الكشف والبيان عن تفسير القرآن — الثعلبي

عن الكتاب
﴿هُمْ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْىَ مَعْكُوفاً﴾ محبوساً. أي وصدّوا الهدي معكوفاً محبوساً.
) أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ ( منحره، وكان سبعين بدنة، روى الزهيري، عن عروة بن الزبير، عن المسوّر بن مخرمة، ومروان بن الحكم، قالا : خرج رسول الله ( ﷺ ) من المدينة عام الحديبية يريد زيارة البيت، لا يريد قتالاً، وساق معه سبعين بدنة، وكان الناس سبعمائة رجل، فكانت كلّ بدنة عن عشرة نفر، فلمّا بلغ ذا الحليفة، تنامى إليه النّاس، فخرج في بضع عشرة مائة من أصحابه، حتّى إذا كانوا بذي الحليفة قلّد الهدي، وأشعره، وأحرم بالعمرة، وكشف بين يديه عيناً من خزاعة يخبره عن قريش.
وسار النبيّ ( ﷺ ) حتّى إذا كان بغدير الأشطاط، قريباً من عسفان أتاه عينه الخزاعي، فقال : إنّي تركت كعب بن لؤي وعامر بن لؤي، قد جمعوا لك الأحابيش، وهم مقاتلوك، وصادّوك عن البيت، فقال النبي ( ﷺ ) ( أشيروا عليَّ، أترون أن نميل على ذراري هؤلاء الّذين عاونوهم فنصيبهم ؟ فإن قعدوا قعدوا موتورين، وان نجوا تكن عنقاً قطعها الله أو ترون أن نأمّ البيت، فمن صدّنا عنه قاتلناه ).
فقام أبو بكر ح، فقال : يا رسول الله إنّا لم نأت لقتال أحد، ولكن من حال بيننا، وبين البيت قاتلناه، فقال رسول الله ( عليه السلام ) :( فروحوا إذاً ).
وكان أبو هريرة يقول : ما رأيت أحداً قط أكثر مشاورة لأصحابه من النبيّ ( ﷺ ) فراحوا حتّى إذا كانوا بعسفان، لقيه بشر بن سفيان الكعبي، فقال له : يا رسول الله هذه قريش، قد سمعوا بسيرك، فخرجوا ومعهم العوذ المطافيل، قد لبسوا جلود المنون، ونزلوا بذي طوى، يحلفون بالله لا يدخلها عليهم أبداً، وهذا خالد بن الوليد في خيلهم قد قدّموها إلى كراع العميم. وقد ذكرت قول من قال : إنّ خالد بن الوليد يومئذ كان مع رسول الله ( ﷺ ) مسلماً، فقال رسول الله ( عليه السلام ) :( يا ويح قريش، قد أكلتهم الحرب، ماذا عليهم لو خلّوا بيني وبين سائر العرب ؟ فإن هم أصابوني كان ذلك الذي أرادوا، وإن أظهرني الله عليهم دخلوا في الإسلام وافرين، وإن لم يفعلوا قاتلوا وبهم قوّة، فما تظنّ قريش، فوالله لا أزال أجاهدهم على الذي بعثني الله به حتّى يظهره الله، أو تنفرد هذه السّالفة ).
ثمّ قال :( مَن رجل يخرج بنا على طريق غير طريقهم التي هم بها )، فقال رجل من أسلم : أنا يا رسول الله. فخرج على طريق وعر حزن بين شعاب، فلمّا خرجوا منه، وقد شقّ ذلك على المسلمين وأفضى إلى أرض سهلة عند منقطع الوادي، قال رسول الله ( ﷺ ) للناس :( قولوا : نستغفر الله، ونتوب إليه ). ففعلوا، فقال :( والله إنّها للحطّة التي عُرِضَت على بني إسرائيل، فلم يقولوها ).
ثمّ قال رسول الله للنّاس :( اسلكوا ذات اليمين ) في طريق يخرجه على ثنية المرار على مهبط الحديبية من أسفل مكّة.
فسلك الجيش ذلك الطريق، فلمّا رأت خيل قريش فترة قريش وأنّ رسول الله قد خالفهم عن طريقهم ركضوا راجعين إلى قريش ينذرونهم، وسار رسول الله ( ﷺ ) حتّى إذا سلك ثنية المرار بركت به ناقته، فقال النّاس : حل حل. فقال :( ما حل ؟ ) قالوا : حلأت الفضول. فقال رسول الله ( ﷺ ) ( ما حلأت، وما ذاك لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل ).
