مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي

عن الكتاب
ثم لما بين حال المخلفين بعد قوله ﴿إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله﴾ عاد إلى بيان حالهم وقال :﴿لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم﴾ من الصدق كما علم ما في قلوب المنافقين من المرض ﴿فأنزل السكينة عليهم﴾ حتى بايعوا على الموت، وفيه معنى لطيف وهو أن الله تعالى قال قبل هذه الآية ﴿ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات﴾ فجعل طاعة الله والرسول علامة لإدخال الله الجنة في تلك الآية، وفي هذه الآية بين أن طاعة الله والرسول وجدت من أهل بيعة الرضوان، أما طاعة الله فالإشارة إليها بقوله ﴿لقد رضي الله عن المؤمنين﴾ وأما طاعة الرسول فبقوله ﴿إذ يبايعونك تحت الشجرة﴾ بقي الموعود به وهو إدخال الجنة أشار إليه بقوله تعالى :﴿لقد رضي الله عن المؤمنين﴾ لأن الرضا يكون معه إدخال الجنة كما قال تعالى :﴿ويدخلهم جنات تجرى من تحتها الأنهار خالدين فيها رضي الله عنهم﴾.
ثم قال تعالى :﴿فعلم ما في قلوبهم﴾ والفاء للتعقيب وعلم الله قبل الرضا لأنه علم ما في قلوبهم من الصدق فرضي عنهم فكيف يفهم التعقيب في العلم ؟ نقول قوله ﴿فعلم ما في قلوبهم﴾ متعلق بقوله ﴿إذ يبايعونك تحت الشجرة﴾ كما يقول القائل فرحت أمس إذ كلمت زيدا فقام إلي، أو إذ دخلت عليه فأكرمني، فيكون الفرح بعد الإكرام ترتيبا كذلك، هاهنا قال تعالى :﴿لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم﴾ من الصدق إشارة إلى أن الرضا لم يكن عند المبايعة فحسب، بل عند المبايعة التي كان معها علم الله بصدقهم، والفاء في قوله ﴿فأنزل السكينة عليهم﴾ للتعقيب الذي ذكرته فإنه تعالى رضي عنهم فأنزل السكينة عليهم، وفي ﴿فعلم﴾ بيان وصف المبايعة بكونها معقبة بالعلم بالصدق الذي في قلوبهم وهذا توفيق لا يتأتى إلا لمن هداه الله تعالى إلى معاني كتابه الكريم وقوله تعالى :﴿وأثابهم فتحا قريبا﴾ هو فتح خيبر.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى