تفسير ابن أبي حاتم — ابن أبي حاتم الرازي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿أصحاب الفيل﴾
عن عثمان بن المغيرة بن الأخنس قال : كان من حديث أصحاب الفيل أن أبرهة الأشرم الحبشي كان ملك اليمن، وأن ابن ابنته اكسوم بن الصباح الحميري خرج حاجا، فلما انصرف من مكة نزل في كنيسة بنجران، فغدا عليها ناس من أهل مكة فأخذوا ما فيها من الحلي، وأخذوا متاع اكسوم، فانصرف إلى جده مغضبا فبعث رجلا من أصحابه يقال له : شهربن، معقود على عشرين ألفا من خولان والأشعريين، فساروا حتى نزلوا بأرض خثعم، فتنحت خثعم عن طريقهم، فلما دنا من الطائف خرج إليه ناس من بني خثعم ونصر وثقيف، فقالوا : ما حاجتك إلى طائفنا وإنما هي قرية صغيرة، ولكنا ندلك على بيت بمكة يعبد، وحرز من لجأ إليه من مكة، ثم له ملك العرب فعليك به ودعنا منك، فأتاه حتى إذا بلغ المغمس وجد إبلا لعبد المطلب، مائة ناقة مقلدة، فأنهبها بين أصحابه، فلما بلغ ذلك عبد المطلب جاءه، وكان جميلا، وكان له صديق من أهل اليمن يقال : له ذو عمرو، فسأله أن يرد عليه إبله فقال : إني لا أطيق ذلك، ولكن إن شئت أدخلتك على الملك، فقال عبد المطلب : افعل، فأدخله عليه، فقال له : إن لي إليك حاجة، قال : قضيت كل حاجة تطلبها، قال : أنا في بلد حرم، وفي سبيل بين أرض العرب وأرض العجم، وكانت مائة ناقة لي مقلدة ترعى بهذا الوادي بين مكة وتهامة عليها عير أهلها، وتخرج إلى تجارتها، وتتحمل من عدونا، عدا عليها جيشك فأخذوها، وليس مثلك يظلم من جاوره، فالتفت إلى ذي عمرو، ثم ضرب بإحدى يديه على الأخرى عجبا، فقال : لو سألني كل شيء أجوزه أعطيته إياه، أما إبله فقد رددنا إليك ومثلها معها، فما يمنعك أن تكلمني في بنيتكم هذه، وبلدكم هذه، فقال له عبد المطلب : أما بنيتنا هذه وبلدنا هذه، فإن لهما ربا إن شاء أن يمنعهما، ولكني إنما أكلمك في مالي، فأمر عند ذلك بالرحيل، وقال : لتهدمن الكعبة، ولتنهين مكة، فانصرف عبد المطلب وهو يقول :
لا هم إن المرء يمنع رحله فامنع حلالكلا يغلبن صليبهم ومحالهم عدوا محالك
فإذا فعلت فربما تحمى فأمر ما بدالكفإذا فعلت فإنه أمر تتم به فعالك
وغدوا غدا يجمعوعهم والفيل كي يسبوا عيالكفإذا تركتهم وكعبتا فوا حربا هنالك
فلما توجه شهر وأصحاب الفيل، وقد أجمعوا ما أجمعوا، طفق كلما وجهوه أناخ وبرك، فإذا صرفوه عنها من حيث أتى أسرع السير، فلم يزل كذلك حتى غشيهم الليل وخرجت عليهم طير من البحر لها خراطيم، كأنها البلس شبيهة بالوطواط حمر وسود، فلما رأوها أشفقوا منها وسقط في أيديهم، فرمتهم بحجارة مدحرجة كالبنادق، تقع على جبالهم فلم يروا أحدا غشيهم، فبعث ابنه على فرس سريع ينظر ما لقوا، فإذا هم مشدخين جميعا، فرجع يرفع رأسه كاشفا فخذه، فلما رأى ذلك أبوه قال : إن ابني أفرس العرب وما كشف عن فخذه إلا بشيرا أو نذيرا، فلما دنا من ناديهم قالوا : ما وراءك ؟ قال : هلكوا جميعا، فخر عبد المطلب وأصحابه فأخذوا أموالهم.
وقال عبد المطلب شعرا في المعنى :
أنت منعت الجيش والأفيالاوقد رعوا بمكة الأفيالا
وقد خشينا منهم القتالاوكل أمر منهم معضالا
شكرا وحمدا لك ذي الإجلالا
فانصرف شهر هاربا وحده، فأول منزل نزله سقطت يده اليمنى، ثم نزل منزلا آخر فسقطت رجله اليمنى، فأتى منزله وهو جسد لا أعضاء له، فأخبرهم الخبر ثم فاضت نفسه، وهم ينظرون.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى