اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي
عن الكتاب
قوله تعالى :﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الفيل﴾، هذه قراءة الجمهور، أعني : فتح الراء وحذف الألف للجزم.
وقرأ السلمي(١) :«تَرْ » بسكون الراء، كأنه لم يعتد بحذف الألف.
وقرأ أيضاً(٢) :«ترأ » بسكون الراء وهمزة مفتوحة، وهو الأصل، و«كَيْفَ » معلقة للرؤية، وهي منصوبة بفعل بعدها ؛ لأن «ألَمْ تَر كَيفَ » من معنى الاستفهام.
المعنى : ألم تخبر.
وقيل : ألم تعلم.
وقال ابن عباس : ألم تسمع(٣) ؟ واللفظ استفهام والمعنى تقرير، والخطاب للرسول ﷺ ولكنه عام، أي : ألم تروا ما فعلت بأصحاب الفيل ؟ أي : قد رأيتم ذلك، وعرفتم موضع منتي عليكم، فما لكم لا تؤمنون ؟.
الفيل معروف، والجمع : أفيال، وفيول، وفيلة.
قال ابن السكيت : ولا يقال :«أفيلة » والأنثى فيلة، وصاحبه : فيال.
قال سيبويه : يجوز أن يكون أصل «فيل » :«فُعْلاً » فكسر من أجل الياء، كما قالوا : أبيض وبيض.
وقال الأخفش : هذا لا يكون في الواحد، إنما يكون في الجمع، ورجل فيلُ الرأي، أي : ضعيف الرأي، والجمع : أفيال، ورجل فالٌ : أي : ضعيف الرأي، مخطئ الفراسة، وقد فال الرأي، يفيلُ، فيُولة، وفيَّل رأيه تفييلاً : أي : ضعفه، فهو فيِّلُ الرأي.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: فصل في نزول السورة
روي أن أبرهة بن الصباح الأشرم - ملك «اليمن» - بنى كنيسة ب «صنعاء» لم ير مثلها، وسمَّاها القليس، وأراد أن يصرف إليها الحاج، فخرج رجل من بني كنانة مختفياً، وجعل يبولُ ويتغوطُ في تلك الكنيسة ليلاً، فأغضبه ذلك.
وقيل : أجج ناراً فحملتها ريح فأحرقتها، فقال : من صنع هذا ؟ فقيل له : رجل من أهل البيت الذي يحج العرب إليه، فحلف ليهدمنَّ الكعبة، فخرج بجيشه ومعه فيلٌ اسمه محمود، وكان قويًّا عظيماً وثمانية أخرى. وقيل : اثنا عشر. وقيل : ألف، وبعث رجلاً إلى بني كنانة يدعوهم إلى حج تلك الكنيسة فقتلت بنو كنانة ذلك الرجل، فزاد ذلك أبرهة غضباً وحنقاً، فسار ليهدم الكعبة، فلما بلغ قريباً من «مكة» خرج إليه عبد المطلب، وعرض عليه ثلث أموال «تهامة»، ليرجع فأبى، وقدم الفيل، فكانوا كلما وجهوه إلى الحرم برك، وإذا وجهوه إلى «اليمن»، أو إلى سائر الجهات هرول، ثم إن أبرهة أخذ لعبد المطلب مائتي بعير، فخرج إليهم بسببها، فلما رآه أبرهة عظم في عينه، وكان رجلاً جسيماً، وقيل له : هذا أسد قريش، وصاحب عير «مكة»، فنزل أبرهة عن سريره، وجلس معه على بساطه، ثم قال لترجمانه : قل له : حاجتك، فلما ذكر حاجته قال له : سقطت من عيني، جئتُ لأهدم البيت الذي هو دينُك، ودين آبائك، لا تكلمني فيه، وألهاك عنه ذود لم أحسبها لك، فقال عبد المطلب : أنا ربّ الإبل، وإنَّ للبيت ربًّا سيمنعه، ثم رجع وأتى البيت، فأخذ بحلقة باب الكعبة، وقام معه نفرٌ من قريش يدعون الله تعالى، ويستنصرونه على أبرهة وجنده، فقال عبد المطلب :[ مجزوء الكامل ]
وقال آخر :[ الرجز ]
فالتفت، وهو يدعو، فإذا هو بطير من ناحية «اليمن»، فقال : والله إنها لطير غريبة، ما هي بنجدية ولا تهامية، وكان مع كل طائر حجر في منقاره، وحجران في رجليه أكبر من العدسة، وأصغر من الحمصة.
قال الراوي : فأرسل عبد المطلب حلقة الكعبة ثم انطلق هو ومن معه من قريش إلى شعب الجبال، فتحرَّزُوا فيها ينظرون ما يفعل أبرهة إذا دخل «مكة»، فأرسل الله عليهم طيراً من البحر [ أمثال الخطاطيف والبلسان، مع كل طائر منها ثلاثة أحجار، فكان الحجر يقع ](٦) على رأس الرجل فيخرج من دبره، وعلى كل حجر اسم من يقع عليه، فهلكوا في كل طريق، ومنهل.
روي عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أنه رأى من تلك الأحجار عند أم هانئ نحو قفيز مخططة بحمرة كالجزع الظفاري(٧).
قال الراوي : وليس كلهم أصابت، وخرجوا هاربين يبتدرون إلى الطَّريق التي منها جاءوا.
وروي أن أبرهة تساقطت أنامله، وما مات حتى انصدع صدره عن قلبه، وانقلب هو ووزيره أبو يكسوم، وطائر يحلق فوقه حتى قدموا «صنعاء» وهو مثل فرخ الطائر.
وقيل : قدموا على النجاشي، فَقَصّ عليه القصة، فلما تممها وقع عليه الحجر فخرَّ ميتاً بين يديه.
حكى الماوردي أن النبي ﷺ قال :«وُلدتُ عَامَ الفِيْلِ »(٨).
وقال في كتاب «أعلام النبوةِ » : ولد رسول الله ﷺ يوم الاثنين الثاني عشر من ربيع الأول، وكان بعد الفيل بخمسين يوماً، ووافق من شهور الروم العشرين من أشباط، في السَّنة الثانية عشرة من ملك هرمز بن أنوشروان.
قال : وحكى أبو جعفر الطبري : أن مولده ﷺ كان لاثنين وأربعين سنة من ملك أنوشروان.
وقيل : إنه - عليه السلام - حملت به أمه في يوم عاشوراء من المحرم، حكاه ابن شاهين أبو حفص في فضائل يوم عاشوراء، وولد يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلةً خلت من شهر رمضان، فكانت مدة الحمل ثمانية أشهر كملا، ويومين من التاسع.
وقال ابن العربي : قال ابن وهب عن مالكٍ : ولد رسول الله ﷺ عام الفيل [ قال ] قيس بن مخرمة : ولدت أنا ورسول الله ﷺ عام الفيل.
وقال عبد الملك بن مروان لعتَّاب بن أسيد : أنت أكبر أم النبي ﷺ ؟ فقال : النبي ﷺ أكبر مني، وأنا أسنّ منه، ولد النبي ﷺ عام الفيل، وأنا أدركت سائسه وقائده أعميين مقعدين يستطعمان الناس.
قال بعض العلماء : كانت قصة الفيل فيما بعد من معجزات النبي ﷺ وإن كانت قبله، وقبل التحدي ؛ لأنها كانت توكيداً لأمره، وتمهيداً لشأنه، ولما تلا عليهم رسول الله ﷺ هذه السورة كان بمكة عدد كثير ممن شهد تلك الواقعة، ولهذا قال :«ألَمْ تَرَ » ولم يكن ب «مكة » أحد إلاَّ وقد رأى قائد الفيل، وسائقه أعميين [ يتكففان ] (٩) الناس.
قالت عائشة - رضي الله عنها - مع حداثة سنّها :«لقَدْ رَأيتُ قَائِدَ الفِيْلِ وسَائقَهُ أعْميَيْنِ يَسْتطعِمَانِ النَّاسَ »(١٠).
روي أن أبرهة بن الصباح الأشرم - ملك «اليمن» - بنى كنيسة ب «صنعاء» لم ير مثلها، وسمَّاها القليس، وأراد أن يصرف إليها الحاج، فخرج رجل من بني كنانة مختفياً، وجعل يبولُ ويتغوطُ في تلك الكنيسة ليلاً، فأغضبه ذلك.
وقيل : أجج ناراً فحملتها ريح فأحرقتها، فقال : من صنع هذا ؟ فقيل له : رجل من أهل البيت الذي يحج العرب إليه، فحلف ليهدمنَّ الكعبة، فخرج بجيشه ومعه فيلٌ اسمه محمود، وكان قويًّا عظيماً وثمانية أخرى. وقيل : اثنا عشر. وقيل : ألف، وبعث رجلاً إلى بني كنانة يدعوهم إلى حج تلك الكنيسة فقتلت بنو كنانة ذلك الرجل، فزاد ذلك أبرهة غضباً وحنقاً، فسار ليهدم الكعبة، فلما بلغ قريباً من «مكة» خرج إليه عبد المطلب، وعرض عليه ثلث أموال «تهامة»، ليرجع فأبى، وقدم الفيل، فكانوا كلما وجهوه إلى الحرم برك، وإذا وجهوه إلى «اليمن»، أو إلى سائر الجهات هرول، ثم إن أبرهة أخذ لعبد المطلب مائتي بعير، فخرج إليهم بسببها، فلما رآه أبرهة عظم في عينه، وكان رجلاً جسيماً، وقيل له : هذا أسد قريش، وصاحب عير «مكة»، فنزل أبرهة عن سريره، وجلس معه على بساطه، ثم قال لترجمانه : قل له : حاجتك، فلما ذكر حاجته قال له : سقطت من عيني، جئتُ لأهدم البيت الذي هو دينُك، ودين آبائك، لا تكلمني فيه، وألهاك عنه ذود لم أحسبها لك، فقال عبد المطلب : أنا ربّ الإبل، وإنَّ للبيت ربًّا سيمنعه، ثم رجع وأتى البيت، فأخذ بحلقة باب الكعبة، وقام معه نفرٌ من قريش يدعون الله تعالى، ويستنصرونه على أبرهة وجنده، فقال عبد المطلب :[ مجزوء الكامل ]
وقال آخر :[ الرجز ]
فالتفت، وهو يدعو، فإذا هو بطير من ناحية «اليمن»، فقال : والله إنها لطير غريبة، ما هي بنجدية ولا تهامية، وكان مع كل طائر حجر في منقاره، وحجران في رجليه أكبر من العدسة، وأصغر من الحمصة.
قال الراوي : فأرسل عبد المطلب حلقة الكعبة ثم انطلق هو ومن معه من قريش إلى شعب الجبال، فتحرَّزُوا فيها ينظرون ما يفعل أبرهة إذا دخل «مكة»، فأرسل الله عليهم طيراً من البحر [ أمثال الخطاطيف والبلسان، مع كل طائر منها ثلاثة أحجار، فكان الحجر يقع ](٦) على رأس الرجل فيخرج من دبره، وعلى كل حجر اسم من يقع عليه، فهلكوا في كل طريق، ومنهل.
روي عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أنه رأى من تلك الأحجار عند أم هانئ نحو قفيز مخططة بحمرة كالجزع الظفاري(٧).
قال الراوي : وليس كلهم أصابت، وخرجوا هاربين يبتدرون إلى الطَّريق التي منها جاءوا.
وروي أن أبرهة تساقطت أنامله، وما مات حتى انصدع صدره عن قلبه، وانقلب هو ووزيره أبو يكسوم، وطائر يحلق فوقه حتى قدموا «صنعاء» وهو مثل فرخ الطائر.
وقيل : قدموا على النجاشي، فَقَصّ عليه القصة، فلما تممها وقع عليه الحجر فخرَّ ميتاً بين يديه.
وقرأ السلمي(١) :«تَرْ » بسكون الراء، كأنه لم يعتد بحذف الألف.
وقرأ أيضاً(٢) :«ترأ » بسكون الراء وهمزة مفتوحة، وهو الأصل، و«كَيْفَ » معلقة للرؤية، وهي منصوبة بفعل بعدها ؛ لأن «ألَمْ تَر كَيفَ » من معنى الاستفهام.
فصل في معنى الآية
المعنى : ألم تخبر.
وقيل : ألم تعلم.
وقال ابن عباس : ألم تسمع(٣) ؟ واللفظ استفهام والمعنى تقرير، والخطاب للرسول ﷺ ولكنه عام، أي : ألم تروا ما فعلت بأصحاب الفيل ؟ أي : قد رأيتم ذلك، وعرفتم موضع منتي عليكم، فما لكم لا تؤمنون ؟.
فصل في لفظ «الفيل »
الفيل معروف، والجمع : أفيال، وفيول، وفيلة.
قال ابن السكيت : ولا يقال :«أفيلة » والأنثى فيلة، وصاحبه : فيال.
قال سيبويه : يجوز أن يكون أصل «فيل » :«فُعْلاً » فكسر من أجل الياء، كما قالوا : أبيض وبيض.
وقال الأخفش : هذا لا يكون في الواحد، إنما يكون في الجمع، ورجل فيلُ الرأي، أي : ضعيف الرأي، والجمع : أفيال، ورجل فالٌ : أي : ضعيف الرأي، مخطئ الفراسة، وقد فال الرأي، يفيلُ، فيُولة، وفيَّل رأيه تفييلاً : أي : ضعفه، فهو فيِّلُ الرأي.
روي أن أبرهة بن الصباح الأشرم - ملك «اليمن» - بنى كنيسة ب «صنعاء» لم ير مثلها، وسمَّاها القليس، وأراد أن يصرف إليها الحاج، فخرج رجل من بني كنانة مختفياً، وجعل يبولُ ويتغوطُ في تلك الكنيسة ليلاً، فأغضبه ذلك.
وقيل : أجج ناراً فحملتها ريح فأحرقتها، فقال : من صنع هذا ؟ فقيل له : رجل من أهل البيت الذي يحج العرب إليه، فحلف ليهدمنَّ الكعبة، فخرج بجيشه ومعه فيلٌ اسمه محمود، وكان قويًّا عظيماً وثمانية أخرى. وقيل : اثنا عشر. وقيل : ألف، وبعث رجلاً إلى بني كنانة يدعوهم إلى حج تلك الكنيسة فقتلت بنو كنانة ذلك الرجل، فزاد ذلك أبرهة غضباً وحنقاً، فسار ليهدم الكعبة، فلما بلغ قريباً من «مكة» خرج إليه عبد المطلب، وعرض عليه ثلث أموال «تهامة»، ليرجع فأبى، وقدم الفيل، فكانوا كلما وجهوه إلى الحرم برك، وإذا وجهوه إلى «اليمن»، أو إلى سائر الجهات هرول، ثم إن أبرهة أخذ لعبد المطلب مائتي بعير، فخرج إليهم بسببها، فلما رآه أبرهة عظم في عينه، وكان رجلاً جسيماً، وقيل له : هذا أسد قريش، وصاحب عير «مكة»، فنزل أبرهة عن سريره، وجلس معه على بساطه، ثم قال لترجمانه : قل له : حاجتك، فلما ذكر حاجته قال له : سقطت من عيني، جئتُ لأهدم البيت الذي هو دينُك، ودين آبائك، لا تكلمني فيه، وألهاك عنه ذود لم أحسبها لك، فقال عبد المطلب : أنا ربّ الإبل، وإنَّ للبيت ربًّا سيمنعه، ثم رجع وأتى البيت، فأخذ بحلقة باب الكعبة، وقام معه نفرٌ من قريش يدعون الله تعالى، ويستنصرونه على أبرهة وجنده، فقال عبد المطلب :[ مجزوء الكامل ]
| ٥٣٠٧- لاهُمَّ إنَّ العَبْدَ يَمْـ | نَعُ رَحْلهُ فامْنَعْ حَلالَكْ |
| لا يَغلِبَنَّ صَليبهُمْ | ومُحَالهُمْ عَدْواً مُحالَكْ |
| إن يَدخُلُوا البَلدَ الحَرَا | مَ فأمْرٌ ما بَدَا لَكْ(٤) |
| ٥٣٠٨- يَا ربِّ لا أرْجُو لَهُمْ سِوَاكَا | يَا ربِّ فامْنَعْ مِنهُمُ حِمَاكَا |
| إنَّ عَدُوَّ البَيْتِ مِنْ عَاداكَا | إنَّهُمُ لنْ يَقْهَرُوا قُواكَا(٥) |
قال الراوي : فأرسل عبد المطلب حلقة الكعبة ثم انطلق هو ومن معه من قريش إلى شعب الجبال، فتحرَّزُوا فيها ينظرون ما يفعل أبرهة إذا دخل «مكة»، فأرسل الله عليهم طيراً من البحر [ أمثال الخطاطيف والبلسان، مع كل طائر منها ثلاثة أحجار، فكان الحجر يقع ](٦) على رأس الرجل فيخرج من دبره، وعلى كل حجر اسم من يقع عليه، فهلكوا في كل طريق، ومنهل.
روي عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أنه رأى من تلك الأحجار عند أم هانئ نحو قفيز مخططة بحمرة كالجزع الظفاري(٧).
قال الراوي : وليس كلهم أصابت، وخرجوا هاربين يبتدرون إلى الطَّريق التي منها جاءوا.
وروي أن أبرهة تساقطت أنامله، وما مات حتى انصدع صدره عن قلبه، وانقلب هو ووزيره أبو يكسوم، وطائر يحلق فوقه حتى قدموا «صنعاء» وهو مثل فرخ الطائر.
وقيل : قدموا على النجاشي، فَقَصّ عليه القصة، فلما تممها وقع عليه الحجر فخرَّ ميتاً بين يديه.
فصل في ميلاد النبي صلى الله عليه وسلم
حكى الماوردي أن النبي ﷺ قال :«وُلدتُ عَامَ الفِيْلِ »(٨).
وقال في كتاب «أعلام النبوةِ » : ولد رسول الله ﷺ يوم الاثنين الثاني عشر من ربيع الأول، وكان بعد الفيل بخمسين يوماً، ووافق من شهور الروم العشرين من أشباط، في السَّنة الثانية عشرة من ملك هرمز بن أنوشروان.
قال : وحكى أبو جعفر الطبري : أن مولده ﷺ كان لاثنين وأربعين سنة من ملك أنوشروان.
وقيل : إنه - عليه السلام - حملت به أمه في يوم عاشوراء من المحرم، حكاه ابن شاهين أبو حفص في فضائل يوم عاشوراء، وولد يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلةً خلت من شهر رمضان، فكانت مدة الحمل ثمانية أشهر كملا، ويومين من التاسع.
وقال ابن العربي : قال ابن وهب عن مالكٍ : ولد رسول الله ﷺ عام الفيل [ قال ] قيس بن مخرمة : ولدت أنا ورسول الله ﷺ عام الفيل.
وقال عبد الملك بن مروان لعتَّاب بن أسيد : أنت أكبر أم النبي ﷺ ؟ فقال : النبي ﷺ أكبر مني، وأنا أسنّ منه، ولد النبي ﷺ عام الفيل، وأنا أدركت سائسه وقائده أعميين مقعدين يستطعمان الناس.
فصل في أن قصة الفيل من معجزات النبي صلى الله عليه وسلم
قال بعض العلماء : كانت قصة الفيل فيما بعد من معجزات النبي ﷺ وإن كانت قبله، وقبل التحدي ؛ لأنها كانت توكيداً لأمره، وتمهيداً لشأنه، ولما تلا عليهم رسول الله ﷺ هذه السورة كان بمكة عدد كثير ممن شهد تلك الواقعة، ولهذا قال :«ألَمْ تَرَ » ولم يكن ب «مكة » أحد إلاَّ وقد رأى قائد الفيل، وسائقه أعميين [ يتكففان ] (٩) الناس.
قالت عائشة - رضي الله عنها - مع حداثة سنّها :«لقَدْ رَأيتُ قَائِدَ الفِيْلِ وسَائقَهُ أعْميَيْنِ يَسْتطعِمَانِ النَّاسَ »(١٠).
١ ينظر: المحرر الوجيز ٥/٤٢٣، والبحر المحيط ٨/٥١٢..
٢ ينظر: السابق، والدر المصون ٦/٥٧١..
٣ ذكره القرطبي في "تفسيره" (٢٠/١٣٤)..
٨ ذكره الماوردي في "تفسيره" (٦/٣٣٨)..
٩ في ب: يستطعمان..
١٠ ذكره القرطبي في ب"تفسيره" (٢٠/١٣٣)، وقد أخرجه البيهقي في "الدلائل" (١/١٢٥)..
٢ ينظر: السابق، والدر المصون ٦/٥٧١..
٣ ذكره القرطبي في "تفسيره" (٢٠/١٣٤)..
٨ ذكره الماوردي في "تفسيره" (٦/٣٣٨)..
٩ في ب: يستطعمان..
١٠ ذكره القرطبي في ب"تفسيره" (٢٠/١٣٣)، وقد أخرجه البيهقي في "الدلائل" (١/١٢٥)..
فصل في نزول السورة
روي أن أبرهة بن الصباح الأشرم - ملك «اليمن» - بنى كنيسة ب «صنعاء» لم ير مثلها، وسمَّاها القليس، وأراد أن يصرف إليها الحاج، فخرج رجل من بني كنانة مختفياً، وجعل يبولُ ويتغوطُ في تلك الكنيسة ليلاً، فأغضبه ذلك.
وقيل : أجج ناراً فحملتها ريح فأحرقتها، فقال : من صنع هذا ؟ فقيل له : رجل من أهل البيت الذي يحج العرب إليه، فحلف ليهدمنَّ الكعبة، فخرج بجيشه ومعه فيلٌ اسمه محمود، وكان قويًّا عظيماً وثمانية أخرى. وقيل : اثنا عشر. وقيل : ألف، وبعث رجلاً إلى بني كنانة يدعوهم إلى حج تلك الكنيسة فقتلت بنو كنانة ذلك الرجل، فزاد ذلك أبرهة غضباً وحنقاً، فسار ليهدم الكعبة، فلما بلغ قريباً من «مكة» خرج إليه عبد المطلب، وعرض عليه ثلث أموال «تهامة»، ليرجع فأبى، وقدم الفيل، فكانوا كلما وجهوه إلى الحرم برك، وإذا وجهوه إلى «اليمن»، أو إلى سائر الجهات هرول، ثم إن أبرهة أخذ لعبد المطلب مائتي بعير، فخرج إليهم بسببها، فلما رآه أبرهة عظم في عينه، وكان رجلاً جسيماً، وقيل له : هذا أسد قريش، وصاحب عير «مكة»، فنزل أبرهة عن سريره، وجلس معه على بساطه، ثم قال لترجمانه : قل له : حاجتك، فلما ذكر حاجته قال له : سقطت من عيني، جئتُ لأهدم البيت الذي هو دينُك، ودين آبائك، لا تكلمني فيه، وألهاك عنه ذود لم أحسبها لك، فقال عبد المطلب : أنا ربّ الإبل، وإنَّ للبيت ربًّا سيمنعه، ثم رجع وأتى البيت، فأخذ بحلقة باب الكعبة، وقام معه نفرٌ من قريش يدعون الله تعالى، ويستنصرونه على أبرهة وجنده، فقال عبد المطلب :[ مجزوء الكامل ]
| ٥٣٠٧- لاهُمَّ إنَّ العَبْدَ يَمْـ | نَعُ رَحْلهُ فامْنَعْ حَلالَكْ |
| لا يَغلِبَنَّ صَليبهُمْ | ومُحَالهُمْ عَدْواً مُحالَكْ |
| إن يَدخُلُوا البَلدَ الحَرَا | مَ فأمْرٌ ما بَدَا لَكْ(٤) |
| ٥٣٠٨- يَا ربِّ لا أرْجُو لَهُمْ سِوَاكَا | يَا ربِّ فامْنَعْ مِنهُمُ حِمَاكَا |
| إنَّ عَدُوَّ البَيْتِ مِنْ عَاداكَا | إنَّهُمُ لنْ يَقْهَرُوا قُواكَا(٥) |
قال الراوي : فأرسل عبد المطلب حلقة الكعبة ثم انطلق هو ومن معه من قريش إلى شعب الجبال، فتحرَّزُوا فيها ينظرون ما يفعل أبرهة إذا دخل «مكة»، فأرسل الله عليهم طيراً من البحر [ أمثال الخطاطيف والبلسان، مع كل طائر منها ثلاثة أحجار، فكان الحجر يقع ](٦) على رأس الرجل فيخرج من دبره، وعلى كل حجر اسم من يقع عليه، فهلكوا في كل طريق، ومنهل.
روي عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أنه رأى من تلك الأحجار عند أم هانئ نحو قفيز مخططة بحمرة كالجزع الظفاري(٧).
قال الراوي : وليس كلهم أصابت، وخرجوا هاربين يبتدرون إلى الطَّريق التي منها جاءوا.
وروي أن أبرهة تساقطت أنامله، وما مات حتى انصدع صدره عن قلبه، وانقلب هو ووزيره أبو يكسوم، وطائر يحلق فوقه حتى قدموا «صنعاء» وهو مثل فرخ الطائر.
وقيل : قدموا على النجاشي، فَقَصّ عليه القصة، فلما تممها وقع عليه الحجر فخرَّ ميتاً بين يديه.