ثمّ قال :( والّذي نفسي بيده لا تدعوني قريش اليوم إلى خطة يعظمون بها حرمات الله، وفيها صلة الرحم إلاّ أعطيتهم إيّاها )، ثمّ قال للناس :( انزلوا ) فنزلوا بأقصى الحديبية على بئر قليلة الماء، إنّما يتبرضه الناس تبرضاً، فلم يلبث الناس أن ترجوه، فشكا الناس إلى رسول الله ( ﷺ ) العطش فنزع سهماً من كنانته، وأعطاه رجلاً من أصحابه يقال له : ناجية بن عمير بن يعمر بن دارم، وهو سائق بدن رسول الله، فنزل في ذلك البئر، فغرزه في جوفه، فجاش الماء بالريّ، حتّى صدروا عنه، ويقال : إنّ جارية من الأنصار أقبلت بدلوها، وناجية في القليب يمتح على الناس، فقالت :
يا أيّها الماتح دلوي دونكا
إنّي رأيت الناس يحمدونكا
يثنون خيراً ويمجّدونكا
أرجوك للخير كما يرجونكا
فقال :
قد علمت جارية يمانية
أنّي أنا الماتح واسمي ناجية
وطعنة ذات رشاش واهية
طعنتها عند صدور العادية
قال : فبينا هم كذلك، إذ جاء بديل بن ورقاء الخزاعي في نفر من قومه، وكانت خزاعة عيبة نصح رسول الله ( ﷺ ) من أهل تهامة، فقال : إنّي تركت كعب بن لؤي وعامر بن لؤي قد نزلوا بعَداد مياه الحديبية، معهم العوذ المطافيل، وهم مقاتلوك، وصادّوك عن البيت.
فقال النبيّ ( ﷺ ) ( إنّا لم نأتِ لقتال أحد، ولكن جئنا معتمرين، وإنّ قريشاً قد نهكتهم الحرب، وأضرّت بهم، فإن شاءوا ماددناهم مدة، ويخلّوا بيني وبين الناس، فإن أظهر، وإن شاءوا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس فعلوا، وإلاّ فقد حموا، فوالله لأُقاتلنّهم على أمري هذا، حتّى تنفرد سالفتي أو لينفذنّ الله أمره ).
فقال بديل : سنبلغهم ما تقول.
فانطلق حتّى أتى قريشاً، فقال : إنّا قد جئناكم من عند هذا الرجل، وسمعناه يقول قولاً، فإن شئتم أن نعرضه عليكم فعلنا، فقال سفهاؤوهم : لا حاجة لنا في أن تحدّثنا بشيء عنه، وقال ذوو الرأي منهم : هات ما سمعته يقول. قال : سمعته يقول كذا، وكذا. فحدّثهم بما قال النبيّ ( ﷺ ) فقام عروة بن مسعود الثقفي، فقال : أي قوم، ألستم بال الوالد ؟ قالوا : بلى. قال : ألستُ بالولد ؟ قالوا : بلى.
قال : فهل تتّهموني ؟ قالوا : لا. قال : أفلستم تعلمون أنّي استنفرت أهل عُكاظ، فلمّا ألحّوا عليَّ جئتكم بأهلي وولدي ومن أطاعني ؟ قالوا : بلى. قال : فإنّ هذا الرجل، قد عرض عليكم خطة رُشد فاقبلوها ودعوني آئته، قالوا : آتيه. فأتاه، فجعل يكلِّم النبيّ ( ﷺ ) فقال النبي نحواً من مقالته لبديل، فقال عروة عند ذلك : يا محمّد، أرأيت إن استأصلت قومك، فهل سمعت بأحد من العرب استباح، وقيل اجتاح أصله قبلك ؟ وإن تكن الأُخرى فوالله إنّي لأرى وجوهاً وأشواباً من الناس خُلقاً أن يفرّوا ويدعوك.
فقال أبو بكر الصدِّيق ح : امصص بظر اللات واللات طاغية ثقيف التي كانوا يعبدون أنحن نفرّ وندعه ؟ فقال : مَنْ هذا ؟ قالوا : أبو بكر. فقال : أما والّذي نفسي بيده، لولا يدٌ كانت لك عندي لم أجزك بها، لأجبتك، وجعل يكلِّم النبيّ ( ﷺ ) فكلّما كلّمه أخذ بلحيته، والمغيرة بن شعبة قائم على رأس رسول الله، ومعه السيف وعلى رأسه المغفر، فكلّما أهوى عروة بيده إلى لحية النبي ( ﷺ ) ضرب يده بنعل السيف، وقال : أخّر يدك عن لحيته، فرفع عروة رأسه، فقال : مَنْ هذا ؟ قالوا : المغيرة بن شعبة. قال : أي غدّار، أوَلستَ أسعى في غدرتك ؟ وكان المغيرة قد صحب قوماً في الجاهلية، فقتلهم، وأخذ أموالهم، ثمّ جاء فأسلم، فقال النبيّ ( ﷺ ) ( امّا الإسلام فقد قبلنا، وأمّا المال، فإنّه مال غدر لا حاجة لنا فيه ). وإنّ عروة جعل يرمق أصحاب رسول الله بعينه، فقال : والله لن يتنخم النبيّ ( ﷺ ) نخامة إلاّ وقعت في كفّ رجل منهم، فدلك بها وجهه، وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضّأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلّموا خفضوا أصواتهم عنده، وما يحدّون النظر إليه تعظيماً له.
فرجع عروة إلى أصحابه، فقال : أي قوم لقد وفدت على الملوك، ووفدت على قيصر، وكسرى، والنجاشي، والله إنْ رأيت مَلكاً يعظّمه أصحابه ما يعظّم أصحاب محمّد محمّداً، والله إن يتنجم نخامة إلاّ وقعت في كفّ رجل منهم، فدلك بها وجهه، وجلده، وإذا أمرهم أمراً ابتدروا أمره، وإذا توضّأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلّموا خفضوا أصواتهم، وما يحدّون النظر تعظيماً له، وإنّه قد عرض عليكم خطة رُشد فاقبلوها.
فقال رجل من كنانة : دعوني آتيه. قالوا : أتيه. فلمّا أشرف على النبيّ ( ﷺ ) وأصحابه، قال النبي :( هذا فلان من قوم يعظّمون البُدن، فابعثوها له ) فبعثت له، واستقبله قوم يلبّون، فلمّا رأى ذلك، قال : سبحان الله ما ينبغي لهؤلاء أن يصدّوا عن البيت، ثمّ بعثوا إليه الجليس بن علقمة بن ريان، وكان يومئذ سيّد الأحابيش، فلمّا رآه رسول الله قال ( ﷺ ) ( إنّ هذا من قوم يتألّهون، فابعثوا بالهدي في وجهه حتّى يراه ).
فلمّا رأى الهدي يسيل عليه من عرض الوادي في قلائده، قد أكل أوتاده من طول الحبس، رجع إلى قريش، ولم يصل إلى رسول الله ( ﷺ ) إعظاماً لما رأى، فقال : يا معشر قريش، إنّي قد رأيت ما لا يحل صدّه، الهدي في قلائده، قد أكل أوتاده من طول الحبس عن محلّه، فقالوا له : اجلس، فإنّما أنت أعرابي لا علم لك، فغضب الجليس عند ذلك، فقال : يا معشر قريش والله ما على هذا حالفناكم، ولا على هذا عاقدناكم أن تصدّوا عن بيت الله من جاءه معظِّماً له، والذي نفس الجليس بيده، لتخلنّ بين محمّد، وبين ما جاء له، أو لأنفرنّ بالأحابيش نفرة رجل واحد، فقالوا له : كفّ عنّا يا جليس حتّى نأخذ لأنفسنا بما نرضى به.
فقام رجل منهم يقال له : مكرز بن حفص، فقال : دعوني آته. فقالوا : ائته. فلمّا أشرف عليهم، قال النبي ( ﷺ ) ( هذا مكرز بن حفص، وهو رجل فاجر )، فجعل يكلِّم النبيّ ( ﷺ ) إذ جاء سهيل بن عمرو فلمّا رآه النبيّ ( ﷺ ) قال :( قد سهل لكم أمركم، القوم يأتون إليكم بأرحامكم، وسائلوكم الصلح، فابعثوا الهدي وأظهروا التلبية لعلّ ذلك يليّن قلوبهم ) فلبّوا من نواحي العسكر حتّى ارتجّت أصواتهم بالتلبية، فجاءوا، فسألوا الصلح، وقال سهيل : هات نكتب بيننا وبينكم كتاباً، فدعا رسول الله ( ﷺ ) علي بن أبي طالب ح فقال له :( اكتب : بسم الله الرحمن الرحيم ). فقال سهيل : أما الرّحمن فلا أدري ما هو، ولكن اكتب باسمك اللَّهُم، كما كنت تكتب، فقال المسلمون : والله لا نكتبها إلاّ بسم الله الرّحمن الرحيم.
فقال النبيّ ( ﷺ ) لعليّ :( اكتب باسمك اللَّهُم )، ثمّ قال :( اكتب : هذا ما صالح عليه محمّد رسول الله ). فقال سهيل : والله لو كنّا نعلم أنّك رسول الله ما صددناك عن البيت، ولا قاتلناك، ولكن اكتب اسمك واسم أبيك.
فقال النبيّ ( ﷺ ) ( والله إنّي لرسول الله وإن كذّبتموني ). ثمّ قال لعلي :( امح رسول الله )، فقال : والله لا أمحوك أبداً، فأخذه رسول الله وليس يحسن يكتب، فمحاه، ثمّ قال :( اكتب هذا ما قاضى عليه محمّد بن عبدالله سهيل بن عمرو، واصطلحا على وضع الحرب عن الناس عشر سنين، يأمن فيهنّ الناس ويكفّ بعضهم من بعض، وعلى أنّه من قدم مكّة من أصحاب محمّد حاجّاً أو معتمراً أو يبغي من فضل الله، فهو آمن على دمه وما

تفسير هذه الآية من كتب أخرى