اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
قوله :﴿مِن شَرِّ مَا خَلَقَ﴾، متعلق ب » أعوذ «، والعامة : على إضافة » شرِّ «إلى » ما، وقرأ(١) عمرو بن فايد :«مِنْ شرِّ » بالتنوين.
وقال ابن عطية(٢) : وقرأ عمرو بن عبيد وبعض المعتزلة الذين يرون أن الله لم يخلق الشَّر :«مِنْ شرّ »ِ بالتنوين، «مَا خلقَ » على النفي، وهي قراءةٌ مردودةٌ مبنيةٌ على مذهب باطل، انتهى.
ولا يتعين أن تكون «ما » نافية ؛ بل يجوز أن تكون موصولة بدلاً من «شرِّ » على حذف مضاف، أي : من شر شر ما خلق، عمم أولاً، ثم خصص ثانياً.
وقال أبو البقاء(٣) : و «ما » على هذا بدل من «شر »، أو زائدة، ولا يجوز أن تكون نافية ؛ لأن النافية لا يتقدم عليها ما في حيزها، فلذلك لم يجز أن يكون التقدير : ما خلق من شر، ثم هو فاسد في المعنى، وهو رد حسن صناعي، ولا يقال : إن «مِنْ شرِّ » متعلق ب «أعُوذُ »، وقد أنحى مكي على هذا القائل، ورده بما تقدم.
و «ما » مصدرية، أو بمعنى «الذي ».

فصل في المقصود بشر ما خلق


روى عطاء عن ابن عباس : يريد إبليس خاصة ؛ لأن الله تعالى لم يخلق أشرَّ منه، وأن السورة(٤) إنما نزلت في الاستعاذة من السِّحر، وذلك إنَّما يتم بإبليس وجنوده، لعنهم الله(٥)، وقيل : جهنم وما خلق فيها.
وقيل : عام ؛ أي من شر كل ما خلقه الله، وقيل : ما خلق الله من الأمراض، والأسقام [ والقحط ](٦) وأنواع المِحَنْ.
وقال الجبائي والقاضي(٧) : هذا التقييد باطل ؛ لأن فعل الله - تعالى - لا يجوز أن يوصف بأنه شر ؛ لأن الذي أمر بالتعوذ منه هو الذي أمر به، وذلك متناقض ؛ لأن أفعاله - تعالى - كلها حكمة وصواب، فلا يجوز أن يقال : شرّ.
وأيضاً : فلأن فعل الله لو كان شرَّا ؛ لوصف فاعله بأنه شر، وتعالى الله عن ذلك.
والجواب عن الأول : أنه لا امتناع في قوله : أعوذ بك منك، كما رد عن الثاني أن الإنسان لم تألم وصف بالألم كقوله تعالى :﴿وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠]، وقوله تعالى :﴿فَمَنِ اعتدى عَلَيْكُمْ فاعتدوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعتدى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤].
وعن الثالث : أن أسماء الله توقيفية لا اصطلاحية، ومما يدل على جواز تسمية الأمراض والأسقام بأنها شرور قوله تعالى :﴿إِذَا مَسَّهُ الشر جَزُوعاً﴾ [المعارج: ٢٠].
١ ينظر : البحر المحيط ٨/٥٣٣، والدر المصون ٦/٥٩١..
٢ المحرر الوجيز ٥/٥٣٨..
٣ الإملاء ٢/٢٩٧..
٤ في أ: الآية..
٥ ينظر تفسير القرطبي (٢٠/١٧٥)..
٦ سقط من: ب..
٧ ينظر: الفخر الرازي ٣٢/١٧٧..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى