البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي

عن الكتاب
لما ذكر تعالى حال من تخلف عن السفر مع الرسول ﷺ، ذكر حال المؤمنين الخلص الذين سافروا معه.
والآية دالة على رضا الله تعالى عنهم، ولذا سميت : بيعة الرضوان ؛ وكانوا فيما روي ألفاً وخمسمائة وعشرين.
وقال ابن أبي أوفى : وثلاثمائة.
وأصل هذه البيعة أن رسول الله ﷺ حين نزل الحديبية، بعث جواس بن أمية الخزاعي رسولاً إلى أهل مكة، وحمله على جمل له يقال له : الثعلب، يعلمهم أنه جاء معتمراً، لا يريد قتالاً.
فلما أتاهم وكلمهم، عقروا جمله وأرادوا قتله، فمنعته الأحابيش، وبلغ رسول الله ﷺ، فأراد بعث عمر.
فقال : قد علمت فظاظتي، وهم يبغضوني، وليس هناك من بني عدي من يحميني، ولكن أدلك على رجل هو أعز مني وأحب إليهم، عثمان بن عفان.
فبعثه، فأخبرهم أنه لم يأت لحرب، وإنما جاء زائراً لهذا البيت، معظماً لحرمته.
وكان أبان بن سعيد بن العاصي حين لقيه، نزل عن دابته وحمله عليها وأجاره، فقالت له قريش : إن شئت فطف بالبيت، وأما دخولكم علينا فلا سبيل إليه.
فقال : ما كنت لأطوف به حتى يطوف به رسول الله ﷺ.
وكانت الحديبية من مكة على عشرة أميال، فصرخ صارخ من العسكر : قتل عثمان، فحمي رسول الله ﷺ والمؤمنون وقالو : لا نبرح إن كان هذا حتى نلقى القوم.
فنادى منادي رسول الله ﷺ : البيعة البيعة، فنزل روح القدس، فبايعوا كلهم إلا الجد بن قيس المنافق.
وقال الشعبي : أول من بايع أبو سنان بن وهب الأسدي، والعامل في إذ رضي.
والرضا على هذا بمعنى إظهار النعم عليهم، فهو صفة فعل، لا صفة ذات لتقييده بالزمان وتحت، يحتمل أن يكون معمولاً ليبايعونك، أو حالاً من المفعول، لأنه ﷺ كان تحتها جالساً في أصلها.
قال عبد الله بن المغفل : وكنت قائماً على رأسه، وبيدي غصن من الشجرة أذب عنه، فرفعت الغصن عن ظهره.
بايعوه على الموت دونه، وعلى أن لا يفروا، فقال لهم :« أنتم اليوم خير أهل الأرض » وكانت الشجرة سمرة.
قال بكير بن الأشجع : يوم فتح مكة.
قال نافع : كان الناس يأتون تلك الشجرة يصلون عندها، فبلغ عمر، فأمر بقطعها.
وكانت هذه البيعة سنة ست من الهجرة.
وفي الحديث عنه ﷺ :« لا يدخل النار من شهد بيعة الرضوان »
﴿فعلم ما في قلوبهم﴾، قال قتادة، وابن جريج : من الرضا بالبيعة أن لا يفروا.
وقال الفراء : من الصدق والوفاء.
وقال الطبري، ومنذر بن سعيد : من الإيمان وصحته، والحب في الدين والحرص عليه.
وقيل : من الهم والانصراف عن المشركين، والأنفة من ذلك، على نحو ما خاطب به عمر وغيره ؛ وهذا قول حسن يترتب معه نزول السكينة والتعريض بالفتح القريب.
والسكينة تقرير قلوبهم وتذليلها لقبول أمر الله تعالى، وعلى الأقوال السابقة قيل هذا القول، لا يظهر احتياج إلى إنزال السكينة إلا أن يجازي بالسكينة والفتح القريب والمغانم.
وقال مقاتل : فعلم ما في قلوبهم من كراهة البيعة على أن يقاتلوا معه على الموت، ﴿فأنزل السكينة عليهم﴾ حتى بايعوا.
قال ابن عطية : وهذا فيه مذمة للصحابة، رضي الله تعالى عنهم. انتهى.
﴿وأثابهم فتحاً قريباً﴾ قال قتادة، وابن أبي ليلى : فتح خيبر، وكان عقب انصرافهم من مكة.
وقال الحسن : فتح هجر، وهو أجل فتح اتسعوا بثمرها زمناً طويلاً.
وقيل : فتح مكة والقرب أمر نسبي، لكن فتح خيبر كان أقرب.
وقرأ الحسن، ونوح القارىء : وآتاهم، أي أعطاهم ؛ والجمهور : وأثابهم من الثواب.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى