اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي
عن الكتاب
قوله تعالى :﴿والفجر﴾، قيل : جواب القسم مذكور، وهو قوله تعالى :﴿إِنَّ رَبَّكَ لبالمرصاد﴾ [الفجر: ١٤]، قاله ابن الأنباري.
وقيل : محذوف، لدلالة المعنى عليه، أي : ليجازي كل واحد بما عمل، بدليل ما فعل بالقرون الخالية.
وقدَّره الزمخشريُّ(١) : ليُعذبنَّ، قال : يدل عليه قوله تعالى :﴿أَلَمْ تَرَ﴾ إلى قوله «فصبَّ ».
وقدره أبو حيَّان(٢) : بما دلت عليه خاتمة السورة قبله، أي : لإيابهم إلينا وحسابهم علينا.
وقال مقاتل :«هل » هنا : في موضع «إنَّ » تقديره :«إنَّ في ذلك قسماً لذي حجر، ف «هل » هذا في موضع جواب القسم. انتهى.
وهذا قول باطل ؛ لأنه لا يصلح أن يكون مقسماً عليه تقدير تسليم أنَّ التركيب هكذا، وإنما ذكرناه للتنبيه على سقوطه.
وقيل : ثم مضاف محذوف، أي : صلاة الفجر، أو ربِّ الفجر.
والعامة : على عدم التنوين في :«الفَجْرِ، والوَتْرِ، ويَسْرِ ».
وأبو الدينار(٣) الأعرابي : بتنوين الثلاثة.
قال ابن خالويه : هذا ما روي عن بعض العرب أنه يقف على آخر القوافي : بالتنوين، وإن كان فعلاً، وإن كان فيه الألف واللام ؛ قال الشاعر :[ الوافر ]
يعني : هذا تنوين الترنُّم، وهو أن العربي إذا أراد ترك الترنُّم - وهو : مدّ الصوت - نوَّن الكلمة، وإنما يكن في الروي المطلق.
وقد عاب بعضهم النحويين تنوين الترنم، وقال : بل ينبغي أن يسموه بتنوين تركه، ولهذا التنوين قسيم آخر، يسمى : التنوين الغالي وهو ما يلحقُ الرويَّ المقيد ؛ كقوله :[ الرجز ]
***خَاوِي المُختَرَقْنْ(٥) ***
على أن بعض العروضيين أنكروا وجوده، ولهذين التنوينين أحكام مخالفة لحكم التنوين مذكورة في علم النحو.
والحاصل : أن هذا القارئ أجرى الفواصل مجرى القوافي، وله نظائر منها :«الرَّسُولا، والسَّبِيلا، والظُّنُونَا » في الأحزاب ١٠ و ٦٦ و ٦٧ و«المتعال » في الرعد(٦) و«عَشْرٍ » هنا.
قال الزمخشري(٧) : فإن قيل : فما بالها منكرة من بين ما أقسم به ؟ قلت : لأنها ليال مخصوصة من نفس جنس الليالي العشر بعض منها، أو مخصوصة بفضيلة ليست لغيرها، فإن قلت : فهلا عرفت بلام العهد ؛ لأنها ليال معلومة معهودة ؟.
قلت : لو فعل ذلك لم تستقل بمعنى الفضيلة الذي في التنكير ؛ ولأن الأحسن أن تكون الكلمات متجانسة، ليكون الكلام أبعد من الإلغاز والتَّعميَة.
يعني بتجانس اللامات، أن تكون كلها إمَّا للجنس، وإما للعهد والغرض الظاهر أن اللامات في :«الفجر » وما معه، للجنس، فلو جيء بالليالي معرفة بلام العهد لفات التجانس.
أقسم سبحانه : بالفجر، وليال عشر، والشفع والوتر، والليل إذا يسر : أقسام خمسة.
واختلف في «الفجرِ »، فقال عليٌّ وابنُ الزُّبيرِ وابنُ عبَّاسٍ - رضي الله عنهم - :«الفَجْر » هنا : انفجار الظلمة عن النهار من كل يوم(٨).
قال ابنُ الخطيب(٩) : أقسم تعالى بما يحصل فيه، من حصول النور، وانتشار الناس، وسائر الحيوان في طلب الأرزاق، وذلك مشاكل لنشور الموتى، وفيه عبرة لمن تأمل، كقوله تعالى :﴿والصبح إِذَا تَنَفَّسَ﴾ [التكوير: ١٨]، ومدح بكونه خالقاً، فقال سبحانه :﴿فَالِقُ الإصباح﴾ [الأنعام: ٩٦].
وعن ابن عباسٍ - رضي الله عنهما - أنه : النهار كله، وعبر عنه بالفجر ؛ لأنه أوله(١٠).
وروى ابن محيصن عن عطيَّة عن ابن عبَّاسٍ : يعني : فجر المحرم(١١).
قال قتادةُ : هو فجر أول يوم من المحرم(١٢) منه تنفجر السنة، وعنه أيضاً : صلاة الصبح.
وروى ابن جريح عن عطاء عن ابن عباس قال : يريد صبيحة يوم النحر ؛ لأن الله تعالى جعل لكل يوم ليلة قبله إلا يوم النحر لم يجعل له ليلة قبله ولا ليلة بعده ؛ لأن يوم عرفة له ليلتان ليلة قبله وليلة بعده، فمن أدرك الموقف الليلة التي بعد عرفة فقد أدرك الحج إلى طلوع فجر يوم النحر، وهذا قول مجاهد.
وقال عكرمة :«والفجر » قال : انشقاق الفجر من يوم الجمعة.
وعن محمد بن كعب القرظي :«والفجر » قال : آخر أيام العشر إذا رفعت أو دفعت من جمع.
وقال الضحاك : فجر ذي الحجة ؛ لأن الله تعالى قرن به الأيام، فقال تعالى :﴿وَلَيالٍ عَشْرٍ﴾ أي ليال عشر من ذي الحجة.
وقيل : هي العيون التي تنفجر منها المياه.
وقيل : محذوف، لدلالة المعنى عليه، أي : ليجازي كل واحد بما عمل، بدليل ما فعل بالقرون الخالية.
وقدَّره الزمخشريُّ(١) : ليُعذبنَّ، قال : يدل عليه قوله تعالى :﴿أَلَمْ تَرَ﴾ إلى قوله «فصبَّ ».
وقدره أبو حيَّان(٢) : بما دلت عليه خاتمة السورة قبله، أي : لإيابهم إلينا وحسابهم علينا.
وقال مقاتل :«هل » هنا : في موضع «إنَّ » تقديره :«إنَّ في ذلك قسماً لذي حجر، ف «هل » هذا في موضع جواب القسم. انتهى.
وهذا قول باطل ؛ لأنه لا يصلح أن يكون مقسماً عليه تقدير تسليم أنَّ التركيب هكذا، وإنما ذكرناه للتنبيه على سقوطه.
وقيل : ثم مضاف محذوف، أي : صلاة الفجر، أو ربِّ الفجر.
والعامة : على عدم التنوين في :«الفَجْرِ، والوَتْرِ، ويَسْرِ ».
وأبو الدينار(٣) الأعرابي : بتنوين الثلاثة.
قال ابن خالويه : هذا ما روي عن بعض العرب أنه يقف على آخر القوافي : بالتنوين، وإن كان فعلاً، وإن كان فيه الألف واللام ؛ قال الشاعر :[ الوافر ]
| ٥١٨٩- أقِلِّي اللَّوْمَ عَاذلَ والعِتابَنْ | وقُولِي إنْ أصَبْتُ لَقدْ أصَابَنْ(٤) |
وقد عاب بعضهم النحويين تنوين الترنم، وقال : بل ينبغي أن يسموه بتنوين تركه، ولهذا التنوين قسيم آخر، يسمى : التنوين الغالي وهو ما يلحقُ الرويَّ المقيد ؛ كقوله :[ الرجز ]
***خَاوِي المُختَرَقْنْ(٥) ***
على أن بعض العروضيين أنكروا وجوده، ولهذين التنوينين أحكام مخالفة لحكم التنوين مذكورة في علم النحو.
والحاصل : أن هذا القارئ أجرى الفواصل مجرى القوافي، وله نظائر منها :«الرَّسُولا، والسَّبِيلا، والظُّنُونَا » في الأحزاب ١٠ و ٦٦ و ٦٧ و«المتعال » في الرعد(٦) و«عَشْرٍ » هنا.
قال الزمخشري(٧) : فإن قيل : فما بالها منكرة من بين ما أقسم به ؟ قلت : لأنها ليال مخصوصة من نفس جنس الليالي العشر بعض منها، أو مخصوصة بفضيلة ليست لغيرها، فإن قلت : فهلا عرفت بلام العهد ؛ لأنها ليال معلومة معهودة ؟.
قلت : لو فعل ذلك لم تستقل بمعنى الفضيلة الذي في التنكير ؛ ولأن الأحسن أن تكون الكلمات متجانسة، ليكون الكلام أبعد من الإلغاز والتَّعميَة.
يعني بتجانس اللامات، أن تكون كلها إمَّا للجنس، وإما للعهد والغرض الظاهر أن اللامات في :«الفجر » وما معه، للجنس، فلو جيء بالليالي معرفة بلام العهد لفات التجانس.
أقسم سبحانه : بالفجر، وليال عشر، والشفع والوتر، والليل إذا يسر : أقسام خمسة.
واختلف في «الفجرِ »، فقال عليٌّ وابنُ الزُّبيرِ وابنُ عبَّاسٍ - رضي الله عنهم - :«الفَجْر » هنا : انفجار الظلمة عن النهار من كل يوم(٨).
قال ابنُ الخطيب(٩) : أقسم تعالى بما يحصل فيه، من حصول النور، وانتشار الناس، وسائر الحيوان في طلب الأرزاق، وذلك مشاكل لنشور الموتى، وفيه عبرة لمن تأمل، كقوله تعالى :﴿والصبح إِذَا تَنَفَّسَ﴾ [التكوير: ١٨]، ومدح بكونه خالقاً، فقال سبحانه :﴿فَالِقُ الإصباح﴾ [الأنعام: ٩٦].
وعن ابن عباسٍ - رضي الله عنهما - أنه : النهار كله، وعبر عنه بالفجر ؛ لأنه أوله(١٠).
وروى ابن محيصن عن عطيَّة عن ابن عبَّاسٍ : يعني : فجر المحرم(١١).
قال قتادةُ : هو فجر أول يوم من المحرم(١٢) منه تنفجر السنة، وعنه أيضاً : صلاة الصبح.
وروى ابن جريح عن عطاء عن ابن عباس قال : يريد صبيحة يوم النحر ؛ لأن الله تعالى جعل لكل يوم ليلة قبله إلا يوم النحر لم يجعل له ليلة قبله ولا ليلة بعده ؛ لأن يوم عرفة له ليلتان ليلة قبله وليلة بعده، فمن أدرك الموقف الليلة التي بعد عرفة فقد أدرك الحج إلى طلوع فجر يوم النحر، وهذا قول مجاهد.
وقال عكرمة :«والفجر » قال : انشقاق الفجر من يوم الجمعة.
وعن محمد بن كعب القرظي :«والفجر » قال : آخر أيام العشر إذا رفعت أو دفعت من جمع.
وقال الضحاك : فجر ذي الحجة ؛ لأن الله تعالى قرن به الأيام، فقال تعالى :﴿وَلَيالٍ عَشْرٍ﴾ أي ليال عشر من ذي الحجة.
وقيل : هي العيون التي تنفجر منها المياه.
١ ينظر: الكشاف ٤/٧٤٧..
٢ البحر المحيط ٨/٤٦٤..
٣ ينظر: البحر المحيط ٨/٤٦٢، والدر المصون ٥١٧..
٤ البيت لجرير ينظر ديوانه ص ٨١٣، وخزانة الأدب ١/٦٩، ٣٣٨، ٣/١٥١، والخصائص ٢/٩٦، والدرر ٥/١٧٦، ٦/٢٣٣، ٣٠٩، وشرح أبيات سيبويه ٢/٣٤٩، وسر صناعة الإعراب ص ٤٧١، ٤٧٩، ٤٨٠، ٤٩٣، ٥٠٣، ٥١٣، ٦٧٧، ٧٢٦، وشرح الأشموني ١/١٢، وشرح شواهد المغني ٢/٧٦٢، وشرح المفصل ٩/٢٩، والكتاب ٤/٢٠٥، ٢٠٨، والمقاصد النحوية ١/٩١، وهمع الهوامع ٢/٨٠، ٢١٢، والإنصاف ص ٦٥٥، وجواهر الأدب ص ١٣٩، ١٤١، وأضح المسالك ١/١٦، وخزانة الأدب ٧/٤٣٢، ١١/٣٧٤، ورصف المباني ص ٢٩. ٣٥٣، وشرح ابن عقيل ص ١٧، وشرح عمدة الحافظ ص ٩٨، واللسان (خنا)، والمنصف ١/٢٢٤، ٢/٧٩، ونوادر أبي زيد ص ١٢٧..
٥ البيت لرؤية بن العجاج وتمامه:
*** وقاتم الأعماق خاوي المخترقن ***
ينظر ديوانه ص ١٠٤، وابن يعيش ٢/١١٨، ٩/٢٩، ٣٤، والهمع ٢/٨٠، ٣٦ والضرائر ص ١٧ والأشموني ١/٣٢..
٦ آية ٩..
٧ ينظر الكشاف ٤/٧٤٦..
٨ أخرجه الطبري في "تفسيره" (١٢/٥٥٨) والحاكم (٢/٥٢٢) عن ابن عباس.
وقال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٦/٥٧٧) وزاد نسبته إلى الفريابي وابن أبي حاتم والبيهقي في "شعب الإيمان"..
٩ ينظر: الفخر الرازي ١٢/١٤٧..
١٠ في أ: ظهور..
١١ أخرجه الطبري في "تفسيره" (١٢/٥٥٨)..
١٢ ذكره القرطبي في "تفسيره" (٢٠/٢٧)..
٢ البحر المحيط ٨/٤٦٤..
٣ ينظر: البحر المحيط ٨/٤٦٢، والدر المصون ٥١٧..
٤ البيت لجرير ينظر ديوانه ص ٨١٣، وخزانة الأدب ١/٦٩، ٣٣٨، ٣/١٥١، والخصائص ٢/٩٦، والدرر ٥/١٧٦، ٦/٢٣٣، ٣٠٩، وشرح أبيات سيبويه ٢/٣٤٩، وسر صناعة الإعراب ص ٤٧١، ٤٧٩، ٤٨٠، ٤٩٣، ٥٠٣، ٥١٣، ٦٧٧، ٧٢٦، وشرح الأشموني ١/١٢، وشرح شواهد المغني ٢/٧٦٢، وشرح المفصل ٩/٢٩، والكتاب ٤/٢٠٥، ٢٠٨، والمقاصد النحوية ١/٩١، وهمع الهوامع ٢/٨٠، ٢١٢، والإنصاف ص ٦٥٥، وجواهر الأدب ص ١٣٩، ١٤١، وأضح المسالك ١/١٦، وخزانة الأدب ٧/٤٣٢، ١١/٣٧٤، ورصف المباني ص ٢٩. ٣٥٣، وشرح ابن عقيل ص ١٧، وشرح عمدة الحافظ ص ٩٨، واللسان (خنا)، والمنصف ١/٢٢٤، ٢/٧٩، ونوادر أبي زيد ص ١٢٧..
٥ البيت لرؤية بن العجاج وتمامه:
*** وقاتم الأعماق خاوي المخترقن ***
ينظر ديوانه ص ١٠٤، وابن يعيش ٢/١١٨، ٩/٢٩، ٣٤، والهمع ٢/٨٠، ٣٦ والضرائر ص ١٧ والأشموني ١/٣٢..
٦ آية ٩..
٧ ينظر الكشاف ٤/٧٤٦..
٨ أخرجه الطبري في "تفسيره" (١٢/٥٥٨) والحاكم (٢/٥٢٢) عن ابن عباس.
وقال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٦/٥٧٧) وزاد نسبته إلى الفريابي وابن أبي حاتم والبيهقي في "شعب الإيمان"..
٩ ينظر: الفخر الرازي ١٢/١٤٧..
١٠ في أ: ظهور..
١١ أخرجه الطبري في "تفسيره" (١٢/٥٥٨)..
١٢ ذكره القرطبي في "تفسيره" (٢٠/٢٧)..