تفسير السمعاني — أبو المظفر السمعاني

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل﴾ الفيل دابة معلومة، ومعنى قوله :﴿ألم تر﴾ أي : ألم تعلم ؟ وقيل : ألم تر آثار ما فعل ربك بأصحاب الفيل. وأصحاب الفيل هم جند من الحبشة أميرهم أبرهة بن الصباح أبو يكسوم، وقيل : غيره. غزوا الكعبة، وقصدوا تخريبها وهدمها، وأصح ما حكى في سببه أن أبرهة كان نصرانيا بنى بيعة بصنعاء اليمن، وزينها بالفاخر من الثياب والجواهر، وقال : بنيت هذا، يحجه العرب وأكفهم عن حج الكعبة، وأمر الناس بذلك وأجبرهم عليه، فجاء رجل من العرب - وقيل : إنه كان من بني كنانة - ودخل البيعة، وأحدث فيها وهرب، فذكر ذلك لأبرهة فغضب غضبا شديدا، وحلف بالنصرانية والمسيح ليغزون الكعبة، وليهدمنها حجرا حجرا، ثم إنه غزا الكعبة مع جيش عظيم. وفيه قصة طويلة، وساق مع نفسه فيلا يقال له : محمود، وقيل : كانت ثمانية من الفيلة أكبرها هذا الفيل، ولقي في الطريق جندا من العرب وهزمهم، وقتل منهم حتى أتى الطائف، ثم إنه توجه من الطائف إلى مكة، ودليله أبو رغال، فمات أبو رغال في الطريق فقبره هو القبر الذي ترجمه العرب، وهو بين مكة والطائف، ونزل أبرهة والجند بالمغمس، وسمع أهل مكة بذلك، وسيدهم يومئذ عبد المطلب بن هاشم، وأغار الجند على ما وجدوا من أموال أهل مكة وإبلهم، وأخذوا مائتي بعير لعبد المطلب، ثم إنه جاء عبد المطلب، إلى أبرهة في طلب بعيره - وكان رجلا جسيما وسيما - فلما رآه أبرهة أعجبه حسنه وجماله فقال : ما حاجتك ؟ فقال : أن ترد علي إبلي. فقال لترجمانه : قل له : أعجبني ما رأيت من هيئتك، ثم رغبت عنك حين سمعت كلامك، فقال عبد المطلب : وما الذي رغب الملك عني ؟ فقال : جئت لأهدم شرفك وشرف آبائك، فتركت ذكره وسألتني إبلا أخذت لك ! فقال له عبد المطلب : أنا رب الإبل، وإن للبيت ربا يمنعه، فأمر برد الإبل عليه، فعاد عبد المطلب، وأمر أهل مكة حتى تنصرف في رءوس الجبال، وقال : قد جاءكم مالا قبل لكم به. ثم أخذ عبد المطلب بحلقة الكعبة وقال :
يا رب، لا أرجو لهم سواكايا رب، فامنع منهم حماكا
*** إن عدو البيت من عاداك ***
ومن المعروف أيضا أنه قال :
يا رب إن المرء يمنعحله فامنع حلالك
لا يغلبن صليبهمومحالهم أبدا محالك
والمحال : العقوبة.
إن كنت تاركهم وكعبتنا *** فأمر ما بدالك
ثم خرج مع القوم وخلوا مكة، فروي أن الفيل كان إذا أحس التوجه قبل مكة امتنع، فإذا وجه نحو اليمن أسرع وهرول، وحبس الله الفيل عن البيت، وهو معنى ما ثبت عن النبي ﷺ أنه قال يوم الحديبية حين بركت ناقته - وهي القصواء - وقال الناس : خلأت القصواء فقال النبي صلى الله عليه و سلم :" لا، لكن حبسها حابس الفيل " (١) ثم إن الله تعالى بعث عليهم طيرا خرجت من قبل البحر، قال ابن عباس : لها خراطيم الطير وأنف الكلاب، وقيل : كانت سوداء، وقيل : حمراء، ومع كل طير ثلاثة أحجار : حجران في كفيه، وحجر في منقاره، وفي القصة : أن الحجر كان دون الحمص وفوق العدس، فجاءت الطير ورمتهم بالأحجار، وفي القصة : أن الحجر كان يصيب رأس الإنسان، فيخرج من دبره، فيسقط ويموت، وكان إذا وقع على جانب منه خرج من الجانب الآخر، وهرب القوم وتساقطوا في الطريق. وقيل : إن الحجر إذا أصاب الواحد منهم نفط موضعه وأصابه الجدري، فهو أول ما رئي الجدري في ديار العرب، والله أعلم. وأما أبرهة فتساقط في الطريق أنملة أنملة، ثم إنه انصدع صدره عن قلبه(٢) ومات.
وعام الفيل هو العام الذي ولد فيه النبي صلى الله عليه و سلم، وقد قيل : إنه ولد بعد ذلك بسنتين، والصحيح هو الأول، وقال أهل العلم : كان ذلك إرهاصا لنبوة النبي صلى الله عليه و سلم وتأسيسا بها.
١ - تقدم تخريجه..
٢ - في الألصل : قلبه..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى