب، وأما أول طعام يأكله أهل الجنة فزيادة كبد الحوت، وإذا سبق ماء الرجل ماء المرأة نزع الولد، وإذا سبق ماء المرأة [ ماء الرجل ] (٢٦) نزعت ". قال : أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنك(٢٧) رسول الله. يا رسول الله، إن اليهود قوم بُهُت، وإنهم إن يعلموا بإسلامي قبل أن تسألهم يبهتوني(٢٨). فجاءت اليهود فقال النبي ﷺ :" أي رجل عبد الله بن سلام فيكم ؟ " قالوا : خيرنا وابن خيرنا، وسيدنا وابن سيدنا. قال :" أرأيتم إن أسلم عبد الله بن سلام ". فقالوا : أعاذه الله من ذلك. فخرج عبد الله فقال : أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله. فقالوا : شرنا وابن شرنا. فانتقصوه.
قال(٢٩) هذا الذي كنت أخاف يا رسول الله.
انفرد به البخاري من هذا الوجه(٣٠) وقد أخرجه من وجه آخر، عن أنس بنحوه(٣١) وفي صحيح مسلم، عن ثوبان مولى رسول الله ﷺ قريب من هذا السياق(٣٢) كما سيأتي في موضعه(٣٣).
وحكاية البخاري عن عكرمة هو المشهور أن " إيل " هو الله. وقد رواه سفيان الثوري، عن خَصِيف، عن عكرمة.
ورواه عبد بن حميد، عن إبراهيم بن الحكم، عن أبيه، عن عكرمة، ورواه ابن جرير، عن الحسين بن يزيد الطحان، عن إسحاق بن منصور، عن قيس، عن عاصم، عن عكرمة، أنه قال : إن جبريل اسمه عبد الله وميكائيل : عبيد الله. إيل : الله.
ورواه يزيد النحوي، عن عكرمة، عن ابن عباس، مثله سواء. وكذا قال غير واحد من السلف، كما سيأتي قريبا.
[ وقال الإمام أحمد في أثناء حديث سمرة بن جندب : حدثنا محمد بن سلمة، حدثنا محمد بن إسحاق، حدثنا محمد بن عمرو بن عطاء قال : قال لي علي بن الحسين : اسم جبريل عبد الله، واسم ميكائيل : عبيد الله ](٣٤).
ومن الناس من يقول :" إيل " عبارة عن عبد، والكلمة الأخرى هي اسم الله ؛ لأن كلمة " إيل " لا تتغير في الجميع، فوزانه : عبد الله، عبد الرحمن، عبد الملك، عبد القدوس، عبد السلام، عبد الكافي، عبد الجليل. فعبد موجودة في هذا كله، واختلفت الأسماء المضاف إليها، وكذلك جبريل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل ونحو ذلك، وفي كلام غير العرب يقدمون المضاف إليه على المضاف، والله أعلم.
ثم قال ابن جرير : وقال آخرون : بل كان سبب قيلهم ذلك من أجل مناظرة جرت بين عمر بن الخطاب وبينهم في أمر النبي ﷺ. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن المثنى، حدثني ربعي بن عُلَيّة، عن داود بن أبي هند، عن الشعبي، قال : نزل عمر الروحاء، فرأى رجالا يبتدرون أحجارًا يصلون إليها، فقال : ما بال هؤلاء ؟ قالوا : يزعمون أن رسول الله ﷺ صلى هاهنا. قال : فكفر ذلك. وقال : إنما رسول الله ﷺ أدركته الصلاة بواد صلاها ثم ارتحل، فتركه. ثم أنشأ يحدثهم، فقال : كنت أشهد اليهود يوم مِدْرَاسهم(٣٥) فأعجب من التوراة كيف تصدق الفرقان ومن الفرقان كيف يصدق التوراة ؟ فبينما أنا عندهم ذات يوم، قالوا : يا ابن الخطاب، ما من أصحابك أحد أحب إلينا منك. قلت : ولم ذلك ؟ قالوا : إنك تغشانا وتأتينا. فقلت : إني آتيكم فأعجب من الفرقان(٣٦) كيف يصدق التوراة، ومن التوراة كيف تصدق الفرقان. قال : ومر رسول الله ﷺ فقالوا : يا ابن الخطاب، ذاك صاحبكم فالحق به، قال : فقلت لهم عند ذلك : نشدتكم(٣٧) بالله الذي لا إله إلا هو، وما استرعاكم من حقه واستودعكم من كتابه : أتعلمون أنه رسول الله ؟ قال : فسكتوا. فقال لهم عالمهم وكبيرهم : إنه قد غَلَّظ عليكم فأجيبوه. فقالوا : فأنت عالمنا وكبيرنا فأجبه أنت. قال : أما إذ نشدتنا بما نشدتنا به فإنا نعلم أنه رسول الله، قال : قلت : ويحكم فأنَّي هلكتم ؟ ! قالوا(٣٨) إنا لم نهلك(٣٩) [ قال ](٤٠) : قلت : كيف ذلك وأنتم تعلمون أنه رسول الله [ ثم ](٤١) ولا تتبعونه ولا تصدقونه ؟ قالوا : إن لنا عدوا من الملائكة وسِلْمًا من الملائكة، وإنه قرن بنبوته عدونا من الملائكة. قال : قلت : ومن عدوكم ومن سلمكم ؟ قالوا : عدونا جبريل، وسلمنا ميكائيل. قال : قلت : وفيم عاديتم جبريل، وفيم س
١ زيادة من جـ، ط..
٢ في جـ، ط، ب، أ: "من"..
٣ في جـ، ط: "الذي حرم"..
٤ في جـ: "كيف يكون ماء"..
٥ في جـ، ط، ب، أ: "في التوراة"..
٦ في جـ: "أنشدكم"..
٧ في جـ: "لحم"، وفي ط، ب، أ، و: "لحمان"..
٨ في جـ: "اللهم أشهدك"..
٩ في جـ: "لتابعناك" وفي ط:: "بايعناك"..
١٠ تفسير الطبري (٢/٣٧٧)..
١١ المسند (١/٢٧٨)..
١٢ زيادة من جـ، ط، ب، أ، و..
١٣ المسند (١/٢٧٣)..
١٤ في ط، ب: "وبأيامه"..
١٥ في جـ: "لتبعناك"..
١٦ في جـ: "أبو عمر"..
١٧ في جـ، ط: "أخبرنا عما"..
١٨ في ب "أخبرتنا بها"..
١٩ في جـ: "لكنا تابعناك"..
٢٠ المسند (١/٢٧٤) وسنن الترمذي برقم (٣١١٧) وسنن النسائي الكبرى برقم (٩٠٧٢)..
٢١ في أ: "نزل"..
٢٢ في جـ، ط، أ: "ما نزل"..
٢٣ في جـ، ط، ب، أ، و: "بن نمير"..
٢٤ في أ: "بن بكير"..
٢٥ في أ: "لا يعرفهن"..
٢٦ زيادة من جـ..
٢٧ في جـ، ط: "وأن محمدًا"..
٢٨ في جـ: "بهتوني"..
٢٩ في جـ: "فقال"..
٣٠ صحيح البخاري برقم (٤٤٨٠)..
٣١ صحيح البخاري برقم (٣٣٢٩) من طريق مروان بن معاوية عن حميد، عن أنس، وصحيح البخاري برقم (٣٩٣٨) من طريق بشر ابن المفضل، عن حميد، عن أنس..
٣٢ صحيح مسلم برقم (٣١٥)..
٣٣ في جـ: "كما سيأتي في موضعه إن شاء الله"..
٣٤ زيادة من جـ، ط..
٣٥ في جـ، أ: "يوم مدارستهم"..
٣٦ في أ، و: "القرآن"..
٣٧ في أ: "أنشدكم"..
٣٨ في جـ: "فقالوا"..
٣٩ في جـ، ط: "إياكم يهلك"..
٤٠ زيادة من أ..
٤١ زيادة من ط..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى