فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني

عن الكتاب
قوله :﴿هُمُ الذين كَفَرُواْ وَصَدُّوكُمْ عَنِ المسجد الحرام﴾ يعني : كفار مكة، ومعنى : صدّهم عن المسجد الحرام : أنهم منعوهم أن يطوفوا به ويحلوا عن عمرتهم ﴿والهدي مَعْكُوفاً﴾ قرأ الجمهور بنصب ﴿الهَدْيِ﴾ عطفاً على الضمير المنصوب في ﴿صدّوكم﴾، وقرأ أبو عمرو في رواية عنه بالجرّ عطفاً على المسجد، ولا بدّ من تقدير مضاف : أي عن نحر الهدي، وقرئ بالرفع على تقدير وصدّ الهدي، وقرأ الجمهور بفتح الهاء من الهدي وسكون الدال، وروي عن أبي عمرو وعاصم بكسر الدال وتشديد الياء : وانتصاب ﴿معكوفاً﴾ على الحال من الهدي : أي محبوساً. قال الجوهري : عكفه أي حبسه ووقفه، ومنه ﴿والهدي مَعْكُوفاً﴾ ومنه الاعتكاف في المسجد، وهو الاحتباس. وقال أبو عمرو بن العلاء : معكوفاً مجموعاً، وقوله :﴿أَن يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ أي عن أن يبلغ محله، أو هو مفعول لأجله، والمعنى : صدّوا الهدي كراهة أن يبلغ محله، أو هو بدل من الهدي بدل اشتمال، ومحله : منحره، وهو حيث يحل نحره من الحرم، وكان الهدي سبعين بدنة، ورخّص الله سبحانه لهم بجعل ذلك الموضع الذي وصلوا إليه وهو الحديبية محلاً للنحر. وللعلماء في هذا كلام معروف في كتب الفروع ﴿وَلَوْلاَ رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَاء مؤمنات لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ﴾ يعني : المستضعفين من المؤمنين بمكة، ومعنى :﴿لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ﴾ : لم تعرفوهم وقيل : لم تعلموا أنهم مؤمنون ﴿أَن تَطَئُوهُمْ﴾ يجوز أن يكون بدلاً من رجال ونساء، ولكنه غلب الذكور، وأن يكون بدلاً من مفعول ﴿تعلموهم﴾، والمعنى : أن تطئوهم بالقتل والإيقاع بهم، يقال : وطئت القوم : أي أوقعت بهم، وذلك أنهم لو كسبوا مكة وأخذوها عنوة بالسيف لم يتميز المؤمنون الذين هم فيها من الكفار، وعند ذلك لا يأمنوا أن يقتلوا المؤمنين، فتلزمهم الكفارة وتلحقهم سبة، وهو معنى قوله :﴿فَتُصِيبَكمْ مّنْهُمْ﴾ أي من جهتهم ﴿مَّعَرَّةٌ﴾ أي مشقة بما يلزمهم في قتلهم من كفارة وعيب، وأصل المعرّة : العيب مأخوذة من العرّ، وهو الجرب، وذلك أن المشركين سيقولون : إن المسلمين قد قتلوا أهل دينهم. قال الزجاج : لولا أن تقتلوا رجالاً مؤمنين ونساء مؤمنات، فتصيبكم منهم معرّة : أي إثم، وكذا قال الجوهري، وبه قال ابن زيد. وقال الكلبي ومقاتل وغيرهما : المعرّة : كفارة قتل الخطأ، كما في قوله :﴿فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوّ لَّكُمْ وَهُوَ مْؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢] وقال ابن إسحاق : المعرّة : غرم الدية. وقال قطرب : المعرّة : الشدّة، وقيل : الغمّ، و ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ متعلق بأن تطئوهم، أي غير عالمين، وجواب «لولا » محذوف، والتقدير : لأذن الله لكم أو لما كفّ أيديكم عنهم، واللام في :﴿لّيُدْخِلَ الله فِي رَحْمَتِهِ مَن يَشَاء﴾ متعلقة بما يدلّ عليه الجواب المقدّر، أي ولكن لم يأذن لكم، أو كفَّ أيديكم ليدخل الله في رحمته بذلك من يشاء من عباده وهم المؤمنون والمؤمنات الذين كانوا في مكة، فيتمم لهم أجورهم بإخراجهم من بين ظهراني الكفار، ويفكّ أسرهم، ويرفع ما كان ينزل بهم من العذاب. وقيل : اللام متعلقة بمحذوف غير ما ذكر، وتقديره : لو قتلتموهم لأدخلهم الله في رحمته، والأوّل أولى. وقيل : إن ﴿من يشاء﴾ : عباده ممن رغب في الإسلام من المشركين ﴿لَوْ تَزَيَّلُواْ لَعَذَّبْنَا الذين كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيماً﴾ التّزيّل : التميز، أي لو تميز الذين آمنوا من الذين كفروا منهم لعذبنا الذين كفروا، وقيل التّزيّل : التفرق، أي لو تفرّق هؤلاء من هؤلاء، وقيل : لو زال المؤمنون من بين أظهرهم، والمعاني متقاربة، والعذاب الأليم هو القتل والأسر والقهر.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج أحمد والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس قال : نحروا يوم الحديبية سبعين بدنة، فلما صدّت عن البيت حنّت كما تحنّ إلى أولادها. وأخرج الحسن بن سفيان وأبو يعلى وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن قانع والباوردي والطبراني وابن مردويه. قال السيوطي بسند جيد عن أبي جمعة حنيذ بن سبع قال :«قابلت رسول الله ﷺ أوّل النهار كافراً، وقابلت معه آخر النهار مسلماً وفينا نزلت :﴿وَلَوْلاَ رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَاء مؤمنات﴾ وكنا تسعة نفر سبعة رجال وامرأتان»، وفي رواية عند ابن أبي حاتم : كنا ثلاثة رجال وتسع نسوة. وأخرج ابن أبي حاتم، وابن مردويه عن ابن عباس ﴿لَوْلاَ رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَاء مؤمنات لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ﴾ قال :«حين ردّوا النبي ﷺ ﴿أَن تَطَئُوهُمْ﴾ بقتلكم إياهم ﴿لَوْ تَزَيَّلُواْ﴾ يقول : لو تزيّل الكفار من المؤمنين لعذبهم الله عذاباً أليماً بقتلكم إياهم». وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن سهل بن حنيف أنه قال يوم صفين : اتهموا أنفسكم، فلقد رأيتنا يوم الحديبية، يعني : الصلح الذي كان بين النبي ﷺ، وبين المشركين ولو نرى قتالاً لقاتلنا، فجاء عمر إلى رسول الله ﷺ فقال :«يا رسول الله ألسنا على الحق وهم على الباطل ؟ أليس قتلانا في الجنة، وقتلاهم في النار ؟ قال :" بلى ". قال : ففيم نعطي الدنية في ديننا، ونرجع ولما يحكم الله بيننا وبينهم ؟ قال : يا ابن الخطاب إني رسول الله ولن يضيعني الله أبداً، فرجع متغيظاً، فلم يصبر حتى جاء أبا بكر فقال : يا أبا بكر ألسنا على الحق، وهم على الباطل ؟ قال : بلى، قال : أليس قتلانا في الجنة، وقتلاهم في النار ؟ قال : بلى، قال : ففيم نعطي الدنية في ديننا ؟ قال : يا ابن الخطاب إنه رسول الله ﷺ، ولن يضيعه الله أبداً، فنزلت سورة الفتح، فأرسل رسول الله ﷺ إلى عمر، فأقرأه إياها، قال : يا رسول الله أفتح هو ؟ قال : نعم». وأخرج الترمذي وعبد الله بن أحمد في زوائد المسند وابن جرير والدارقطني في الإفراد، وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات عن أبيّ بن كعب، عن النبي ﷺ ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التقوى﴾ قال :«لا إله إلاّ الله» وفي إسناده الحسن بن قزعة، قال الترمذي بعد إخراجه : حديث غريب لا نعرفه إلاّ من حديثه، وكذا قال أبو زرعة. وأخرج ابن مردويه عن سلمة بن الأكوع مرفوعاً مثله. وأخرج عبد الرزاق والفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه والبيهقي، في الأسماء والصفات عن عليّ بن أبي طالب مثله من قوله. وأخرج أحمد وابن حبان والحاكم من قول عمر بن الخطاب نحوه. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه، والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس نحوه. وأخرج ابن أبي حاتم والدارقطني في الأفراد عن المسور بن مخرمة ومروان نحوه وروي عن جماعة من التابعين نحو ذلك. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس :﴿لَّقَدْ صَدَقَ الله رَسُولَهُ الرؤيا بالحق﴾ قال : هو دخول محمد البيت والمؤمنين محلقين ومقصرين، وقد ورد في الدعاء للمحلقين والمقصرين في الصحيحين وغيرهما أحاديث منها ما قدّمنا الإشارة إليه، وهو في الصحيحين من حديث ابن عمر، وفيهما من حديث أبي هريرة أيضاً.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله :﴿سيماهم فِي وُجُوهِهِمْ﴾ قال : أما إنه ليس الذي يرونه، ولكنه سيما الإسلام، وسمته وخشوعه. وأخرج محمد بن نصر في كتاب الصلاة، وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه عن ابن عباس في الآية قال : هو السمت الحسن. وأخرج الطبراني في الأوسط والصغير، وابن مردويه. قال السيوطي بسند حسن عن أُبيّ بن كعب قال : قال رسول الله ﷺ في قوله :﴿سيماهم فِي وُجُوهِهِمْ مّنْ أَثَرِ السجود﴾ قال :«النور يوم القيامة» وأخرج البخاري في تاريخه وابن نصر عن ابن عباس في الآية قال : بياض يغشى وجوههم يوم القيامة. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن مردويه عن ابن عباس ﴿ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التوراة﴾ يعني : نعتهم مكتوب في التوراة والإنجيل قبل أن يخلق الله السموات والأرض. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أنس ﴿كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ﴾ قال : نباته : فروخه.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى