فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني
عن الكتاب
﴿الفلق﴾ الصبح، يقال : هو أبين من فلق الصبح، وسمي فلقاً لأنه يفلق عنه الليل. وهو فعل بمعنى مفعول. قال الزجاج : لأن الليل ينفلق عنه الصبح، ويكون بمعنى مفعول. يقال : هو أبين من فلق الصبح، ومن فرق الصبح، وهذا قول جمهور المفسرين، ومنه قول ذي الرّمة :
وقول الآخر :
وقيل : هو سجن في جهنم. وقيل : هو اسم من أسماء جهنم. وقيل : شجرة في النار. وقيل : هو الجبال والصخور، لأنها تفلق بالمياه : أي تشقق. وقيل : هو التفليق بين الجبال، لأنها تنشق من خوف الله. قال النحاس : يقال لكل ما اطمأنّ من الأرض فلق، ومنه قول زهير :
والراكس : بطن الوادي، ومثله قول النابغة :
ودوني راكس فالضواجع ***. . .
وقيل : هو الرحم تنفلق بالحيوان، وقيل : هو كل ما انفلق عن جميع ما خلق الله من الحيوان والصبح والحبّ والنوى وكلّ شيء من نبات وغيره قاله الحسن والضحاك. قال القرطبي : هذا القول يشهد له الانشقاق، فإن الفلق الشقّ، فلقت الشيء فلقاً : شققته، والتفليق مثله، يقال فلقته فانفلق وتفلق، فكلّ ما انفلق عن شيء من حيوان وصبح وحبّ ونوى وماء فهو فلق. قال الله سبحانه :﴿فَالِقُ الإصباح﴾ [الأنعام: ٩٦] وقال :﴿فَالِقُ الحب والنوى﴾ [الأنعام: ٩٥] انتهى. والقول الأوّل أولى لأن المعنى وإن كان أعمّ منه وأوسع مما تضمنه لكنه المتبادر عند الإطلاق. وقد قيل في وجه تخصيص الفلق الإيماء إلى أن القادر على إزالة هذه الظلمات الشديدة عن كلّ هذا العالم يقدر أيضاً أن يدفع عن العائذ كل ما يخافه ويخشاه. وقيل : طلوع الصبح كالمثال لمجيء الفرح ؛ فكما أن الإنسان في الليل يكون منتظراً لطلوع الصباح، كذلك الخائف يكون مترقباً لطلوع صباح النجاح، وقيل : غير هذا مما هو مجرّد بيان مناسبة ليس فيها كثير فائدة تتعلق بالتفسير.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وقد أخرج ابن مردويه عن عمرو بن عبسة قال :«صلى بنا رسول الله ﷺ فقرأ :﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبّ الفلق﴾ فقال : يا ابن عبسة أتدري ما الفلق ؟ قلت : الله ورسوله أعلم، قال : بئر في جهنم». وأخرجه ابن أبي حاتم من قول عمرو بن عبسة غير مرفوع. وأخرج ابن مردويه عن عقبة بن عامر قال : قال لي رسول الله ﷺ :«اقرأ ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبّ الفلق﴾ هل تدري ما الفلق ؟ باب في النار إذا فتحت سعرت جهنم». وأخرج ابن مردويه والديلمي عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال :«سألت رسول الله ﷺ عن قول الله عزّ وجلّ :﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبّ الفلق﴾ فقال : هو سجن في جهنم يحبس فيه الجبارون والمتكبرون، وإن جهنم لتتعوّذ بالله منه». وأخرج ابن جرير عن أبي هريرة عن النبيّ ﷺ قال :«الفلق جبّ في جهنم».
وهذه الأحاديث لو كانت صحيحة ثابتة عن رسول الله ﷺ لكان المصير إليها واجباً، والقول بها متعيناً. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال : الفلق سجن في جهنم. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن جابر بن عبد الله قال : الفلق الصبح. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس مثله. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه قال : الفلق الخلق. وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ وابن مردويه عن أبي هريرة عن النبيّ ﷺ في قوله :﴿وَمِن شَرّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ﴾ وقال : النجم هو الغاسق، وهو الثريا. وأخرجه ابن جرير وابن أبي حاتم من وجه آخر عنه غير مرفوع. وقد قدّمنا تأويل هذا، وتأويل ما ورد أن الغاسق القمر. وأخرج أبو الشيخ عنه أيضاً قال : قال رسول الله ﷺ :«إذا ارتفعت النجوم رفعت كل عاهة عن كل بلد»، وهذا لو صح لم يكن فيه دليل على أن الغاسق هو النجم أو النجوم. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس ﴿وَمِن شَرّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ﴾ قال : الليل إذا أقبل. وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس ﴿وَمِن شَرّ النفاثات فِي العقد﴾ قال : الساحرات. وأخرج ابن جرير عنه في الآية قال : هو ما خالط السحر من الرقى. وأخرج النسائي وابن مردويه عن أبي هريرة أن النبيّ ﷺ قال :«من عقد عقدة ثم نفث فيها فقد سحر، ومن سحر فقد أشرك، ومن تعلق شيئًا وكل إليه». وأخرج ابن سعد وابن ماجه والحاكم وابن مردويه عن أبي هريرة قال :«جاء النبيّ ﷺ يعودني فقال : ألا أرقيك برقية رقاني بها جبريل ؟ فقلت : بلى بأبي أنت وأمي، قال : بسم الله أرقيك والله يشفيك من كل داء فيك ﴿مِن شَرّ النفاثات فِي العقد، وَمِن شَرّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾ فرقى بها ثلاث مرّات». وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله :﴿وَمِن شَرّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾ قال : نفس ابن آدم وعينه.
| حتى إذا ما انجلى عن وجهه فلق | هادئة في أخريات الليل منتصب |
| يا ليلة لم أنمها بتّ مرتفقا | أرعى النجوم لي أن نوّر الفلق |
| ما زلت أرمقهم حتى إذا هبطت | أيدي الركاب بهم من راكس فلقا |
ودوني راكس فالضواجع ***. . .
وقيل : هو الرحم تنفلق بالحيوان، وقيل : هو كل ما انفلق عن جميع ما خلق الله من الحيوان والصبح والحبّ والنوى وكلّ شيء من نبات وغيره قاله الحسن والضحاك. قال القرطبي : هذا القول يشهد له الانشقاق، فإن الفلق الشقّ، فلقت الشيء فلقاً : شققته، والتفليق مثله، يقال فلقته فانفلق وتفلق، فكلّ ما انفلق عن شيء من حيوان وصبح وحبّ ونوى وماء فهو فلق. قال الله سبحانه :﴿فَالِقُ الإصباح﴾ [الأنعام: ٩٦] وقال :﴿فَالِقُ الحب والنوى﴾ [الأنعام: ٩٥] انتهى. والقول الأوّل أولى لأن المعنى وإن كان أعمّ منه وأوسع مما تضمنه لكنه المتبادر عند الإطلاق. وقد قيل في وجه تخصيص الفلق الإيماء إلى أن القادر على إزالة هذه الظلمات الشديدة عن كلّ هذا العالم يقدر أيضاً أن يدفع عن العائذ كل ما يخافه ويخشاه. وقيل : طلوع الصبح كالمثال لمجيء الفرح ؛ فكما أن الإنسان في الليل يكون منتظراً لطلوع الصباح، كذلك الخائف يكون مترقباً لطلوع صباح النجاح، وقيل : غير هذا مما هو مجرّد بيان مناسبة ليس فيها كثير فائدة تتعلق بالتفسير.
وهذه الأحاديث لو كانت صحيحة ثابتة عن رسول الله ﷺ لكان المصير إليها واجباً، والقول بها متعيناً. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال : الفلق سجن في جهنم. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن جابر بن عبد الله قال : الفلق الصبح. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس مثله. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه قال : الفلق الخلق. وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ وابن مردويه عن أبي هريرة عن النبيّ ﷺ في قوله :﴿وَمِن شَرّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ﴾ وقال : النجم هو الغاسق، وهو الثريا. وأخرجه ابن جرير وابن أبي حاتم من وجه آخر عنه غير مرفوع. وقد قدّمنا تأويل هذا، وتأويل ما ورد أن الغاسق القمر. وأخرج أبو الشيخ عنه أيضاً قال : قال رسول الله ﷺ :«إذا ارتفعت النجوم رفعت كل عاهة عن كل بلد»، وهذا لو صح لم يكن فيه دليل على أن الغاسق هو النجم أو النجوم. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس ﴿وَمِن شَرّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ﴾ قال : الليل إذا أقبل. وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس ﴿وَمِن شَرّ النفاثات فِي العقد﴾ قال : الساحرات. وأخرج ابن جرير عنه في الآية قال : هو ما خالط السحر من الرقى. وأخرج النسائي وابن مردويه عن أبي هريرة أن النبيّ ﷺ قال :«من عقد عقدة ثم نفث فيها فقد سحر، ومن سحر فقد أشرك، ومن تعلق شيئًا وكل إليه». وأخرج ابن سعد وابن ماجه والحاكم وابن مردويه عن أبي هريرة قال :«جاء النبيّ ﷺ يعودني فقال : ألا أرقيك برقية رقاني بها جبريل ؟ فقلت : بلى بأبي أنت وأمي، قال : بسم الله أرقيك والله يشفيك من كل داء فيك ﴿مِن شَرّ النفاثات فِي العقد، وَمِن شَرّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾ فرقى بها ثلاث مرّات». وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله :﴿وَمِن شَرّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾ قال : نفس ابن آدم وعينه.