اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
قوله :﴿إِنَّ الذين كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الكتاب والمشركين﴾ كما مرَّ في أول السورة، وقوله تعالى :﴿فِي نَارِ﴾ هذا هو الخبر، و ﴿خَالِدِينَ﴾ حال من الضمير المستكن في الخبر.
قوله :﴿أولئك هُمْ شَرُّ البرية﴾.
وقرأ نافع وابن ذكوان(١) :«البريئة » بالهمز في الحرفين، والباقون : بياء مشددة.
واختلف في ذلك الهمز، فقيل : هو الأصل من برأ الله الخلق، ابتدأه واخترعه، قال تعالى :﴿مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَآ﴾ [الحديد: ٢٢]، فهي فعيلة بمعنى مفعولة، وإنما خففت والتزم تخفيفها عند عامة العرب.
وقد تقدم أن العرب التزمت غالباً تخفيف ألفاظ منها : النبي، والجاثية، والذرية.
قال القرطبي(٢) :«وتشديد الياء عوض من الهمزة ».
وقيل :«البريَّة » دون همز مشتقة من «البرى » وهو التراب، فهي أصل بنفسها، والقراءتان مختلفتا الأصل متّفقتا المعنى. إلا أن عطية ضعف هذا، فقال(٣) :«وهذا الاشتقاق يجعل الهمز خطأ، وهو اشتقاق غير مُرْض » انتهى.
يعني أنه إذا قيل : إنها مشتقة من «البرى » وهو التراب، فمن أين تجيء الهمزة في القراءة الأخرى.
قال شهاب الدين(٤) :«هذا غير لازم، لأنهما قراءتان مشتقتان، لكل منهما أصل مستقل، فتلك من «برأ »، أي : خلق، وهذه من «البرى » لأنهم خلقوا منه، والمعني بالقراءتين شيء واحد وهو جميع الخلق، ولا يلتفت إلى من ضعف الهمز من النحاة لثبوته متواتراً ».
قال القشيريُّ :«ومن قال : البرية من البرى، وهو التراب، قال : لا تدخل الملائكة تحت هذه اللفظة ».
وقيل : البرية : من بريت القلم، أي قدرته، فتدخل فيه الملائكة، ولكنه قول ضعيف ؛ لأنه يجب فيه تخطئةُ من همز.
وقوله :﴿هُمْ شَرُّ البرية﴾، أي : شر الخليقة، فقيل : يحتمل أن يكون على التعميم.
وقال قوم : أي هم شرُّ البرية الذين كانوا في عصر النبي ﷺ، كقوله تعالى :﴿وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى العالمين﴾ [البقرة: ٤٧]، أي : على عالمي زمانكم، ولا يبعد أن يكون في كفار الأمم قبل هذا من هو شرّ منهم، مثل : فرعون، وعاقر ناقة صالح،
١ ينظر: السبعة ٦٩٣، والحجة ٦/٤٢٨، وإعراب القراءات ٢/٥١٣، وحجة القراءات ٧٦٩..
٢ الجامع لأحكام القرآن ٢٠/٩٨..
٣ المحرر الوجيز ٥/٥٠٨..
٤ الدر المصون ٦/٥٥٣..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى