فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني

عن الكتاب
الاستفهام في قوله :﴿أَلَمْ تَرَ﴾ لتقرير رؤيته ﷺ بإنكار عدمها. قال الفراء : المعنى ألم تخبر. وقال الزجاج : ألم تعلم، وهو تعجيب له ﷺ بما فعله الله ﴿بأصحاب الفيل﴾ الذين قصدوا تخريب الكعبة من الحبشة، وكيف منصوبة بالفعل الذي بعدها، ومعلقة لفعل الرؤية، والخطاب لرسول الله ﷺ، ويجوز أن يكون لكلّ من يصلح له. والمعنى : قد علمت يا محمد، أو علم الناس الموجودون في عصرك ومن بعدهم بما بلغكم من الأخبار المتواترة من قصة أصحاب الفيل، وما فعل الله بهم، فما لكم لا تؤمنون ؟ والفيل هو الحيوان المعروف، وجمعه أفيال وفيول وفيلة. قال ابن السكيت : ولا تقول أفيلة، وصاحبه فيال، وسيأتي ذكر قصة أصحاب الفيل إن شاء الله.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه وأبو نعيم والبيهقي عن ابن عباس قال : جاء أصحاب الفيل حتى نزلوا الصفاح فأتاهم عبد المطلب فقال : إن هذا بيت الله لم يسلط عليه أحداً، قالوا : لا نرجع حتى نهدمه، وكانوا لا يقدّمون فيلهم إلاّ تأخر، فدعا الله الطير الأبابيل، فأعطاها حجارة سوداً عليها الطين، فلما حاذتهم رمتهم، فما بقي منهم أحد إلاّ أخذته الحكة، فكان لا يحكّ الإنسان منهم جلده إلاّ تساقط لحمه. وأخرج ابن المنذر والحاكم وأبو نعيم والبيهقي عنه قال : أقبل أصحاب الفيل حتى إذا دنوا من مكة استقبلهم عبد المطلب، فقال لملكهم : ما جاء بك إلينا ؟ ألا بعثت، فنأتيك بكل شيء ؟ فقال : أخبرت بهذا البيت الذي لا يدخله أحد إلاّ أمن، فجئت أخيف أهله، فقال : إنا نأتيك بكل شيء تريد فارجع، فأبى إلاّ أن يدخله، وانطلق يسير نحوه، وتخلف عبد المطلب، فقام على جبل فقال : لا أشهد مهلك هذا البيت وأهله، فأقبلت مثل السحابة من نحو البحر حتى أظلتهم طير أبابيل التي قال الله :﴿تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مّن سِجّيلٍ﴾ فجعل الفيل يعجّ عجاً ﴿فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولِ﴾. وقصة أصحاب الفيل مبسوطة مطوّلة في كتب التاريخ والسير فلا نطوّل بذكرها.
وأخرج أبو نعيم في الدلائل عن ابن عباس في قوله :﴿تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مّن سِجّيلٍ﴾ قال : حجارة مثل البندق وبها نضح حمرة مختمة مع كل طائر ثلاثة أحجار : حجران في رجليه، وحجر في منقاره حلقت عليهم من السماء، ثم أرسلت عليهم تلك الحجارة، فلم تعد عسكرهم. وأخرج أبو نعيم من طريق عطاء والضحاك عنه أن أبرهة الأشرم قدم من اليمن يريد هدم الكعبة، فأرسل الله عليهم طيراً أبابيل بريد مجتمعة، لها خراطيم تحمل حصاة في منقارها وحصاتين في رجليها ترسل واحدة على رأس الرجل فيسيل لحمه ودمه ويبقى عظاماً خاوية لا لحم عليها ولا جلد ولا دم. وأخرج ابن جرير وابن المنذر والبيهقي في الدلائل عنه أيضاً ﴿فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولِ﴾ يقول : كالتبن. وأخرج ابن إسحاق في السيرة والواقديّ وابن مردويه وأبو نعيم والبيهقي عن عائشة قالت :«لقد رأيت قائد الفيل، وسائسه بمكة أعميين مقعدين يستطعمان. وأخرج الواقديّ نحوه عن أسماء بنت أبي بكر. وأخرج أبو نعيم والبيهقي عن ابن عباس قال : ولد النبيّ ﷺ عام الفيل. وأخرج ابن إسحاق وأبو نعيم والبيهقي عن قيس بن مخرمة قال : ولدت أنا ورسول الله ﷺ عام الفيل.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى