مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي
عن الكتاب
قوله تعالى :﴿وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة﴾ وفيه مسائل :
المسألة الأولى : في قوله ﴿وما أمروا﴾ وجهان :( أحدهما ) أن يكون المراد :﴿وما أمروا﴾ في التوراة والإنجيل إلا بالدين الحنيفي، فيكون المراد أنهم كانوا مأمورين بذلك إلا أنه تعالى لما أتبعه بقوله :﴿وذلك دين القيمة﴾ علمنا أن ذلك الحكم كما أنه كان مشروعا في حقهم فهو مشروع في حقنا ( وثانيها ) أن يكون المراد : وما أمر أهل الكتاب على لسان محمد ﷺ إلا بهذه الأشياء، وهذا أولى لثلاثة أوجه :( أحدها ) أن الآية على هذا التقدير تفيد شرعا جديدا وحمل كلام الله على ما يكون أكثر فائدة أولى ( وثانيها ) : وهو أن ذكر محمد عليه السلام قد مر ههنا وهو قوله :﴿حتى تأتيهم البينة﴾ وذكر سائر الأنبياء عليهم السلام لم يتقدم ( وثالثها ) : أنه تعالى ختم الآية بقوله :﴿وذلك دين القيمة﴾ فحكم بكون ما هو متعلق هذه الآية دينا قيما فوجب أن يكون شرعا في حقنا سواء قلنا : بأنه شرع من قبلنا أو شرع جديد يكون هذا بيانا لشرع محمد عليه الصلاة والسلام وهذا قول مقاتل.
المسألة الثانية : في قوله :﴿إلا ليعبدوا الله﴾ دقيقة وهي أن هذه اللام لام الغرض، فلا يمكن حمله على ظاهره لأن كل من فعل فعلا لغرض فهو ناقص لذاته مستكمل بذلك الغرض، فلو فعل الله فعلا لكان ناقصا لذاته مستكملا بالغير وهو محال، لأن ذلك الغرض إن كان قديما لزم من قدمه قدم الفعل، وإن كان محدثا افتقر إلى غرض آخر فلزم التسلسل وهو محال ولأنه إن عجز عن تحصيل ذلك الغرض إلا بتلك الواسطة فهو عاجز، وإن كان قادرا عليه كان توسيط تلك الواسطة عبثا، فثبت أنه لا يمكن حمله على ظاهره فلابد فيه من التأويل. ثم قال الفراء : العرب تجعل اللام في موضع أن في الأمر والإرادة كثيرا، من ذلك قوله تعالى :﴿يريد الله ليبين لكم﴾ ﴿يريدون ليطفئوا﴾ وقال في الأمر :﴿وأمرنا لنسلم﴾ وهي في قراءة عبد الله :﴿وما أمروا إلا أن يعبدوا الله﴾ فثبت أن المراد : وما أمروا إلا أن يعبدوا الله مخلصين له الدين. والإخلاص عبارة عن النية الخالصة، والنية الخالصة لما كانت معتبرة كانت النية معتبرة، فقد دلت الآية على أن كل مأمور به فلا بد وأن يكون منوبا، ثم قالت الشافعية : الوضوء مأمور به في قوله تعالى :﴿إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم﴾ ودلت هذه الآية على أن كل مأمور يجب أن يكون منويا، فيلزم من مجموع الآيتين وجوب كون الوضوء منويا، وأما المعتزلة فإنهم يوجبون تعليل أفعال الله وأحكامه بالأغراض، لا جرم أجروا الآية على ظاهرها فقالوا معنى الآية : وما أمروا بشيء إلا لأجل أن يعبدوا الله، والإستدلال على هذا القول أيضا قوي، لأن التقدير وما أمروا بشيء إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين في ذلك الشيء، وهذا أيضا يقتضي اعتبار النية في جميع المأمورات.
فإن قيل : النظر في معرفة الله مأمور به ويستحيل اعتبار النية فيه. لأن النية لا يمكن اعتبارها إلا بعد المعرفة، فما كان قبل المعرفة لا يمكن اعتبار النية فيه. قلنا : هب أنه خص عموم الآية في هذه الصورة بحكم الدليل العقلي الذي ذكرتم فيبقى في الباقي حجة.
المسألة الثالثة : قوله :﴿أمروا﴾ مذكور بلفظ ما لم يسم فاعله وهو :﴿كتب عليكم الصيام﴾ ﴿كتب عليكم القصاص﴾ قالوا فيه وجوه ( أحدها ) : كأنه تعالى يقول العبادة شاقة ولا أريد مشقتك إرادة أصلية بل إرادتي لعبادتك كإرادة الوالدة لحجامتك، ولهذا لما آل الأمر إلى الرحمة قال :﴿كتب ربكم على نفسه الرحمة﴾ ﴿كتب في قلوبهم الإيمان﴾ وذكر في الواقعات إذا أراد الأب من ابنه عملا يقول له أولا : ينبغي أن تفعل هذا ولا يأمره صريحا، لأنه ربما يرد عليه فتعظم جنايته، فههنا أيضا لم يصرح بالأمر لتخف جناية الراد ( وثانيها ) : أنا على القول بالحسن والقبح العقليين، نقول : كأنه تعالى يقول : لست أنا الآمر للعبادة فقط، بل عقلك أيضا يأمرك لأن النهاية في التعظيم لمن أوصل إليك [ أن ] نهاية الإنعام واجبة في العقول.
المسألة الرابعة : اللام في قوله :﴿وما أمروا إلا ليعبدوا الله﴾ تدل على مذهب أهل السنة حيث قالوا : العبادة ما وجبت لكونها مفضية إلى ثواب الجنة، أو إلى البعد عن عقاب النار، بل لأجل أنك عبد وهو رب، فلو لم يحصل في الدين ثواب ولا عقاب البتة، ثم أمرك بالعبادة. وجبت لمحض العبودية، وفيها أيضا إشارة إلى أنه من عبد الله للثواب والعقاب، فالمعبود في الحقيقة هو الثواب والعقاب، والحق واسطة، ونعم ما قيل : من آثر العرفان للعرفان فقد قال بالثاني.
ومن آثر العرفان لا للعرفان، بل للمعروف، فقد خاض لجة الوصول.
المسألة الخامسة : العبادة هي التذلل، ومنه طريق معبد، أي مذلل، ومن زعم أنها الطاعة فقد أخطأ، لأن جماعة عبدوا الملائكة والمسيح والأصنام، وما أطاعوهم ولكن في الشرع صارت اسما لكل طاعة الله، أديت له على وجه التذلل والنهاية في التعظيم، واعلم أن العبادة بهذا المعنى لا يستحقها إلا من يكون واحدا في ذاته وصفاته الذاتية، والفعلية، فإن كان مثل لم يجز أن يصرف إليه النهاية في التعظيم، ثم نقول : لا بد في كون الفعل عبادة من شيئين ( أحدهما ) : غاية التعظيم، ولذلك قلنا : إن صلاة الصبي ليست بعبادة، لأنه لا يعرف عظمة الله، فلا يكون فعله في غاية التعظيم ( والثاني ) : أن يكون مأمورا به، ففعل اليهودي ليس بعبادة، وإن تضمن نهاية التعظيم، لأنه غير مأمور به، والنكتة الوعظية فيه، أن فعل الصبي ليس بعبادة لفقد التعظيم وفعل اليهودي ليس بعبادة لفقد الأمر، فكيف يكون ركوعك الناقص عبادة ولا أمر ولا تعظيم ؟.
المسألة السادسة : الإخلاص هو أن يأتي بالفعل خالصا لداعية واحدة، ولا يكون لغيرها من الدواعي تأثير في الدعاء إلى ذلك الفعل، والنكت الوعظية فيه من وجوه ( أحدها ) : كأنه تعالى يقول عبدي لا تسع في إكثار الطاعة بل في إخلاصها لأني ما بذلت كل مقدوري لك حتى أطلب منك كل مقدورك، بل بذلت لك البعض، فأطلب منك البعض نصفا من العشرين، وشاة من الأربعين، لكن القدر الذي فعلته لم أرد بفعله سواك، فلا ترد بطاعتك سواي، فلا تستثن من طاعتك لنفسك فضلا من أن تستثنيه لغيرك، فمن ذلك المباح الذي يوجد منك في الصلاة كالحكة والتنحنح فهو حظ استثنيته لنفسك فانتفى الإخلاص، وأما الالتفات المكروه فذا حظ الشيطان ( وثانيها ) كأنه تعالى قال : يا عقل أنت حكيم لا تميل إلى الجهل والسفه وأنا حكيم لا أفعل ذلك البتة، فإذا لا تريد إلا ما أريد ولا أريد إلا ما تريد، ثم إنه سبحانه ملك العالمين والعقل ملك لهذا البدن، فكأنه تعالى بفضله قال : الملك لا يخدم الملك لكن [ لكي ] نصطلح أجعل جميع ما أفعله لأجلك :﴿هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا﴾ فاجعل أنت أيضا جميع ما تفعله لأجلي :﴿وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين﴾.
واعلم أن قوله :﴿مخلصين﴾ نصب على الحال فهو تنبيه على ما يجب من تحصيل الإخلاص من ابتداء الفعل إلى انتهائه، والمخلص هو الذي يأتي بالحسن لحسنه، والواجب لوجوبه، فيأتي بالفعل لوجهه مخلصا لربه، لا يريد رياء ولا سمعة ولا غرضا آخر، بل قالوا : لا يجعل طلب الجنة مقصودا ولا النجاة عن النار مطلوبا وإن كان لابد من ذلك، وفي التوراة : ما أريد به وجهي فقليله كثير وما أريد به غير وجهي فكثيره قليل. وقالوا من الإخلاص أن لا يزيد في العبادات عبادة أخرى لأجل الغير، مثل الواجب من الأضحية شاة، فإذا ذبحت اثنتين واحدة لله وواحدة للأمير لم يجز لأنه شرك، وإن زدت في الخشوع، لأن الناس يرونه لم يجز، فهذا إذا خلطت بالعبادة عبادة أخرى، فكيف ولو خلطت بها محظورا مثل أن تتقدم على إمامك، بل لا يجوز دفع الزكاة إلى الوالدين والمولودين ولا إلى العبيد ولا الإماء لأنه لم يخلص، فإذا طلبت بذلك سرور والدك أو ولدك يزول الإخلاص، فكيف إذا طلبت مسرة شهوتك كيف يبقى الإخلاص ؟ وقد اختلفت ألفاظ السلف في معنى قوله :﴿مخلصين﴾ قال بعضهم : مقرين له بالعبادة، وقال آخرون : قاصدين بقلوبهم رضا الله في العبادة، وقال الزجاج : أي يعبدونه موحدين له لا يعبدون معه غيره، ويدل على هذا قوله :﴿وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا﴾.
أما قوله تعالى :﴿حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة﴾ ففيه أقوال :
الأول : قال مجاهد : متبعين دين إبراهيم عليه السلام، ولذلك قال :﴿ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين﴾ وهذا التفسير فيه لطيفة كأنه سبحانه لما علم أن التقليد مستول على الطباع لم يستجز منعه عن التقليد بالكلية ولم يستجز التعويل على التقليد أيضا بالكلية، فلا جرم ذكر قوما أجمع الخلق بالكلية على تزكيتهم، وهو إبراهيم ومن معه، فقال :﴿قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه﴾ فكأنه تعالى قال : إن كنت تقلد أحدا في دينك، فكن مقلدا إبراهيم، حيث تبرأ من الأصنام وهذا غير عجيب فإنه قد تبرأ من نفسه حين سلمها إلى النيران، ومن ماحين بذله للضيفان، ومن ولده حين بذله للقربان، بل روى أنه سمع سبوح قدوس فاستطابه، ولم ير شخصا فاستعاده، فقال : أما بغير أجر فلا، فبذل كل ما ملكه فظهر له جبريل عليه السلام، وقال : حق لك حيث سماك خليلا فخذ مالك، فإن القائل : كنت أنا، بل انقطع إلى الله حتى عن جبريل حين قال : أما إليك فلا، فالحق سبحانه كأنه يقول : إن كنت عابدا فاعبد كعبادته، فإذا لم تترك الحلال وأبواب السلاطين، أما تترك الحرام وموافقة الشياطين، فإن لم تقدر على متابعة إبراهيم، فاجتهد في متابعة ولده الصبي، كيف انقاد لحكم ربه مع صغره، فمد عنقه لحكم الرؤيا، وإن كنت دون الرجل فاتبع الموسوم بنقصان العقل، وهو أم الذبيح، كيف تجرعت تلك الغصة، ثم إن المرأة الحرة نصف الرجل فإن الاثنتين يقومان مقام الرجل الواحد في الشهادة والإراث، والرقيقة نصف الحرة بدليل أن للحرة ليلتين من القسم فهاجر كانت ربع الرجل، ثم انظر كيف أطاعت ربها فتحملت المحنة في ولادها ثم صبرت حين تركها الخليل وحيدة فريدة في جبال مكة بلا ماء ولا زاد وانصرف، لا يكلمها ولا يعطف عليها، قالت آلله أمرك بهذا ؟ فأومأ برأسه نعم، فرضيت بذلك وصبرت على تلك المشاق.
والقول الثاني : المراد من قوله :﴿حنفاء﴾ أي مستقيمين والحنف هو الاستقامة، وإنما سمي مائل القدم أحنف على سبيل التفاؤل، كقولنا : للأعمى بصير وللمهلكة مفازة، ونظيره قوله تعالى :﴿إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا﴾ ﴿اهدنا الصراط المستقيم﴾.
والقول الثالث : قال ابن عباس رضي الله عنهما حجاجا، وذلك لأنه ذكر العباد أولا ثم قال :﴿حنفاء﴾ وإنما قدم الحج على الصلاة لأن في الحج صلاة وإنفاق مال ( الرابع ) : قال أبو قلابة الحنيف الذي آمن بجميع الرسل ولم يستثن أحدا منهم، فمن لم يؤمن بأفضل الأنبياء كيف يكون حنيفا ( الخامس ) : حنفاء أي جامعين لكل الدين إذ الحنيفية كل الدين، قال عليه السلام :( بعثت بالحنيفية السهلة السمحة ) ( السادس ) : قال قتادة : هي الختان وتحريم نكاح المحارم أي مختونين محر
المسألة الأولى : في قوله ﴿وما أمروا﴾ وجهان :( أحدهما ) أن يكون المراد :﴿وما أمروا﴾ في التوراة والإنجيل إلا بالدين الحنيفي، فيكون المراد أنهم كانوا مأمورين بذلك إلا أنه تعالى لما أتبعه بقوله :﴿وذلك دين القيمة﴾ علمنا أن ذلك الحكم كما أنه كان مشروعا في حقهم فهو مشروع في حقنا ( وثانيها ) أن يكون المراد : وما أمر أهل الكتاب على لسان محمد ﷺ إلا بهذه الأشياء، وهذا أولى لثلاثة أوجه :( أحدها ) أن الآية على هذا التقدير تفيد شرعا جديدا وحمل كلام الله على ما يكون أكثر فائدة أولى ( وثانيها ) : وهو أن ذكر محمد عليه السلام قد مر ههنا وهو قوله :﴿حتى تأتيهم البينة﴾ وذكر سائر الأنبياء عليهم السلام لم يتقدم ( وثالثها ) : أنه تعالى ختم الآية بقوله :﴿وذلك دين القيمة﴾ فحكم بكون ما هو متعلق هذه الآية دينا قيما فوجب أن يكون شرعا في حقنا سواء قلنا : بأنه شرع من قبلنا أو شرع جديد يكون هذا بيانا لشرع محمد عليه الصلاة والسلام وهذا قول مقاتل.
المسألة الثانية : في قوله :﴿إلا ليعبدوا الله﴾ دقيقة وهي أن هذه اللام لام الغرض، فلا يمكن حمله على ظاهره لأن كل من فعل فعلا لغرض فهو ناقص لذاته مستكمل بذلك الغرض، فلو فعل الله فعلا لكان ناقصا لذاته مستكملا بالغير وهو محال، لأن ذلك الغرض إن كان قديما لزم من قدمه قدم الفعل، وإن كان محدثا افتقر إلى غرض آخر فلزم التسلسل وهو محال ولأنه إن عجز عن تحصيل ذلك الغرض إلا بتلك الواسطة فهو عاجز، وإن كان قادرا عليه كان توسيط تلك الواسطة عبثا، فثبت أنه لا يمكن حمله على ظاهره فلابد فيه من التأويل. ثم قال الفراء : العرب تجعل اللام في موضع أن في الأمر والإرادة كثيرا، من ذلك قوله تعالى :﴿يريد الله ليبين لكم﴾ ﴿يريدون ليطفئوا﴾ وقال في الأمر :﴿وأمرنا لنسلم﴾ وهي في قراءة عبد الله :﴿وما أمروا إلا أن يعبدوا الله﴾ فثبت أن المراد : وما أمروا إلا أن يعبدوا الله مخلصين له الدين. والإخلاص عبارة عن النية الخالصة، والنية الخالصة لما كانت معتبرة كانت النية معتبرة، فقد دلت الآية على أن كل مأمور به فلا بد وأن يكون منوبا، ثم قالت الشافعية : الوضوء مأمور به في قوله تعالى :﴿إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم﴾ ودلت هذه الآية على أن كل مأمور يجب أن يكون منويا، فيلزم من مجموع الآيتين وجوب كون الوضوء منويا، وأما المعتزلة فإنهم يوجبون تعليل أفعال الله وأحكامه بالأغراض، لا جرم أجروا الآية على ظاهرها فقالوا معنى الآية : وما أمروا بشيء إلا لأجل أن يعبدوا الله، والإستدلال على هذا القول أيضا قوي، لأن التقدير وما أمروا بشيء إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين في ذلك الشيء، وهذا أيضا يقتضي اعتبار النية في جميع المأمورات.
فإن قيل : النظر في معرفة الله مأمور به ويستحيل اعتبار النية فيه. لأن النية لا يمكن اعتبارها إلا بعد المعرفة، فما كان قبل المعرفة لا يمكن اعتبار النية فيه. قلنا : هب أنه خص عموم الآية في هذه الصورة بحكم الدليل العقلي الذي ذكرتم فيبقى في الباقي حجة.
المسألة الثالثة : قوله :﴿أمروا﴾ مذكور بلفظ ما لم يسم فاعله وهو :﴿كتب عليكم الصيام﴾ ﴿كتب عليكم القصاص﴾ قالوا فيه وجوه ( أحدها ) : كأنه تعالى يقول العبادة شاقة ولا أريد مشقتك إرادة أصلية بل إرادتي لعبادتك كإرادة الوالدة لحجامتك، ولهذا لما آل الأمر إلى الرحمة قال :﴿كتب ربكم على نفسه الرحمة﴾ ﴿كتب في قلوبهم الإيمان﴾ وذكر في الواقعات إذا أراد الأب من ابنه عملا يقول له أولا : ينبغي أن تفعل هذا ولا يأمره صريحا، لأنه ربما يرد عليه فتعظم جنايته، فههنا أيضا لم يصرح بالأمر لتخف جناية الراد ( وثانيها ) : أنا على القول بالحسن والقبح العقليين، نقول : كأنه تعالى يقول : لست أنا الآمر للعبادة فقط، بل عقلك أيضا يأمرك لأن النهاية في التعظيم لمن أوصل إليك [ أن ] نهاية الإنعام واجبة في العقول.
المسألة الرابعة : اللام في قوله :﴿وما أمروا إلا ليعبدوا الله﴾ تدل على مذهب أهل السنة حيث قالوا : العبادة ما وجبت لكونها مفضية إلى ثواب الجنة، أو إلى البعد عن عقاب النار، بل لأجل أنك عبد وهو رب، فلو لم يحصل في الدين ثواب ولا عقاب البتة، ثم أمرك بالعبادة. وجبت لمحض العبودية، وفيها أيضا إشارة إلى أنه من عبد الله للثواب والعقاب، فالمعبود في الحقيقة هو الثواب والعقاب، والحق واسطة، ونعم ما قيل : من آثر العرفان للعرفان فقد قال بالثاني.
ومن آثر العرفان لا للعرفان، بل للمعروف، فقد خاض لجة الوصول.
المسألة الخامسة : العبادة هي التذلل، ومنه طريق معبد، أي مذلل، ومن زعم أنها الطاعة فقد أخطأ، لأن جماعة عبدوا الملائكة والمسيح والأصنام، وما أطاعوهم ولكن في الشرع صارت اسما لكل طاعة الله، أديت له على وجه التذلل والنهاية في التعظيم، واعلم أن العبادة بهذا المعنى لا يستحقها إلا من يكون واحدا في ذاته وصفاته الذاتية، والفعلية، فإن كان مثل لم يجز أن يصرف إليه النهاية في التعظيم، ثم نقول : لا بد في كون الفعل عبادة من شيئين ( أحدهما ) : غاية التعظيم، ولذلك قلنا : إن صلاة الصبي ليست بعبادة، لأنه لا يعرف عظمة الله، فلا يكون فعله في غاية التعظيم ( والثاني ) : أن يكون مأمورا به، ففعل اليهودي ليس بعبادة، وإن تضمن نهاية التعظيم، لأنه غير مأمور به، والنكتة الوعظية فيه، أن فعل الصبي ليس بعبادة لفقد التعظيم وفعل اليهودي ليس بعبادة لفقد الأمر، فكيف يكون ركوعك الناقص عبادة ولا أمر ولا تعظيم ؟.
المسألة السادسة : الإخلاص هو أن يأتي بالفعل خالصا لداعية واحدة، ولا يكون لغيرها من الدواعي تأثير في الدعاء إلى ذلك الفعل، والنكت الوعظية فيه من وجوه ( أحدها ) : كأنه تعالى يقول عبدي لا تسع في إكثار الطاعة بل في إخلاصها لأني ما بذلت كل مقدوري لك حتى أطلب منك كل مقدورك، بل بذلت لك البعض، فأطلب منك البعض نصفا من العشرين، وشاة من الأربعين، لكن القدر الذي فعلته لم أرد بفعله سواك، فلا ترد بطاعتك سواي، فلا تستثن من طاعتك لنفسك فضلا من أن تستثنيه لغيرك، فمن ذلك المباح الذي يوجد منك في الصلاة كالحكة والتنحنح فهو حظ استثنيته لنفسك فانتفى الإخلاص، وأما الالتفات المكروه فذا حظ الشيطان ( وثانيها ) كأنه تعالى قال : يا عقل أنت حكيم لا تميل إلى الجهل والسفه وأنا حكيم لا أفعل ذلك البتة، فإذا لا تريد إلا ما أريد ولا أريد إلا ما تريد، ثم إنه سبحانه ملك العالمين والعقل ملك لهذا البدن، فكأنه تعالى بفضله قال : الملك لا يخدم الملك لكن [ لكي ] نصطلح أجعل جميع ما أفعله لأجلك :﴿هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا﴾ فاجعل أنت أيضا جميع ما تفعله لأجلي :﴿وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين﴾.
واعلم أن قوله :﴿مخلصين﴾ نصب على الحال فهو تنبيه على ما يجب من تحصيل الإخلاص من ابتداء الفعل إلى انتهائه، والمخلص هو الذي يأتي بالحسن لحسنه، والواجب لوجوبه، فيأتي بالفعل لوجهه مخلصا لربه، لا يريد رياء ولا سمعة ولا غرضا آخر، بل قالوا : لا يجعل طلب الجنة مقصودا ولا النجاة عن النار مطلوبا وإن كان لابد من ذلك، وفي التوراة : ما أريد به وجهي فقليله كثير وما أريد به غير وجهي فكثيره قليل. وقالوا من الإخلاص أن لا يزيد في العبادات عبادة أخرى لأجل الغير، مثل الواجب من الأضحية شاة، فإذا ذبحت اثنتين واحدة لله وواحدة للأمير لم يجز لأنه شرك، وإن زدت في الخشوع، لأن الناس يرونه لم يجز، فهذا إذا خلطت بالعبادة عبادة أخرى، فكيف ولو خلطت بها محظورا مثل أن تتقدم على إمامك، بل لا يجوز دفع الزكاة إلى الوالدين والمولودين ولا إلى العبيد ولا الإماء لأنه لم يخلص، فإذا طلبت بذلك سرور والدك أو ولدك يزول الإخلاص، فكيف إذا طلبت مسرة شهوتك كيف يبقى الإخلاص ؟ وقد اختلفت ألفاظ السلف في معنى قوله :﴿مخلصين﴾ قال بعضهم : مقرين له بالعبادة، وقال آخرون : قاصدين بقلوبهم رضا الله في العبادة، وقال الزجاج : أي يعبدونه موحدين له لا يعبدون معه غيره، ويدل على هذا قوله :﴿وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا﴾.
أما قوله تعالى :﴿حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة﴾ ففيه أقوال :
الأول : قال مجاهد : متبعين دين إبراهيم عليه السلام، ولذلك قال :﴿ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين﴾ وهذا التفسير فيه لطيفة كأنه سبحانه لما علم أن التقليد مستول على الطباع لم يستجز منعه عن التقليد بالكلية ولم يستجز التعويل على التقليد أيضا بالكلية، فلا جرم ذكر قوما أجمع الخلق بالكلية على تزكيتهم، وهو إبراهيم ومن معه، فقال :﴿قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه﴾ فكأنه تعالى قال : إن كنت تقلد أحدا في دينك، فكن مقلدا إبراهيم، حيث تبرأ من الأصنام وهذا غير عجيب فإنه قد تبرأ من نفسه حين سلمها إلى النيران، ومن ماحين بذله للضيفان، ومن ولده حين بذله للقربان، بل روى أنه سمع سبوح قدوس فاستطابه، ولم ير شخصا فاستعاده، فقال : أما بغير أجر فلا، فبذل كل ما ملكه فظهر له جبريل عليه السلام، وقال : حق لك حيث سماك خليلا فخذ مالك، فإن القائل : كنت أنا، بل انقطع إلى الله حتى عن جبريل حين قال : أما إليك فلا، فالحق سبحانه كأنه يقول : إن كنت عابدا فاعبد كعبادته، فإذا لم تترك الحلال وأبواب السلاطين، أما تترك الحرام وموافقة الشياطين، فإن لم تقدر على متابعة إبراهيم، فاجتهد في متابعة ولده الصبي، كيف انقاد لحكم ربه مع صغره، فمد عنقه لحكم الرؤيا، وإن كنت دون الرجل فاتبع الموسوم بنقصان العقل، وهو أم الذبيح، كيف تجرعت تلك الغصة، ثم إن المرأة الحرة نصف الرجل فإن الاثنتين يقومان مقام الرجل الواحد في الشهادة والإراث، والرقيقة نصف الحرة بدليل أن للحرة ليلتين من القسم فهاجر كانت ربع الرجل، ثم انظر كيف أطاعت ربها فتحملت المحنة في ولادها ثم صبرت حين تركها الخليل وحيدة فريدة في جبال مكة بلا ماء ولا زاد وانصرف، لا يكلمها ولا يعطف عليها، قالت آلله أمرك بهذا ؟ فأومأ برأسه نعم، فرضيت بذلك وصبرت على تلك المشاق.
والقول الثاني : المراد من قوله :﴿حنفاء﴾ أي مستقيمين والحنف هو الاستقامة، وإنما سمي مائل القدم أحنف على سبيل التفاؤل، كقولنا : للأعمى بصير وللمهلكة مفازة، ونظيره قوله تعالى :﴿إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا﴾ ﴿اهدنا الصراط المستقيم﴾.
والقول الثالث : قال ابن عباس رضي الله عنهما حجاجا، وذلك لأنه ذكر العباد أولا ثم قال :﴿حنفاء﴾ وإنما قدم الحج على الصلاة لأن في الحج صلاة وإنفاق مال ( الرابع ) : قال أبو قلابة الحنيف الذي آمن بجميع الرسل ولم يستثن أحدا منهم، فمن لم يؤمن بأفضل الأنبياء كيف يكون حنيفا ( الخامس ) : حنفاء أي جامعين لكل الدين إذ الحنيفية كل الدين، قال عليه السلام :( بعثت بالحنيفية السهلة السمحة ) ( السادس ) : قال قتادة : هي الختان وتحريم نكاح المحارم أي مختونين محر