أضواء البيان — محمد الأمين الشنقيطي

عن الكتاب
وَالَّذِي يَشْهَدُ لَهُ الْقُرْآنُ هُوَ الْأَوَّلُ، كَمَا جَاءَ النَّصُّ الصَّرِيحُ فِي الصُّبْحِ وَالْحَبِّ وَالنَّوَى، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ [٦ ٩٥ - ٩٦].
وَكُلُّهَا آيَاتٌ دَالَّةٌ عَلَى قُدْرَةِ اللَّهِ، وَجَاءَ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا فِي بَدْءِ الْوَحْيِ، وَأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا كَانَ يَرَى رُؤْيَا، إِلَّا جَاءَتْ كَفَلَقِ الصُّبْحِ.
وَالْفَلَقُ: بِمَعْنَى الصُّبْحِ مَعْرُوفٌ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ.
وَعَلَيْهِ قَوْلُ الشَّاعِرِ:
يَا لَيْلَةً لَمْ أَنَمْهَا بِتُّ مُرِتَقِبًاأَرْعَى النُّجُومَ إِلَى أَنْ قَدَّرَ الْفَلَقُ
وَقَوْلُ الْآخَرِ مِثْلُهُ وَفِيهِ: إِلَى أَنْ نَوَّرَ الْفَلَقُ بَدَلَ قَدَّرَ، وَالْوَاقِعُ أَنَّهُ فِي قُوَّةِ الْإِقْسَامِ بِرَبِّ الْكَوْنِ كُلِّهِ يَتَفَلَّقُ بَعْضُهُ عَنْ بَعْضٍ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ. وَهَذَا عَامٌّ وَهُوَ عَلَى عُمُومِهِ، حَتَّى قَالَ الْحَسَنُ: إِنَّ إِبْلِيسَ وَجَهَنَّمَ مِمَّا خَلَقَ.
وَلِلْمُعْتَزِلَةِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ كَلَامٌ حَوْلَ خَلْقِ أَفْعَالِ الْعِبَادِ، وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَخْلُقُ الشَّرَّ، وَقَالُوا: كَيْفَ يَخْلُقُهُ وَيُقَدِّرُهُ، ثُمَّ يَأْمُرُ بِالِاسْتِعَاذَةِ بِهِ سُبْحَانَهُ مِمَّا خَلَقَهُ وَقَدَّرَهُ؟
وَأُجِيبَ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ: بِأَنَّهُ لَا مَانِعَ مِنْ ذَلِكَ، كَمَا فِي قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَأُعُوذُ بِكَ مِنْكَ».
وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ [١٣ ١٦].
وَتَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْنَا وَعَلَيْهِ، ئيمُنَاقَشَةُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي مُنَاظَرَةِ الْإِسْفَرَايِينيِّ مَعَ الْجِبَائِيِّ فِي الْقَدَرِ.
وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْمَخْلُوقَ لَا يَتَأَتَّى مِنْهُ شَيْءٌ قَطُّ إِلَّا بِمَشِيئَةِ الْخَالِقِ، وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ. ُُ
الْغَاسِقُ: قِيلَ اللَّيْلُ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ [١٧ ٧٨].
وَوَقَبَ: أَيْ دَخَلَ.
وَعَلَيْهِ قَوْلُ الشَّاعِرِ:
إِنَّ هَذَا اللَّيْلَ قَدْ غَسَقَاوَاشْتَكَيْتُ الْهَمَّ وَالْأَرَقَا
وَقَوْلُ الْآخَرِ:
يَا طَيْفُ هِنْدَ قَدْ أَبْقَيْتَ لِي أَرَقَاإِذْ جِئْتَنَا طَارِقًا وَاللَّيْلُ قَدْ غَسَقَا
قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَالضَّحَّاكِ وَقَتَادَةَ وَالسُّدِّيِّ وَغَيْرِهِمْ.
وَقِيلَ: الْغَاسِقُ: الْقَمَرُ إِذَا كَانَ فِي آخِرِ الشَّهْرِ، لِحَدِيثِ عَائِشَةَ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ «أَنَّ الرَّسُولَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهَا: تَعَوَّذِي مِنْ هَذَا فَإِنَّهُ الْغَاسِقُ إِذَا وَقَبَ». أَيِ الْقَمَرُ.
وَقَائِلُ هَذَا الْقَوْلِ يَقُولُ: إِنَّهُ أَنْسَبُ لِمَا يَجِيءُ بَعْدَهُ مِنَ السِّحْرِ، لِأَنَّهُ أَكْثَرُ مَا يَكُونُ عِنْدَهُمْ فِي آخِرِ الشَّهْرِ.
وَنَقَلَ الْقُرْطُبِيُّ عَنْ ثَعْلَبٍ، عَنِ ابْنِ الْأَعْرَابِيِّ، أَنَّ أَهْلَ الرَّيْبِ يَتَحَيَّنُونَ وَجْبَةَ الْقَمَرِ، أَيْ سُقُوطَهُ وَغُيُوبَتَهُ.
وَأَنْشَدَ قَوْلَ الشَّاعِرِ:
أَرَاحَنِي اللَّهُ مِنْ أَشْيَاءَ أَكْرَهُهَامِنْهَا الْعَجُوزُ وَمِنْهَا الْكَلْبُ وَالْقَمَرُ
هَذَا يَبُوحُ وَهَذَا يُسْتَضَاءُ بِهِوَهَذِهِ ضَمْرَزٌ قَوَّامَةُ السِّحْر
وَالضَّمْرَزُ: النَّاقَةُ الْمُسِنَّةُ، وَالْمَرْأَةُ الْغَلِيظَةُ.
وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ: الَّذِي هُوَ اللَّيْلُ بِشَهَادَةِ الْقُرْآنِ.
وَالثَّانِي: تَابِعٌ لَهُ ; لِأَنَّ الْقَمَرَ فِي ظُهُورِهِ وَاخْتِفَائِهِ مُرْتَبِطٌ بِاللَّيْلِ، فَهُوَ بَعْضُ مَا يَكُونُ فِي اللَّيْلِ، وَفِي اللَّيْلِ تَنْتَشِرُ الشَّيَاطِينُ وَأَهْلُ الْفَسَادِ، مِنَ الْإِنْسَانِ وَالْحَيَوَانِ وَيَقِلُّ فِيهِ الْمُغِيثُ إِلَّا اللَّهُ. ُُ

تفسير هذه الآية من كتب أخرى