التفسير القيم — ابن القيم

عن الكتاب
الفصل الأول
اعلم أن لفظة «عاذ » وما تصرف منها يدل على التحرز والتحصن والنجاة، وحقيقة معناها : الهروب من شيء تخافه إلى من يعصمك منه. ولهذا يسمى المستعاذ به : معاذا، كما يسمى : ملجأ ووزرا.
وفي الحديث :«أن ابنة الجون لما أدخلت على النبي صلى الله عليه وسلم فوضع يده عليها، قالت : أعوذ بالله منك. فقال لها :«لقد عذت بمعاذ، الحقي بأهلك ».
فمعنى «أعوذ » ألتجئ وأعتصم وأتحرز. وفي أصله قولان :
أحدهما : أنه مأخوذ من الستر.
والثاني : أنه مأخوذ من لزوم المجاورة.
فأما من قال : إنه من الستر، فقال : العرب تقول للبيت الذي في أصل الشجرة التي قد استتر بها :«عوَّذ » بضم العين وتشديد الواو وفتحها، فكأنه لما عاذ بالشجرة واستتر بأصلها وظلها : سموه عُوَّذا ؛ لأنه اعتصم به، واستمسك به. فكذلك العائد قد استمسك بالمستعاذ به، واعتصم به، ولزمه.
ومن قال : هو لزوم المجاورة قال : العرب تقول للحم إذا لصق بالعظم فلم يتخلص منه «عُوَّذ » ؛ لأنه اعتصم به، واستمسك به. فكذلك العائذ قد استمسك بالمستعاذ به، واعتصم به، ولزمه.
والقولان حق. والاستعاذة تنتظمهما معا. فإن المستعيذ مستتر بمعاذه، متمسك به، معتصم به. قد استمسك قلبه به ولزمه، كما يلزم الولد أباه إذا أشهر عليه عدوه سيفا وقصده به، فهرب منه فعرض له أبوه في طريق هربه، فإنه يلقي نفسه عليه، ويستمسك به أعظم استمساك. فكذلك العائذ قد هرب من عدوه الذي يبغي هلاكه إلى ربه ومالكه، وفر إليه، وألقى نفسه بين يديه، واعتصم به، والتجأ إليه.
وبعد : فمعنى الاستعاذة القائم بقلبه وراء هذه العبارات، وإنما هي تمثيل وإشارة وتفهيم، وإلا فما يقوم بالقلب حينئذ من الالتجاء والاعتصام، والانطراح بين يدي الرب، والافتقار إليه، والتذلل بين يديه : أمر لا تحيط به العبارة.
ونظير هذا : التعبير عن معنى محبته وخشيته، وإجلاله ومهابته، فإن العبارة تقصر عن وصف ذلك، ولا تدرك إلا بالاتصاف بذلك، لا بمجرد الصفة والخبر، كما أنك إذا وصفت لذة الوقاع لعنِّين لم تخلق له شهوة أصلا، فلو قربتها وشبهتها بما عساك أن تشبهها به لم تحصل حقيقة معرفتها في قلبه. فإذا وصفتها لمن خلقت فيه وركبت فيه عرفها بالوجود والذوق.
وأصل هذا الفعل :«أعوذ » بتسكين العين وضم الواو، ثم أعل بنقل حركة الواو إلى العين وتسكين الواو. فقالوا : أعوذ على أصل هذا الباب، ثم طردوا إعلاله، فقالوا في اسم الفاعل : عائذ. وأصله : عاوذ. فوقعت الواو بعد ألف فاعل، فقلبوها همزة كما قالوا : قائم، وخائف، وقالوا في المصدر : عياذا بالله، وأصله : عواذًا كلواذ، فقلبوا الواو ياء لكسرة ما قبلها، ولم تحصنها حركتها ؛ لأنها قد ضعفت بإعلالها في الفعل، وقال : مستعيذ، وأصله : مستعوذ، كمستخرج، فنقلوا كسرة الواو إلى العين قبلها، فلما كسرت العين قلبت قبلها كسرة، فقلبت ياء على أصل الباب.
فإن قلت : فلم دخلت السين والتاء في الأمر من هذا الفعل، كقوله :﴿فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم﴾ [النحل: ٩٨]، ولم تدخل في الماضي والمضارع ؛ بل الأكثر أن يقال أعوذ بالله، وتعوذت، دون أستعيذ، واستعذت ؟
قلت : السين والتاء دالة على الطلب، فقوله : أستعيذ بالله، أي أطلب العياذ به. كما إذا قلت :«أستخير الله » أي أطلب خيرته، و«أستغفره » أي أطلب مغفرته، و«أستقيله » أي أطلب إقالته. فدخلت في الفعل إيذانا بطلب هذا المعنى من المعاذ، فإذا قال المأمور : أعوذ بالله. فقد امتثل ما طلب منه ؛ لأنه طلب منه الالتجاء والاعتصام، وفرق بين نفس الالتجاء والاعتصام، وبين طلب ذلك، فلما كان المستعيذ هاربا ملتجئا معتصما بالله، أتى بالفعل الدال على ذلك دون الفعل الدال على طلب ذلك فتأمله.
وهذا بخلاف ما إذا قيل :«أستغفر الله ». فقال : أستغفر الله. فإنه طلب منه أن يطلب المغفرة من الله. فإذا قال : أستغفر الله، كان ممتثلا ؛ لأن المعنى : أطلب من الله تعالى أن يغفر لي.
وحيث أراد هذا المعنى في الاستعاذة فلا ضير أن يأتي بالسين والتاء، فيقول : أستعيذ بالله. أي أطلب منه أن يعيذني. ولكن هذا معنى غير نفس الاعتصام والالتجاء والهرب إليه.
فالأول : يخبر عن حاله وعياذه بربه، وخبره يتضمن سؤاله وطلبه أن يعيذه.
والثاني : طالب سائل من ربه أن يعيذه، كأنه يقول : أطلب منك أن تعيذني.
فحال الأول أكمل، ولهذا جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم في امتثال هذا الأمر :«أعوذ بالله من الشيطان الرجيم »، و«أعوذ بكلمات الله التامات »، و«أعوذ بعزة الله وقدرته » دون : أستعيذ ؛ بل الذي علمه الله إياه أن يقول :﴿أعوذ برب الفلق﴾، و«أعوذ برب الناس »، دون أستعيذ، فتأمل هذه الحكمة البديعة.
فإن قلت : فكيف جاء امتثال هذا الأمر بلفظ الأمر والمأمور به، فقال ﴿قل أعوذ برب الفلق﴾ و﴿قل أعوذ برب الناس﴾ [الناس: ١] ومعلوم أنه إذا قيل : قل الحمد لله، وقل : سبحان الله، فإن امتثاله أن يقول : الحمد لله، وسبحان الله، ولا يقول : قل سبحان الله.
قلت : هذا هو السؤال الذي أورده أبي بن كعب رضي الله عنه على النبي صلى الله عليه وسلم بعينه، وأجابه عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقد قال البخاري في «صحيحه » : حدثنا قتيبة، حدثنا سفيان، عن عاصم وعبده، عن زر بن حبيش قال :«سألت أبي بن كعب عن المعوذتين ؟ فقال : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال :" قيل لي، فقلت "، فنحن نقول كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم » ثم قال : حدثنا علي بن عبد الله، ثنا سفيان، حدثنا عبدة بن أبي لبابة، عن زر بن حبيش، وحدثنا عاصم، عن زر قال :«سألت أبي بن كعب رضي الله عنه قلت : أبا المنذر، إن أخاك ابن مسعود رضي الله عنه يقول كذا وكذا، فقال : إني سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقال :«قيل لي، فقلت ». قل : فنحن نقول كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ».
قلت : مفعول القول محذوف، وتقديره : قيل لي قل، أو قيل لي هذا اللفظ. فقلت كما قيل لي.
وتحت هذا السر : أن النبي صلى الله عليه وسلم ليس له في القرآن إلا إبلاغه، لا أنه هو أنشأه من قبل نفسه ؛ بل هو المبلغ له عن الله، وقد قال الله له ﴿قل أعوذ برب الفلق﴾، فكان يقتضي البلاغ التام أن يقول :﴿قل أعوذ برب الفلق﴾ كما قال الله.
وهذا هو المعنى الذي أشار النبي صلى الله عليه وسلم إليه بقوله :«قيل لي، فقلت » أي إني لست ؛ بل أنا مبلغ، أقول كما يقال لي، وأبلغ كلام ربي كما أنزله إليّ.
فصلوات الله وسلامه عليه، لقد بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، وقال كما قيل له، فكفانا من المعتزلة والجهمية وإخوانهم ممن يقول :«هذا القرآن العربي، وهذا النظم كلامه، ابتدأ هو به »، ففي هذا الحديث أبين الرد لهذا القول، وأنه صلى الله عليه وسلم بلغ القول الذي أمر بتبليغه على وجهه ولفظه، حتى إنه لما قيل له :«قل » قال هو :«قل » ؛ لأنه مبلغ محض، وما على الرسول إلا البلاغ.
الفصل الثاني
في المستعاذ : وهو الله وحده، رب الفلق، ورب الناس، ملك الناس، إله الناس، الذي لا ينبغي الاستعاذة إلا به، ولا يستعاذ بأحد من خلقه ؛ بل هو الذي يعيذ المستعيذين، ويعصمهم ويمنعهم من شر ما استعاذوا من شره، وقد أخبر الله تعالى في كتابه عمن استعاذ بخلقه : أن استعاذته زادته طغيانا ورهقا، فقال حكاية عن مؤمني الجن :﴿وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقا﴾ [الجن: ٦]، جاء في التفسير : أنه «كان الرجل من العرب في الجاهلية إذا سافر فأمسى في أرض قفر » قال : أعوذ بسيد هذا الوادي من شر قومه، فيبيت في أمن وجوار منهم، حتى يصبح »، أي فزاد الإنس الجن باستعاذتهم بسادتهم رهقا، أي طغيانا وإثما وشرا، يقولون : سدنا الإنس والجن.
و«الرهق » في كلام العرب : الإثم وغشيان المحارم، فزادوهم بهذه الاستعاذة غشيانا لما كان محظورا من الكبر والتعاظم، فظنوا أنهم سادوا الإنس والجن.
واحتج أهل السنة على المعتزلة، في أن كلمات الله غير مخلوقة : بأن النبي صلى الله عليه وسلم استعاذ بقوله :«أعوذ بكلمات الله التامات »، وهو صلى الله عليه وسلم لا يستعيذ بمخلوق أبدا.
ونظير ذلك : قوله صلى الله عليه وسلم :«أعوذ برضاك من سخطك، وبعفوك من عقوبتك »، فدل على أن رضاه وعفوه من صفاته، وأنه غير مخلوق.
وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم :«أعوذ بعزة الله وقدرته »، وقوله صلى الله عليه وسلم :«أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات »، وما استعاذ به النبي صلى الله عليه وسلم غير مخلوق، فإنه لا يستعيذ إلا بالله، أو صفة من صفاته.
وجاءت الاستعاذة في هاتين السورتين باسم الرب، والملك، والإله.
وجاءت الربوبية فيهما مضافة إلى الفلق، وإلى الناس، ولا بد من أن يكون ما وصف به نفسه في هاتين السورتين يناسب الاستعاذة المطلوبة، ويقتضي دفع الشر المستعاذ منه أعظم مناسبة وأبينها.
وقد قررنا في مواضع متعددة : أن الله سبحانه يدعى بأسمائه الحسنى، فيسأل لكل مطلوب باسم يناسبه باسم ويقتضيه. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في هاتين السورتين :«إنه ما تعوذ المتعوذون بمثلها » فلا بد أن يكون الاسم المستعاذ به مقتضيا للمطلوب. وهو دفع الشر المستعاذ منه أو رفعه.
وإنما يتقرر هذا بالكلام في الفصل الثالث، وهو الشيء المستعاذ منه، فتتبين المناسبة المذكورة فنقول :
الفصل الثالث
في أنواع الشرور المستعاذ منها في هاتين السورتين
الشر الذي يصيب العبد لا يخلو من قسمين :
إما ذنوب وقعت منه يعاقب عليها، فيكون وقوع ذلك بفعله وقصده وسعيه، ويكون هذا الشر هو الذنوب وموجباتها، وهو أعظم الشرين وأدومهما، وأشدهما اتصالا بصاحبه.
وإما شر واقع به من غيره، وذلك الغير إما مكلف أو غير مكلف، والمكلف إما نظيره، وهو الإنسان، أو ليس نظيره، وهو الجني، وغير المكلف : مثل الهوام وذوات الحمة وغيرها.
فتضمنت هاتان السورتان الاستعاذة من هذه الشرور كلها بأوجز لفظ وأجمعه، وأدله على المراد، وأعمه استعاذة، بحيث لم يبق شر من الشرور إلا دخل تحت الشر المستعاذ منه فيهما.
فإن سورة الفلق تضمنت الاستعاذة من أمور أربعة :
أحدها : شر المخلوقات التي لها شر عموما.
الثاني : شر الغاسق إذا وقب.
الثالث : شر النفاثات في العقد.
الرابع : شر الحاسد إذا حسد.
فنتكلم على هذه الشرور الأربعة، ومواقعها واتصالها بالعبد، والتحرز منها قبل وقوعها، وبماذا تدفع بعد وقوعها ؟

[ بيان ماهية الشر ]

وقبل الكلام في ذلك لا بد من بيان الشر : ما هو ؟ وما حقيقته ؟
فنقول : الشر يقال على شيئين : على الألم، وعلى ما يفضي إليه، وليس له مسمى سوى ذلك، فالشرور : هي الآلام وأسبابها، فالمعاصي والكفر والشرك وأنواع الظلم هي شرور، وإن كان لصاحبها فيها نوع غرض ولذة، لكنها شرور ؛ لأنها أسباب للآلام ومفضية إليها كإفضاء سائر الأسباب إلى مسبباتها.
فترتب الألم عليها كترتب الموت على تناول السموم القاتلة، وعلى الذبح والإحراق بالنار، والخنق بالحبل

تفسير هذه الآية من كتب أخرى