معالم التنزيل — البغوي
عن الكتاب
قوله عز وجل ﴿هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام﴾ الآية. روى الزهري، عن عروة ابن الزبير، عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم قالا : خرج رسول الله ﷺ من المدينة زمن الحديبية في بضع عشرة مائة من أصحابه، يريدون زيارة البيت، لا يريد قتالاً، وساق معه سبعين بدنةً، والناس سبعمائة رجل، وكانت كل بدنة عن عشرة نفر، فلما أتى ذا الحليفة قلد الهدي وأشعره وأحرم منها بعمرة، وبعث عيناً له من خزاعة يخبره عن قريش، وسار النبي ﷺ حتى كان بغدير الأشطاط قريباً من عسفان، أتاه عينه الخزاعي وقال : إن قريشاً قد جمعوا لك جموعاً، وقد جمعوا لك الأحابيش، وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت، فقال محمد ﷺ : أشيروا علي أيها الناس، أترون أن أميل على ذراري هؤلاء الذين عاونوهم فنصيبهم ؟ فإن قعدوا قعدوا موتورين، وإن نجوا تكن عنقاً قطعها الله ؟ أو ترون أن نؤم البيت فمن صدنا عنه قاتلناه ؟ فقال أبو بكر : يا رسول الله إنما خرجت عامداً لهذا البيت لا تريد قتال أحد ولا حرباً، فتوجه له فمن صدنا عنه قاتلناه. فقال : امضوا على اسم الله، فنفروا، قال النبي ﷺ إن خالد بن الوليد بالغميم في خيل لقريش طليعة، فخذوا ذات اليمين، فوالله ما شعر بهم خالد حتى إذا هم بقترة الجيش فانطلق يركض نذيراً لقريش، وسار محمد ﷺ حتى إذا كان بالثنية التي يهبط عليهم منها بركت به راحلته، فقال الناس : حل حل، فألحت، فقالوا : خلأت القصوا خلأت القصوا، فقال : محمد ﷺ : ما خلأت القصوا وما ذاك لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل، ثم قال : والذي نفسي بيده لا تدعوني قريش اليوم إلى خطة يعظمون فيها حرمات الله وفيها صلة الرحم إلا أعطيتهم إياه، ثم زجرها فوثبت. قال : فعدل عنهم حتى نزل بأقصى الحديبية على ثمد قليل الماء يتربضه الناس تربضاً، فلم يلبث الناس أن نزحوه، وشكا الناس إلى محمد ﷺ العطش، فنزع سهماً من كنانته وأعطاه رجلاً من أصحابه يقال له ناجية بن عمير، وهو سائق بدن محمد ﷺ، فنزل في البئر فغرزه في جوفه، فوالله ما زال يجيش لهم بالري حتى صدروا عنه، فبينما هم كذلك إذ جاءه بديل بن ورقاء الخزاعي في نفر من قومه وكانت خزاعة وكانوا عيبة نصح نبي الله ﷺ من أهل تهامة، فقال : إني تركت كعب بن لؤي، وعامر بن لؤي، نزلوا أعداد مياه الحديبية معهم العوذ المطافيل، وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت. فقال النبي ﷺ : إنا لم نجيء لقتال أحد، ولكنا جئنا معتمرين، وإن قريشاً قد نكتهم الحرب وأضرت بهم، فإن شاؤوا ماددتهم مدة ويخلوا بيني وبين البيت ؟ وإن شاؤوا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس فعلوا، وإلا فقد جموا وإن هم أبوا فوالذي نفسي بيده لأقاتلنهم عن أمري هذا حتى تنفرد سالفتي هذا أو لينفذن الله أمره. فقال بديل : سأبلغهم ما تقول، فانطلق حتى أتى قريشاً، قال : إنا جئناكم من عند هذا الرجل، وسمعناه يقول قولاً، فإن شئتم أن نعرضه عليكم فعلنا، قال : فقال سفهاؤهم : لا حاجة لنا أن تخبرنا عنه بشيء، وقال ذوو الرأي منهم : هات ما سمعته يقول. قال : سمعته يقول كذا وكذا، فحدثهم بما قال النبي ﷺ. فقام عروة بن مسعود الثقفي فقال : أي قوم ألست بالوالد ؟ قالوا : بلى، قال : أولستم بالولد ؟ قالوا : بلى، قال : فهل تتهموني ؟ قالوا : لا، قال : ألستم تعلمون أني استنفرت أهل عكاظ فلما بلحوا علي جئتكم بأهلي وولدي ومن أطاعني ؟ قالوا : بلى، قال : فإن هذا قد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها ودعوني آته، قالوا : ائته. فأتاه فجعل يكلم النبي ﷺ، فقال ﷺ نحواً من قوله لبديل. فقال عروة عند ذلك : يا محمد أرأيت إن استأصلت أمر قومك ؟ هل سمعت بأحد من العرب اجتاح أصله قبلك ؟ وإن تكن الأخرى، فإني والله لأرى وجوهاً وإني لأرى أشواباً من الناس خليقاً أن يفروا ويدعوك. فقال له أبو بكر الصديق : امصص بظر اللات، أنحن نفر عنه وندعه ؟. فقال : من ذا ؟ قالوا : أبو بكر، فقال : أما والذي نفسي بيده لولا يد كانت لك عندي لم أجزك بها لأجبتك. قال : وجعل يكلم النبي ﷺ، وكلما كلمه أخذ بلحيته، والمغيرة بن شعبة قائم على رأس النبي ﷺ ومعه السيف وعليه المغفر، فكلما أهوى عروة بيده إلى لحية النبي ﷺ ضرب يده بنعل السيف، وقال أخر يدك عن لحية رسول الله ﷺ، فرفع عروة رأسه فقال : من هذا ؟ قالوا : المغيرة بن شعبة، فقال : أي غدر ألست أسعى في غدرتك. وكان المغيرة صحب قوماً في الجاهلية فقتلهم وأخذ أموالهم ثم جاء فأسلم، فقال النبي ﷺ : أما الإسلام فأقبل، وأما المال فلست منه في شيء. ثم إن عروة جعل يرمق أصحاب النبي ﷺ، قال : فوالله ما تنخم النبي ﷺ نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم، فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده، وما يحدون إليه النظر تعظيماً له، فرجع عروة إلى أصحابه، فقال : أي قوم والله لقد وفدت على الملوك ووفدت على قيصر وكسرى والنجاشي، والله إن رأيت ملكاً قط يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد محمداً، والله إن تنخم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم، فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده، وما يحدون إليه النظر تعظيماً له، وإنه قد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها. فقال رجل من بني كنانة : دعوني آته، فقالوا : ائته، فلما أشرف على النبي ﷺ وأصحابه، قال النبي ﷺ : هذا فلان وهو من قوم يعظمون البدن، فابعثوها له، فبعثت له واستقبله الناس يلبون، فلما رأى ذلك قال : سبحان الله ما ينبغي لهؤلاء أن يصدوا عن البيت ؟ فلما رجع إلى أصحابه قال : رأيت البدن قد قلدت وأشعرت، فما أرى أن يصدوا عن البيت. ثم بعثوا إليه الحليس بن علقمة وكان يومئذ سيد الأحابيش، فلما رآه النبي ﷺ قال : إن هذا من قوم يتألهون فابعثوا بالهدي في وجهه حتى يراه، فلما رأى الهدي يسيل عليه من عرض الوادي في قلائده قد أكل أوباره من طول الحبس، رجع إلى قريش ولم يصل إلى رسول الله ﷺ إعظاماً لما رأى، فقال : يا معشر قريش إني قد رأيت ما لا يحل صده الهدي في قلائده، وقد أكل أوباره من طول الحبس عن محله، فقالوا له : اجلس إنما أنت رجل أعرابي لا علم لك، فغضب الحليس عند ذلك، فقال : يا معشر قريش والله ما على هذا حالفناكم، ولا على هذا عاقدناكم، أن تصدوا عن بيت الله من جاءه معظماً له، والذي نفس حليس بيده لتخلن بين محمد وبين ما جاء له، أو لأنفرن بالأحابيش نفرة رجل واحد، فقالوا له : مه، كف عنا يا حليس حتى نأخذ لأنفسنا بما نرضى به. فقام رجل منهم يقال له : مكرز بن حفص، فقال : دعوني آته، فقالوا : ائته، فلما أشرف عليهم، قال النبي ﷺ : هذا مكرز وهو رجل فاجر، فجعل يكلم النبي ﷺ، فبينما هو يكلمه إذ جاء سهيل بن عمرو، وقال عكرمة : فلما رآه النبي ﷺ قال : قد سهل لكم من أمركم. قال الزهري في حديثه : فجاء سهيل بن عمرو، فقال : هات نكتب بيننا وبينكم كتاباً، فدعا رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقال له : اكتب بسم الله الرحمن الرحيم. فقال سهيل : أما الرحمن فوالله ما أدري ما هو، ولكن اكتب باسمك اللهم، كما كنت تكتب. فقال المسلمون : والله لا نكتبها إلا بسم الله الرحمن الرحيم. فقال النبي ﷺ لعلي : اكتب باسمك اللهم، ثم قال : اكتب هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله ﷺ. فقال سهيل : والله لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت ولا قاتلناك، ولكن اكتب : محمد بن عبد الله. فقال رسول الله ﷺ : والله إني لرسول الله وإن كذبتموني، اكتب يا علي محمد ابن عبد الله قال الزهري : وذلك لقوله : لا يسألون خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها، فكتب : هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد الله سهيل بن عمرو، واصطلحا على وضع الحرب عن الناس عشر سنين، يأمن فيه الناس ويكف بعضهم عن بعض، فقال النبي ﷺ : وعلى أن تخلوا بيننا وبين البيت، فنطوف به، فقال سهيل : والله لا تتحدث العرب إنا أخذنا ضغطة ولكن ذلك من العام المقبل، فكتب، فقال سهيل، وعلى أن لا يأتيك منا رجل -وإن كان على دينك- إلا رددته إلينا، فقال المسلمون : سبحان الله كيف يرد إلى المشركين وقد جاء مسلماً ؟. وروى أبو إسحاق عن البراء قصة الصلح وفيه قالوا : لو نعلم أنك رسول الله ما منعناك شيئاً ولكن أنت محمد بن عبد الله، قال : أنا رسول الله وأنا محمد بن عبد الله، ثم قال لعلي رضي الله عنه : امح رسول الله، قال علي : لا والله لا أمحوك أبداً، قال : فأرينه، فأراه إياها، فمحاه النبي ﷺ بيده، وفي رواية : فأخذ النبي ﷺ وليس يحسن أن يكتب، فكتب هذا ما قضى محمد بن عبد الله. قال البراء : صالح على ثلاثة أشياء : على أن من أتاه من المشركين رده إليهم، ومن أتاهم من المسلمين لم يردوه، وعلى أن يدخلها من قابل، ويقيم بها ثلاثة أيام، ولا يدخلها إلا بجلباب السلاح السيف والقوس ونحوه ".
روى ثابت عن أنس : أن قريشاً صالحوا النبي ﷺ فاشترطوا : أن من جاءنا منكم لم نرده عليكم، ومن جاءكم منا رددتموه علينا، فقالوا : يا رسول الله أنكتب هذا ؟ قال : نعم إنه من ذهب منا إليهم فأبعده الله، ومن جاءنا منهم سيجعل الله فرجاً ومخرجاً. رجعنا إلى حديث الزهري، فبيناهم كذلك إذ جاء أبو جندل بن سهيل بن عمرو، يرسف في قيوده قد انفلت وخرج من أسفل مكة، حتى رمى بنفسه بين أظهر المسلمين، فقال سهيل : هذا يا محمد أول من أقاضيك عليه أن ترده إلي، فقال النبي ﷺ : إنا لم نقض الكتاب بعد، قال : فوالله إذاً لا أصالحك علي شيء أبداً، فقال رسول الله ﷺ : فأجره لي، فقال : فما أنا بمجيره لك، قال : بلى فافعل، قال : ما أنا بفاعل، ثم جعل سهيل يجره ليرده إلى قريش، قال أبو جندل : أي معشر المسلمين أرد إلى المشركين وقد جئت مسلماً ألا ترون ما قد لقيت ؟ وكان قد عذب عذاباً شديداً في الله. وفي الحديث : أن رسول الله ﷺ قال : يا أبا جندل احتسب فإن الله جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجاً ومخرجاً، إنا قد عقدنا بيننا وبين القوم عقداً وصلحاً، وإنا لا نغدر، فوثب عمر يمشي إلى جنب أبي جندل، ويقول : اصبر فإنما هم المشركون ودم أحدهم كدم كلب، ويدني قائم السيف منه، قال عمر : رجوت أن يأخذ السيف فيضرب به أباه فضن الرجل بأبيه. وقد كان أصحاب رسول الله صلى الله علي
روى ثابت عن أنس : أن قريشاً صالحوا النبي ﷺ فاشترطوا : أن من جاءنا منكم لم نرده عليكم، ومن جاءكم منا رددتموه علينا، فقالوا : يا رسول الله أنكتب هذا ؟ قال : نعم إنه من ذهب منا إليهم فأبعده الله، ومن جاءنا منهم سيجعل الله فرجاً ومخرجاً. رجعنا إلى حديث الزهري، فبيناهم كذلك إذ جاء أبو جندل بن سهيل بن عمرو، يرسف في قيوده قد انفلت وخرج من أسفل مكة، حتى رمى بنفسه بين أظهر المسلمين، فقال سهيل : هذا يا محمد أول من أقاضيك عليه أن ترده إلي، فقال النبي ﷺ : إنا لم نقض الكتاب بعد، قال : فوالله إذاً لا أصالحك علي شيء أبداً، فقال رسول الله ﷺ : فأجره لي، فقال : فما أنا بمجيره لك، قال : بلى فافعل، قال : ما أنا بفاعل، ثم جعل سهيل يجره ليرده إلى قريش، قال أبو جندل : أي معشر المسلمين أرد إلى المشركين وقد جئت مسلماً ألا ترون ما قد لقيت ؟ وكان قد عذب عذاباً شديداً في الله. وفي الحديث : أن رسول الله ﷺ قال : يا أبا جندل احتسب فإن الله جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجاً ومخرجاً، إنا قد عقدنا بيننا وبين القوم عقداً وصلحاً، وإنا لا نغدر، فوثب عمر يمشي إلى جنب أبي جندل، ويقول : اصبر فإنما هم المشركون ودم أحدهم كدم كلب، ويدني قائم السيف منه، قال عمر : رجوت أن يأخذ السيف فيضرب به أباه فضن الرجل بأبيه. وقد كان أصحاب رسول الله صلى الله علي