التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي

عن الكتاب
ثم بشر الله - تعالى - المؤمنين الصادقين ببشارات متنوعة، ومدحهم مدحا عظيما، وبين - سبحانه - أن سنته فى خلقه لن تتخلف، فقال - تعالى - :﴿لَّقَدْ رَضِيَ الله عَنِ المؤمنين... بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً﴾.
واللام فى قوله - تعالى - :﴿لَّقَدْ رَضِيَ الله عَنِ المؤمنين إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشجرة...﴾ هى الموطئة للقسم، وتسمى هذه البيعة الرضوان.
والشجرة : كانت بالحديبية، وقد جلس - ﷺ - تحتها ليبايع أصحابه على الموت أو على عدم الفرار، فبايعوه على ذلك - ما عدا بعض المنافقين -، وقد كان الناس بعد ذلك يترددون على تلك الشجرة ويصلون تحتها، ويدعون الله - تعالى - فأمر عمر - رضى الله عنه - قطعها خشية الافتتان بها. أى : والله لقد رضى الله - تعالى - عن المؤمنين الذين بايعوك - أيها الرسول الكريم - تحت الشجرة، على الموت من أجل إعلاء كلمة ربهم.
وفى هذه الجملة أسمى وأعلى ما يتمناه إنسان، وهو رضا الله - تعالى - عنه ودخوله فى زمرة العباد الذين ظفروا بمغفرته - سبحانه - ورحمته.
قال الآلوسى - رحمه الله - : والتعبير بالمضارع لاستحضار صورة هذه المبايغة. وقوله - سبحانه - :﴿تَحْتَ الشجرة﴾ متعلق بيبايعونك.. وفى التقييد بذلك إشارة إلى مزيد وقع تلك المبايعة فى النفوس. ولذا استوجبت رضا الله - تعالى - الذى لا يعادله شئ، ويستتبع مالا يكاد يخطر على البال.
ويكفى فيما ترتب على ذلك ما أخرجه أحمد عن جابر، ومسلم عن أم بشر، عنه، عن النبى - ﷺ - أنه قال : " لا يدخل النار أحد ممن بايع تحت الشجرة ".
وصح برواية الشيخين وغيرهما فى أولئك المؤمنين من حديث جابر، أنه - ﷺ - قال لهم " أنتم خير أهل الأرض.. ".
وقوله - تعالى - :﴿فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأنزَلَ السكينة عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً﴾ بشارة أخرى لهؤلاء المؤمنين الصادقين.
أى : لقد رضى - سبحانه - عن الذين بايعوك تحت الشجرة - أيها الرسول الكريم - حيث علم ما فى قلوبهم من الصدق والإِخلاص وإيثار الآخرة على الأولى، فأنزل السكينة والطمأنينة والأمان عليهم، ﴿وَأَثَابَهُمْ﴾ أى : وأعطاهم منحهم فتحا قريبا، وهو فتح خيبر، الذى كان بعد صلح الحديبية بأقل من شهرين.
وقيل المراد به : فتح مكة، والأول أرجح، لأن فتح خيبر لم يكن فتح أقرب منه، ولأن المسلمين قد أصابوا من فتح خيبر غنائم كثيرة.
وقد أشار - سبحانه - بعد ذلك إلى تلك الغنائم فقال :﴿وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا...﴾.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى