اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
قوله :«وأخرى » يجوز فيها أوجه :
أحدها : أن تكون مرفوعة بالابتداء و﴿لَمْ تَقْدِرُواْ عَلَيْهَا﴾ صفتها و﴿قَدْ أَحَاطَ الله بِهَا﴾ خبرها.
الثاني : أن الخبر «منهم » محذوف مقدر قبلها، أي وَثَمَّ أخرى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا.
الثالث : أن تكون منصوبة بفعل مضمر على شريطة التفسير، فتقدر بالفعل من معنى المتأخر وهو ﴿قَدْ أَحَاطَ الله بِهَا﴾ أي وقَضَى اللهُ أُخَْرَى.
( الرابع : أن تكون منصوبة بفعل مضمر لا على شريطة التفسير، بل لِدَلاَلة السِّياقِ، أي ووَعَدَ أُخْرَى، أو وآتاكُمْ أخرى(١).
الخامس : أن تكون مجرورة ب «رُبَّ » مقدرة، ويكون الواو واو «رب » ذكره الزمخشري(٢). وفي المجرور بعد الواو المذكورة خلاف(٣) مشهور أهو برُبَّ مضمرة أم بنفس الواو ؟ إلا أبا حيان قال : ولم تأت «رُبَّ » جارة في القرآن على كَثْرة دورها(٤)، يعني جارة لفظاً وإلا تقدر. قيل : إنها جارة تقديراً هنا وفي قوله :﴿رُّبَمَا﴾ [الحجر: ٢] على قولنا : إنّ ما نكرة موصوفةٌ )(٥).
قوله :﴿قَدْ أَحَاطَ الله بِهَا﴾ يجوز أن يكون خبراً ل «أُخْرَى » كما تقدم، أو صفة ثانية إذَا قِيلَ بأن أخرى مبتدأ وخبرها(٦) مضمر أو حالاً(٧) أيضاَ.

فصل


قال المفسرون : معناه أي وعدكم فتح بلدة أخرى لم تقِدروا عليها قد أحاط الله بها حتى يفتحها لكم كأنه حفظها لكم، ومنعها من غيركم حتى تأخذوها. قال ابن عباس ( رضي الله عنهما )(٨) علم الله أنه يفتحها لكم. قال ابن الخطيب : تقديره : وعدكم الله مغانم تأخذونها، ومغانم لا تأخذونها أنتم ولا تقدرون عليها، وإنما يأخذها من يجيء بعدكم من المؤمنين. وهذا تفسير الفراء(٩). قال : معنى قوله :﴿قَدْ أَحَاطَ الله بِهَا﴾ أي حفظها للمؤمنين، لا يجري عليها هلاك وفناء إلى أن يأخذها المسلمون كإحاطة الحُرَّاسِ بالخَزَائِنِ(١٠).
واختلفوا فيها فقال ابنُ عباس والحسن ومقاتل : هي فارس والرومُ، وما كانت العرب تقدر على قتال فارس والروم، بل كانوا حولاً لهم حتى قدروا عليها الإسلام.
وقال الضَّحَّاكُ وابنُ زيد : هي خيبر وعدها الله عزّ وجلّ نبيه ﷺ قبل أن يصيبها ولم يكونوا يرجونها. وقال قتادة : هي مكَّة. وقال عِكْرِمَةُ : حُنَيْن. وقال مجاهد : وما فَتَحُوا حتى اليوم، ﴿وَكَانَ الله على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً﴾(١١).
١ قال بهذه الأوجه الأربعة أبو البقاء في التبيان ١١٦٦ و١١٦٧، وقال الزمخشري بالوجهين الرابع والخامس. وانظر الكشاف ٣/٥٤٧..
٢ المرجع السابق..
٣ وقد نقل ابن هشام في المغني ٣٦١ أنه يرجح أن تكون الواو التي يجر الكلام بعدها واو عطف قال: والصحيح أنها واو العطف وأن الجر برب محذوفة خلافا للكوفيين والمبرد وحجتهم افتتاح القصائد بها كقول رؤبة:
وقاتم الأعماق خاوي المخترقن
وأجيب بجواز تقدير العطف على شيء في نفس المتكلم. ويوضح كونها عاطفة أن واو العطف لا تدخل عليها كما تدخل على واو القسم قال:
ووالله لولا تمره ما حببته ولا كان أدنى من عبيد ومشرق.

٤ بالمعنى من البحر فقد قال: "ولم تأت في القرآن جارة مع كثرة ورود ذلك في كلام العرب فكيف يؤتي بها مضمرة؟" انظر البحر ٨/٩٧..
٥ أي رب شيء هذا. وما بين القوسين كله سقط من نسخة ب..
٦ في ب وخبره..
٧ في النسختين حال والأصح ما أثبت أعلى فالمؤلف يقصد أو حالا بالعطف على خبرا لأخرى أي ويجوز أن تكون جملة "قد أحاط" حالية. وانظر الإعراب في التبيان ١١٦٧..
٨ زيادة من أ..
٩ في الرازي: وعلى هذا تبين لقول الفراء حسن، وذلك لأنه فسر قوله تعالى: ﴿قد أحاط﴾. انظر الرازي ٢٨/٩٧..
١٠ بالمعنى من الفراء قال: "قد أحاط الله بها" أحاط لكم بها أن يفتحها لكم. معاني القرآن وإعرابه ٣/٦٧..
١١ القرطبي ١٦/٢٧٨..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى