لباب التأويل في معاني التنزيل — الخازن

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها﴾ يعني المغانم التي تغنمونها من الفتوحات التي تفتح لكم إلى يوم القيامة ﴿فعجل لكم هذه﴾ يعني مغانم خيبر وفيه إشارة إلى كثرة الفتوحات والغنائم التي يعطيهم الله عز وجل في المستقبل وإنما عجل لهم هذه كعجالة الراكب أعجلها الله لكم وهي في جنب ما وعدكم الله به من الغنائم كالقليل من الكثير ﴿وكف أيدي الناس عنكم﴾ وذلك أن النبي ﷺ لما قصد خيبر وحاصر أهلها، همت قبائل من بني أسد وغطفان أن يغيروا على عيال المسلمين وذراريهم بالمدينة، فكف الله عز وجل أيديهم بإلقاء الرعب في قلوبهم. وقيل : المعنى إن الله عز وجل كف أيدي أهل مكة بالصلح عنكم لتمام المنّة عليكم ﴿ولتكون آية للمؤمنين﴾ هو عطف على ما تقدم تقديره، فعجل لكم الغنائم لتنتفعوا بها، ولتكون آية للمؤمنين. يعني : ولتحصل من بعدكم آية تدلهم على أن ما وهبكم الله يحصل مثله لهم. وقيل : لتكون آية للمؤمنين دالة على صدق الرسول ﷺ في إخباره عن الغيوب، فيزدادوا يقيناً إلى يقينهم ويعلموا أن الله هو المتولي حياطتهم وحراستهم في مشهدهم ومغيبهم ﴿ويهديكم صراطاً مستقيماً﴾ يعني ويهديكم إلى دين الإسلام ويثبتكم عليه ويزيدكم بصيرة ويقيناً بصلح الحديبية وفتح خيبر.
( ذكر غزوة خيبر )
وذلك أن رسول الله ﷺ لما رجع من الحديبية أقام بالمدينة بقية ذي الحجة وبعض المحرم ثم خرج إلى خيبر في بقية المحرم سنة سبع ( ق ). عن أنس أن النبي ﷺ كان إذا غزا قوماً لم يكن يغزو بنا حتى يصبح وينظر فإن سمع أذاناً كف عنهم. وإن لم يسمع أذاناً أغار عليهم. قال : فخرجنا إلى خيبر فلما انتهينا إليهم ليلاً فلما أصبح ولم يسمع أذاناً ركب وركبت خلف أبي طلحة وإن قدمي لتمس قدم النبي ﷺ قال فخرجوا علينا بمكاتلهم ومساحيهم فلما رأوا رسول الله ﷺ قالوا محمد والخميس فلما رآهم النبي ﷺ قال «الله أكبر خربت خيبر إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين » ( م )عن سلمة بن الأركع قال : خرجنا إلى خيبر مع رسول الله ﷺ فجعل عمي عامر يرتجز بالقوم :
تالله لولا الله ما اهتديناولا تصدقنا ولا صلينا
ونحن عن فضلك ما استغنينافثبت الأقدام إن لاقينا
وأنزلن سكينة علينا ****. . .
فقال رسول الله ﷺ :«من هذا ؟ » قال : أنا عامر. قال :«غفر لك ربك » قال : وما استغفر رسول الله ﷺ لإنسان يخصه إلا استشهد. قال : فنادى عمر بن الخطاب وهو على جمل له : يا نبي الله لولا متعتنا بعامر. قال : فلما قدمنا خيبر خرج ملكهم مرحب يخطر بسيفه يقول :
قد علمت خيبر أني مرحبشاكي السلاح بطل مجرب
إذا الحروب أقبلت تلتهب ***. . .
قال : وبرز له عمي عامر فقال :
قد علمت خيبر أني عامرشاكي السلاح بطل مغامر
قال : فاختلفا بضربتين فوقع سيف مرحب في ترس عامر، وذهب عامر يسفل له، فرجع سيفه على نفسه فقطع أكحله، فكانت فيها نفسه. قال سلمة : فخرجت فإذا نفر من أصحاب رسول الله ﷺ يقولون : بطل عمل عامر قتل نفسه فأتيت رسول الله ﷺ وأنا أبكي فقلت : يا رسول الله بطل عمل عمي عامر قال رسول الله ﷺ : من قال ذلك ؟ قلت : ناس من أصحابك. قال : كذب من قال ذلك بل له أجره مرتين. ثم أرسلني إلى علي وهو أرمد فقال : لأعطين الراية رجلاً يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله. قال : فأتيت علياً فجئت به أقوده وهو أرمد حتى أتيت به رسول الله ﷺ. فبصق في عينيه فبرأ، وأعطاه الراية فخرج مرحب فقال :
قد علمت خيبر أني مرحبشاكي السلاح بطل مجرب
إذا الحروب أقبلت تلتهب***. . .
فقال علي رضي الله عنه :
أنا الذي سمتني أمي حيدرهكليث غابات كريه المنظره
أوفيهم بالصاع كيل السندره*. . . .
قال فضرب مرحباً فقتله ثم كان الفتح على يده. أخرجه مسلم بهذا اللفظ وقد أخرج البخاري طرفاً منه قال البغوي وقد روى حديث فتح خيبر جماعة منهم سهل بن سعد وأنس بن مالك وأبو هريرة يزيدون وينقصون فيه «أن رسول الله ﷺ كان قد أخذته الشقيقة فلم يخرج إلى الناس، فأخذ أبو بكر راية رسول الله ﷺ ثم نهض فقاتل قتالاً شديداً، ثم رجع فأخذها عمر فقاتل قتالاً شديداً هو أشد من القتال الأول، ثم رجع فأخبر رسول الله ﷺ بذلك، فقال : لأعطين الراية غداً رجلاً يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله ويفتح الله على يديه، فدعا علياً فأعطاه الراية وقال له : امش ولا تلتفت حتى يفتح الله عليك فأتى خيبر فخرج مرحب صاحب الحصن وعلى رأسه مغفر من حجر قد نقبه مثل البيضة وهو يرتجز، فخرج إليه علي بن أبي طالب، فضربه فقد الحجر والمغفر وفلق رأسه حتى أخذ السيف في الأضراس، ثم خرج بعد مرحب أخوه ياسر وهو يرتجز، فخرج إليه الزبير بن العوام فقالت أمه صفية بنت عبد المطلب : يقتل ابني يا رسول الله ؟ قال : ابنك يقتله إن شاء الله. ثم التقيا، فقتله الزبير. ثم كان الفتح ثم لم يزل رسول الله ﷺ يفتح الحصون ويقتل المقاتلة ويسبي الذرية ويحوز الأموال ». قال محمد بن إسحاق : فكان أول حصونهم افتتح حصن ناعم وعنده قتل محمود بن مسلمة ألقت اليهود عليه حجراً فقتله ثم فتح حصن ابن أبي الحقيق فأصاب سبايا منهم صفية بنت حيي بن أخطب جاء بها بلال وبأخرى معها فمر بها على قتلى من قتلى يهود، فلما رأتهم التي مع صفية، صاحت وصكت وجهها وحثت التراب على رأسها، فلما رآها رسول الله ﷺ قال :«اعزبوا عني هذه الشيطانة » وأمر بصفية فجهزت خلفه وألقى عليها رداءه، فعرف المسلمون أن رسول الله ﷺ قد اصطفاها لنفسه وقال رسول الله ﷺ لبلال لما رأى من تلك اليهودية ما رأى أنزعت منك الرحمة يا بلال حيث تمر بامرأتين على قتلى رجالهما وكانت صفية قد رأت في المنام وهي عروس بكنانة بن الربيع بن أبي الحقيق أن قمراً وقع في حجرها، فعرضت رؤياها على زوجها فقال : ما هذا إلا أنك تتمنين ملك الحجاز محمداً ثم لطم وجهها لطمة اخضرت منها عينها، فأتى بها رسول الله ﷺ وبها أثر منها فسألها عن ذلك ما هو، فأخبرته الخبر، وأتى رسول الله ﷺ بزوجها كنانة بن الربيع وكان عنده كنز بني النضير فسأله، فجحد أن يكون يعلم مكانه، فأتى رسول الله ﷺ برجل من اليهود فقال لرسول الله ﷺ : إني رأيت كنانة يطوف بهذه الخربة كل غداة فقال رسول الله ﷺ لكنانة : أرأيت إن وجدناه عندك أنقتلك قال : نعم فأمر رسول الله ﷺ بالخربة فحفرت فأخرج منها بعض كنزهم ثم سأله ما بقي، فأبى أن يؤديه إليه فأمر به رسول الله ﷺ إلى الزبير بن العوام أن يعذبه حتى يستأصل ما عنده فكان الزبير يقدح بزنده على صدره حتى أشرف على نفسه ثم دفعه إلى محمد بن مسلمة فضرب عنقه بأخيه محمود بن مسلمة » ( ق )عن أنس بن مالك، أن رسول الله ﷺ غزا خيبر فصلينا عندها صلاة الغداة بغلس فركب نبي الله ﷺ وركب أبو طلحة وأنا رديف أبي طلحة فأجرى نبي الله ﷺ في زقاق خيبر وإن ركبتي لتمس فخذ نبي الله ﷺ ثم حسر الإزار عن فخذه حتى إني أنظر بياض فخذ النبي ﷺ، فلما دخل القرية قال : الله أكبر خربت خيبر إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين قالها ثلاثاً. قال : وخرج القوم إلى أعمالهم فقالوا محمد والخميس يعني الجيش. قال : فأصبناها عنوة فجمع السبي فجاء دحية فقال : يا رسول الله ﷺ أعطني جارية من السبي. قال : اذهب فخذ جارية، فأخذ صفية بنت حيي فجاء رجل إلى النبي ﷺ فقال : يا نبي الله أعطيت دحية صفية بنت حيي سيدة قريظة والنضير لا تصلح إلا لك قال : ادعوها فجاء بها، فلما نظر إليها النبي ﷺ قال : خذ جارية من السبي غيرها، فأعتقها النبي ﷺ وتزوجها. فقال له ثابت : يا أبا حمزة ما أصدقها قال نفسها أعتقها وتزوجها، حتى إذا كان بالطريق، جهزتها له أم سليم، فأهدتها له من الليل وأصبح النبي ﷺ عروساً فقال : من كان عنده شيء فليجئ به. وبسط نطعاً فجعل الرجل يجيء بالتمر وجعل الآخر يجيء بالسمن قال : وأحسبه ذكر السويق. قال : فحاسوا حيساً فكانت وليمة رسول الله ﷺ ( ق ). عن عبد الله بن أبي أوفى قال :«أصابتنا مجاعة ليالي خيبر، فلما كان يوم خيبر وقعنا في الحمر الأهلية فانتحرناها فلما غلت بها القدور نادى منادي رسول الله ﷺ أن أكفئوا القدور ولا تأكلوا من لحوم الحمر شيئاً ». فقال أناس : نهى عنها لأنها لم تخمس وقال آخرون : إنما نهى عنها البتة ( ق )عن أنس :«أن امرأة يهودية أتت رسول الله ﷺ بشاة مسمومة فجيء بها إلى رسول الله ﷺ فسألها عن ذلك فقالت : أردت لأقتلك فقال : ما كان الله ليسلطك على ذلك. أو قال علي قالوا أنقلتها قال لا فما زلت أعرفها في لهوات رسول الله ﷺ ».
قال محمد بن إسماعيل قال يونس عن الزهري قال عروة قالت عائشة : كان النبي ﷺ يقول في مرضه الذي مات فيه :«يا عائشة ما أزال أجد ألم الطعام الذي أكلت بخيبر فهذا أوان وجدت انقطاع أبهري من ذلك السم » ( خ ). عن عائشة قالت :«لما فتحت خيبر قلنا الآن نشبع من التمر »( ق )عن ابن عمر «أن عمر أجلى اليهود والنصارى من أرض الحجاز وأن رسول الله ﷺ لما ظهر على خيبر أراد إخراج اليهود منها وكانت الأرض لما ظهر عليها لله ولرسوله ﷺ وللمسلمين فأراد إخراج اليهود منها فسألت اليهود رسول الله ﷺ أن يقرهم بها على أن يكفوا العمل ولهم نصف التمر، فقال لهم رسول الله ﷺ : نقركم بها على ذلك ما شئنا فقروا بها. حتى أجلاهم عمر في إمارته إلى تيماء وأريحاء. قال محمد بن إسحاق : لما سمع أهل فدك بما صنع رسول الله ﷺ بخيبر بعثوا إلى رسول الله ﷺ يسألونه أن يحقن دماءهم وأن يسيرهم ويخلوا له الأموال ففعل بهم ثم إن أهل خيبر سألوا رسول الله ﷺ أن يعاملهم على النصف ففعل على أن لنا إذا شئنا إخراجكم فصالحه أهل فدك على مثل ذلك فكانت خيبر للمسلمين وكانت فدك خالصة لرسول الله ﷺ لأنهم لم يجلبوا عليها بخيل ولا ركاب، فلما اطمأن رسول الله ﷺ، أهدت له زينب بنت الحارث امرأة سلام بن مشكم اليهودية شاة مصلية، يعني مشوية، وسألت أي عضو من الشاة أحب إلى رسول الله ﷺ فقيل لها : الذراع، فأكثرت فيها السم، وسمّت سائر الشاة، ثم جاءت بها فلما وضعتها بين يدي رسول الله ﷺ تناول الذراع فأخذها، فلاكَ منها قطعة فلم يسغها ومعه بشر بن البراء بن معرور، فأخذ منها كما أخذ رسو

تفسير هذه الآية من كتب أخرى