التفسير الحديث — دروزة

عن الكتاب
( ١ ) البروج : واحد البرج. وأصل معنى البرج ما ارتفع وبرز، ثم صار يطلق على القصر العالي وعلى القلاع والحصون. ومن ذلك ما جاء في آية سورة النساء هذه :﴿أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة﴾ [ ٧٨ ] وكان العرب قبل الإسلام يطلقون كلمة البروج على النجوم وعلى المنازل أو المدارات السماوية التي تدور فيها الشمس والقمر والكواكب السيارة المعروفة آنذاك وهي المريخ وزحل وعطارد والمشتري والزهرة، وهي اثنا عشر وهذه أسماؤها : الحمل، الثور، الجوزاء، السرطان، الأسد، السنبلة، الميزان، العقرب، القوس، الجدي، الدلو، الحوت(١).
بسم الله الرحمان الرحيم
﴿والسماء ذات البروج( ١ )١ واليوم الموعود٢ ( ٢ ) وشاهد ومشهود٣ ( ٣ ) قتل أصحاب الأخدود٤ ( ٤ ) النار ذات الوقود( ٥ ) إذ هم عليها قعود( ٦ ) وهم على ما يفعلون بالمؤمنين شهود( ٧ ) وما نقموا منهم٥ إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد( ٨ ) الذي له ملك السماوات والأرض والله على كل شيء شهيد( ٩ )﴾ [ ١-٩ ].
في الآيات قسم رباني بالأقسام الثلاثة بأن لعنة الله قد حقت على الذين حفروا الأخدود، وأججوا فيه النيران، وألقوا فيه المؤمنين وهم جالسون يشهدون عذابهم دون أن تأخذهم الشفقة عليهم. ولم يكن لهم ذنب يغضبهم عليهم إلا أنهم آمنوا بالله وحده.
والمتبادر أن الأقسام الثلاثة في بدء السورة مما كان يعرف السامعون خطورته ومداه مهما اختلف المؤولون فيه. وبهذا فقط تبدو الحكمة في ذلك، والله أعلم.
ولقد رويت روايات مختلفة في صدد الحادث الذي ذكر في الآيات منها حديث نبوي(٢) عن ساحر كان يعلم أحد الأولاد السحر، فمر الولد براهب فأسلم على يديه وصار يبرئ الأكمه والأبرص باسم الله، ثم أسلم الساحر على يد الولد وعلم الملك بالأمر فعذب الراهب والساحر والولد ثم قتلهم، وظهرت للولد كرامات فآمن الناس بالإله الذي يؤمن به، فأمر الملك بحفر أخدود وتأجيج النار فيه وإلقاء من لم يرتد عن دين الولد فيه. ومنها(٣) أن ذا نواس ملك حمير الذي اعتنق اليهودية طلب من نصارى نجران أن يتركوا دينهم ويتهودوا فأبوا، فخدّ الأخدود وأجج فيه النار وألقي فيها كل من ثبت على نصرانيته حتى بلغ من حرقهم ١٢ ألفا في رواية، وعشرين ألفا في رواية ؛ وأن هذا العمل حفز الأحباش النصارى على غزو اليمن وتقويض حكم ذي نواس والديانة اليهودية، وتهود ذي نواس وبعض أهل اليمن واضطهاده النصارى وغزو الأحباش لليمن بسبب ذلك وقائع تاريخية ثابتة(٤) يمكن أن يستأنس بها في ترجيح هذه الرواية وقد ذكرنا ذلك في سياق تفسير سورة الفيل.
ومهما يكن من أمر فإن روح الآيات واكتفاءها بالإشارة الخاطفة إلى أصحاب الأخدود يدلان على أن سامعي القرآن كانوا يعرفون حادث التحريق في الأخدود وأسبابه، فاقتضت حكمة التنزيل التذكير به في صدد الحملة على مقترفي إثم يماثل إثم أصحاب الأخدود.
وأسلوب الآيات أسلوب تقريعي لهذا العمل الوحشي الظالم غضبا على أناس آمنوا بالله وتمسكوا بإيمانهم. وفيه تلقين قرآني عام مستمر المدى كما هو المتبادر.
تعليق على ذكر البروج
هذا، وما تعنيه كلمة " البروج " هو مما كان متداولا بين العرب قبل الإسلام على ما هو مستفاد من أقوال المفسرين. حيث يصح القول : إن حكمة التنزيل قد شاءت بأن تقسم بأمر يعرف العرب خطورته ويعرفون أنه مظهر من مظاهر قدرة الله تعالى وبكلمة أخرى شاءت أن تذكر هذا المظهر من مظاهر الكون بما كان متداولا بينهم. وهذا الأسلوب مما تكرر كثيرا في هذا الأمر ؛ لأنه أكثر تأثيرا فيهم كشأن القصص على ما شرحناه في سياق سورة القلم. ولقد كانوا يعرفون ويعترفون بأن الله سبحانه هو الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما وهو مدبر الأكوان على ما جاء في آيات كثيرة منها آية سورة يونس هذه :﴿قل من يرزقكم من السماء والأرض أمن يملك السمع والأبصار ومن يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ومن يدبر الأمر فسيقولون الله فقل أفلا تتقون٣١﴾ وآية سورة الزخرف هذه :﴿ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن خلقهن العزيز العليم٩﴾.
١ - انظر تفسير هذه السورة وسورة الحجر والفرقان في الطبري والبغوي وابن كثير والخازن والطبرسي..

بسم الله الرحمان الرحيم
﴿والسماء ذات البروج( ١ )١ واليوم الموعود٢ ( ٢ ) وشاهد ومشهود٣ ( ٣ ) قتل أصحاب الأخدود٤ ( ٤ ) النار ذات الوقود( ٥ ) إذ هم عليها قعود( ٦ ) وهم على ما يفعلون بالمؤمنين شهود( ٧ ) وما نقموا منهم٥ إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد( ٨ ) الذي له ملك السماوات والأرض والله على كل شيء شهيد( ٩ )﴾ [ ١-٩ ].
في الآيات قسم رباني بالأقسام الثلاثة بأن لعنة الله قد حقت على الذين حفروا الأخدود، وأججوا فيه النيران، وألقوا فيه المؤمنين وهم جالسون يشهدون عذابهم دون أن تأخذهم الشفقة عليهم. ولم يكن لهم ذنب يغضبهم عليهم إلا أنهم آمنوا بالله وحده.
والمتبادر أن الأقسام الثلاثة في بدء السورة مما كان يعرف السامعون خطورته ومداه مهما اختلف المؤولون فيه. وبهذا فقط تبدو الحكمة في ذلك، والله أعلم.
ولقد رويت روايات مختلفة في صدد الحادث الذي ذكر في الآيات منها حديث نبوي(٢) عن ساحر كان يعلم أحد الأولاد السحر، فمر الولد براهب فأسلم على يديه وصار يبرئ الأكمه والأبرص باسم الله، ثم أسلم الساحر على يد الولد وعلم الملك بالأمر فعذب الراهب والساحر والولد ثم قتلهم، وظهرت للولد كرامات فآمن الناس بالإله الذي يؤمن به، فأمر الملك بحفر أخدود وتأجيج النار فيه وإلقاء من لم يرتد عن دين الولد فيه. ومنها(٣) أن ذا نواس ملك حمير الذي اعتنق اليهودية طلب من نصارى نجران أن يتركوا دينهم ويتهودوا فأبوا، فخدّ الأخدود وأجج فيه النار وألقي فيها كل من ثبت على نصرانيته حتى بلغ من حرقهم ١٢ ألفا في رواية، وعشرين ألفا في رواية ؛ وأن هذا العمل حفز الأحباش النصارى على غزو اليمن وتقويض حكم ذي نواس والديانة اليهودية، وتهود ذي نواس وبعض أهل اليمن واضطهاده النصارى وغزو الأحباش لليمن بسبب ذلك وقائع تاريخية ثابتة(٤) يمكن أن يستأنس بها في ترجيح هذه الرواية وقد ذكرنا ذلك في سياق تفسير سورة الفيل.
ومهما يكن من أمر فإن روح الآيات واكتفاءها بالإشارة الخاطفة إلى أصحاب الأخدود يدلان على أن سامعي القرآن كانوا يعرفون حادث التحريق في الأخدود وأسبابه، فاقتضت حكمة التنزيل التذكير به في صدد الحملة على مقترفي إثم يماثل إثم أصحاب الأخدود.
وأسلوب الآيات أسلوب تقريعي لهذا العمل الوحشي الظالم غضبا على أناس آمنوا بالله وتمسكوا بإيمانهم. وفيه تلقين قرآني عام مستمر المدى كما هو المتبادر.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى