مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد — نووي الجاوي

عن الكتاب
سورة الفجر
مكية، تسع وعشرون آية، مائة وتسع وثلاثون كلمة، خمسمائة وسبعة وتسعون حرفا
وَالْفَجْرِ (١) وهو صبح النهار أقسم الله به لحصول انتشار الناس وسائر الحيوانات به في طلب الرزق، فهو مشاكل لنشور الموتى من قبورهم وفيه عبرة لمن تأمل، وَلَيالٍ عَشْرٍ (٢) من أول ذي الحجة
وفي الخبر: «ما من أيام العمل الصالح فيها أفضل من أيام العشر»
«١»، وذلك لأنها أيام الاشتغال بالحج في الجملة، وقرئ و «ليال عشر» بالإضافة على أن المراد بالعشر الأيام، وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ (٣) فالشفع يوم النحر، والوتر يوم عرفة، وقد روي أن النبي صلّى الله عليه وسلّم فسرهما بيوم النحر، ويوم عرفة، وقال أبو بكر الوراق «الشفع» صفات الخلق كالعلم والجهل، والقدرة، والعجز، والبصر، والعمى، والحياة، والموت، والوتر صفات الله تعالى وهي وجود بلا عدم، حياة بلا موت، علم بلا جهل، قدرة بلا عجز، عز بلا ذل، وقال مقاتل: «الشفع» : هو الليالي والأيام، و «الوتر» هو اليوم الذي لا ليل بعده، وهو يوم القيامة، وقرأ حمزة والكسائي «والوتر» بكسر الواو، والباقون بفتحها، والكسر قراءة الحسن، والأعمش، وابن عباس، وهي لغة تميم، والفتح قراءة أهل المدينة، وهي لغة حجازية، وَاللَّيْلِ إِذا يَسْرِ (٤) أي يذهب وهي ليلة المزدلفة، فإنه يذهب ويجيء فيه الناس، وقال مقاتل: أي إذا يسار في ذلك الليل وهي ليلة المزدلفة، وقرأ نافع: وأبو عمرو بحذف ياء يسر وقفا وبإثباتها وصلا، وأثبتها ابن كثير في الحالين، وحذفها الباقون في الحالين لسقوطها في خط المصحف الكريم، وقرئ «يسر» بالتنوين كما قرئ به «والفجر» «والوتر» وهو التنوين الذي يقع بدلا من حرف الإطلاق هَلْ فِي ذلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ (٥) أي هل في هذه الأشياء المذكورة مقسم به لذي عقل، والمراد من هذا الاستفهام التأكيد والتحقيق والمعنى: أن من كان ذا لب علم أن ما أقسم الله تعالى بهذه الأشياء فيه عجائب ودلائل على التوحيد والربوبية، فهو حقيق بأن يقسم به لدلالته على خالقه، وجواب القسم محذوف لدلالة المعنى عليه أي لنجازين كل أحد بما عمل بدليل تعديد ما فعل بالقرون الخالية، فالوقف هنا تام
(١) رواه القرطبي في التفسير (٢٠: ٨٨). [.....]
كما قاله أبو حاتم وغيره، وقال ابن الأنباري: جواب القسم قوله تعالى: إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ أي وإنما أجازوا الوقف هنا لطول الكلام، لكن ينبغي حينئذ أن يقال وقف صالح أو نحوه لا تام للفصل بين القسم وجوابه أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ (٦) أي ألم تعلم يا أشرف الخلق علما يقينا كيف أهلك الله قوم هود عند التكذيب إِرَمَ عطف بيان ل «عاد» للإعلام بأنهم عاد الأولى القديمة إن جعلنا إرم اسما للقبيلة بتقدير مضاف أي سبط إرم فإرم جد عاد فإن عادا هو ابن عوص بن إرم ابن سام بن نوح عليه السلام وإن جعلناه اسم البلدة كان التقدير بعاد أهل إرم ويدل عليه قراءة ابن الزبير «بعاد إرم» على الإضافة وقرأ الحسن «بعاد إرم» مفتوحتين ذاتِ الْعِمادِ (٧) أي ذات الأساطين من ذهب وفضة أي ذات القدود الطوال الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها أي مثل تلك المدينة في الحسن، والجمال، أو مثل عاد في عظم الجثة وشدة القوة فِي الْبِلادِ (٨) أي في جميع بلاد الدنيا.
وقرأ ابن الزبير و «لم يخلق مثلها» بالبناء للفاعل أي لم يخلق الله مثل إرم مدينة شداد. روي أنه كان لعاد ابنان شداد، وشديد فملكا بعده وقهرا البلاد والعباد، ثم مات شديد وخلص الملك لشداد فملك الدنيا ودانت له الدنيا، وكان يحب قراءة الكتب القديمة فسمع بذكر الجنة وصفتها ودعته نفسه إلى بناء مثلها عتوا على الله تعالى فبنى مدينة إرم في بعض صحاري عدن في ثلاثمائة سنة، وهي مدينة عظيمة قصورها من الذهب، والفضة، وأساطينها من الزبرجد، والياقوت، وفيها أصناف الأشجار والأنهار المطردة، فروى وهب بن منبه عن عبد الله بن قلابة أنه خرج في طلب إبل له شردت فبينما هو يسير في صحارى عدن إذ وقع على مدينة في تلك الفلوات عليها حصن وحول الحصن قصور كثيرة فلما دنا منها ظن أن فيها أحدا يسأله عن إبله فلم ير خارجا ولا داخلا فنزل عن دابته وعقلها وسل سيفه ودخل من باب المدينة، فإذا هو ببابين عظيمين وهما مرصعان بالياقوت الأحمر فلما رأى ذلك دهش ففتح الباب ودخل، فإذا هو بمدينة لم ير أحد مثلها وإذا فيها قصور في كل قصر منها غرف وفوق الغرف غرف مبنية بالذهب والفضة وأحجار اللؤلؤ والياقوت، وإذا أبواب تلك القصور مثل مصاريع باب المدينة يقابل بعضها بعضا وهي مفروشة كلها باللؤلؤ وبنادق المسك والزعفران فلما عاين ذلك، ولم ير أحدا هاله ذلك، ثم نظر إلى الأزقة فإذا في تلك الأزقة أشجار مثمرة وتحت تلك الأشجار أنهار يجري ماؤها في قنوات من فضة، فقال الرجل في نفسه: هذه الجنة وحمل معه من لؤلؤها ومن بنادق مسكها وزعفرانها، ورجع إلى اليمن وأظهر ما كان معه وحدث بما رأى، فبلغ ذلك معاوية فأرسل إليه فقدم عليه فسأله عن ذلك فقص عليه ما رأى فأرسل معاوية إلى كعب الأحبار فلما أتاه وقال له: يا أبا إسحاق هل في الدنيا مدينة من ذهب وفضة قال: نعم هي إرم ذات العماد بناها شداد ابن عاد، قال:
فحدثني حديثها، فقال: لما أراد شداد بن عاد عملها أمر عليها مائة قهرمان مع كل قهرمان ألف

تفسير هذه الآية من كتب أخرى