الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري

عن الكتاب
وقرىء :«والهدي » والهدي : بتخفيف الياء وتشديدها، وهو ما يهدى إلى الكعبة : بالنصب عطفاً على الضمير المنصوب في صدّوكم. أي : صدّوكم وصدّوا الهدي وبالجر عطفاً على المسجد الحرام، بمعنى : وصدّوكم عن نحر الهدى ﴿مَعْكُوفاً أَن يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ محبوساً عن أن يباع، وبالرفع على : وصدّ الهدي. ومحله : مكانه الذي يحل فيه نحره، أي يجب. وهذا دليل لأبي حنيفة على أن المحصر محل هديه الحرم.
فإن قلت : فكيف حل رسول الله ﷺ ومن معه وإنما نحر هديهم بالحديبية ؟ قلت : بعض الحديبية من الحرم. وروى أن مضارب رسول الله ﷺ كانت في الحل، ومصلاه في الحرم.
فإن قلت : فإذن قد نحر في الحرم، فلم قيل :﴿مَعْكُوفاً أَن يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ ؟ قلت : المراد المحل المعهود وهو منى ﴿لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ﴾ صفة للرجال والنساء جميعاً. و ﴿أَن تَطَئُوهُمْ﴾ بدل اشتمال منهم أو من الضمير المنصوب في تعلموهم. والمعرة : مفعلة، من عره بمعنى عراه إذا دهاه ما يكره ويشق عليه. و ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ متعلق بأن تطؤهم، يعني : أن تطئوهم غير عالمين بهم. والوطء والدوس : عبارة عن الإيقاع والإبادة. قال :
وَوَطِئْتَنَا وَطْأَ عَلَى حَنَقٍوَطْأَ الْمُقَيَّدِ نَابِتَ الْهَرْمِ
وقال رسول الله ﷺ :" وإن آخر وطأة وطئها الله بِوَجٍّ " والمعنى : أنه كان بمكة قوم من المسلمين مختلطون بالمشركين غير متميزين منهم ولا معروفي الأماكن : فقيل : ولولا كراهة أن تهلكوا ناساً مؤمنين بين ظهراني المشركين وأنتم غير عارفين بهم، فتصيبكم بإهلاكهم مكروه ومشقة : لما كف أيديكم عنهم، وحذف جواب «لولا » لدلالة الكلام عليه. ويجوز أن يكون ﴿لَوْ تَزَيَّلُواْ﴾ كالتكرير للولا رجال مؤمنون، لمرجعهما إلى معنى واحد، ويكون ﴿لَعَذَّبْنَا﴾ هو الجواب.
فإن قلت : أي معرة تصيبهم إذا قتلوهم وهم لا يعلمون. قلت : يصيبهم وجوب الدية والكفارة، وسوء قالة المشركين أنهم فعلوا بأهل دينهم مثل ما فعلوا بنا من غير تمييز، والمأثم إذا جرى منهم بعض التقصير.
فإن قلت : قوله تعالى :﴿لّيُدْخِلَ الله فِى رَحْمَتِهِ مَن يَشآءُ﴾ تعليل لماذا ؟ قلت : لما دلت عليه الآية وسيقت له : من كف الأيدي عن أهل مكة، والمنع من قتلهم ؛ صوناً لمن بين أظهرهم من المؤمنين، كأنه قال : كان الكف ومنع التعذيب ليدخل الله في رحمته ؛ أي : في توفيقه لزيادة الخير والطاعة مؤمنيهم. أو ليدخل في الإسلام من رغب فيه من مشركيهم ﴿لَوْ تَزَيَّلُواْ﴾ لو تفرقوا وتميز بعضهم من بعض : من زاله يزيله. وقرىء :«لو تزايلوا ».

تفسير هذه الآية من كتب أخرى