تفسير الشعراوي — الشعراوي

عن الكتاب
بعد أن ختمت سورة النور بهذه الآية ﴿ألا إن لله ما في السماوات والأرض قد يعلم ما أنتم عليه ويوم يرجعون إليه فينبئهم بما عملوا والله بكل شيء عليم٦٤﴾ التي تبين ما لله تعالى من ملك وقهر وجبروت، وبينت أن العودة إليه والرجوع يوم القيامة للحساب، بدأت سورة الفرقان تبين أن هذا الملك ليس ملك استعباد، إنما ملك رحمة، نظمت لكم الحياة لتعيشوا فيها على هدى ونور، فقال تعالى :
بسم الله الرحمان الرحيم
﴿تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا١﴾.
﴿تبارك... ١﴾( الفرقان ) : مادة الباء والراء والكاف عادة تدل على البركة، وهي أن يعطيك الشيء من الخير فوق ما تظن فيه ويزيد عن تقديرك، كما لو أريت طعام الثلاثة كفي العشرة، فتقول : إن هذا الطعام مبارك أو فيه بركة.
ومن معاني تبارك : تعالى قدره و﴿تبارك... ١﴾( الفرقان ) : تنزه عن شبه ما سواه، وتبارك : عظم خيره وعطاؤه، وهذه الثلاثة تجدها مكملة لبعضها.
ومن العجيب أن هذا اللفظ ﴿تبارك... ١﴾( الفرقان ) : معجز في رسمه ومعجز في اشتقاقه، فلو تتبعت القرآن لوجدت أن هذه الكلمة وردت في القرآن تسع مرات : سبع منها بالألف﴿تبارك... ١﴾( الفرقان ) : ومرتان بدون الألف(١)، فلماذا لم تكتب بالألف في الجميع، أو بدونها في الجميع ؟ ذلك ليدلل على أن رسم القرآن رسم توقيفي، ليس أمرا( ميكانيكيا )، كما في قوله تعالى في أول سورة العلق :﴿اقرأ باسم ربك الذي خلق١﴾( العلق ) : فرسم كلمة اسم هنا بالألف، وفي باقي القرآن بدون الألف.
إذن : فالقرآن ليس عاديا في رسمه وكتابه، وليس عاديا في قراءته، فأنت تقرأ في أي كتاب آخر على أي حال كنت، إلا في القرآن لا بد أن تكون على وضوء وتدخل عليه بطهر... الخ ما نعلم من آداب تلاوة القرآن.
ومن حيث الاشتقاق نعلم أن الفعل يشتق منه الماضي والمضارع والأمر واسم الفاعل... الخ، لكن﴿تبارك.. ١﴾( الفرقان ) : لم يذكر منها القرآن إلا هذه الصيغة، وكأنه يريد أن يخصها بتنزيه الله تعالى، مثلها مثل كلمة سبحان ؛ لذلك على كثرة ما مر في التاريخ من الجبابرة أرغموا الناس على مدحهم والخضوع لهم، لكن ما رأينا واحدا مهما كان مجرما في الدين يقول لأحد هؤلاء : سبحانك.
لذلك نقول في تسبيح الله : سبحانك، ولا تقال إلا لك، مهما اجترأ الملاحدة فإنهم لا ينطقونها لغير الله.
إذن :﴿تبارك... ١﴾( الفرقان ) : تدور حول معان ثلاثة : تعالى قدره، وتنزه عن مشابهة ما سواه، وعظم خيره وعطاؤه، ومن تعاظم خيره سبحانه أنه لا مثيل له : في قدره، ولا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في فعله. وهذا كله من مصلحتنا نحن، فلا كبير إلا الله، ولا جبار إلا الله، ولا غني إلا الله.
وسمي القرآن فرقانا : لأنه يفرق بين الحق والباطل، وقد نزل القرآن ليخرج الناس من الظلمات إلى النور، فيسير الناس على هدى وعلى بصيرة، فالقرآن إذن فرق لهم مواضع الخير عن مواضع العطب، فالفرقان سائر في كل جهات الدين، ففي الدين قمة هي الحق- تبارك وتعالى- ومبلغ عن القمة هو الرسول صلى الله عليه وسلم، ومرسل إليه هم المؤمنون، فجاء القرآن ليفرق بين الحق والباطل في هذه الثلاثة.
ففي القمة، وجد من ينكر وجود إله خالق لهذا الكون، وآخرون يقولون بوجود آلهة متعددة، وكلاهما على طرفي نقيض للآخر، ليس هناك سيال فكر يجمعهم، فجاء القرآن ليفرق بين الحق والباطل في هذه المسألة، ويقول : الأمر وسط بين ما قلتم : فالإله موجود، لكنه إله واحد لا شريك له، ففرق في مسألة القمة.
كذلك فرق في مسألة وهو بشر من قومه، فلما اعترض بعضهم عليه وحسدوه على هذه المكانة وهو واحد منهم أيده الله بالمعجزة التي تؤيده وتظهر صدقه في البلاغ عن الله، وكانت معجزته صلى الله عليه وسلم في شيء نبغ فيه القوم، وهي الفصاحة والبلاغة والبيان، والعرب أهل بيان، وهذه بضاعتهم الرائجة وتحداهم بهذه المعجزة فلم يستطيعوا.
وكذلك فرق في مسألة الخلق من حيث مقومات حياتهم، فبين لهم الحلال والحرام، وفي استبقاء النوع بين لهم الحلال، وشرع لهم الزواج، ونهاهم عن الزنا ليحفظ سلالة الخليفة لله في الأرض.
إذن : فرق القرآن في كل شيء : في الإله، وفي الرسول، وفي قوام حياة المرسل إليهم، وما دام قد فرق في كل هذه المسائل فلا يوجد لفظ أفضل من أن نسميه " الفرقان ".
ولا شك أن الألفاظ التي ينطق بها الحق- تبارك وتعالى- لها إشعاعات، وفي طياتها معان يعلمها أهل النظر والبصيرة ممن فتح الله عليهم، وما أشبهها بفصوص الماس ! والذي جعل الماس ثمينا أن به في كل ذرة من ذراته تكسرات إشعاعية ليست في شيء غيره، فمن أي ناحية نظرت إليه قابلك شعاع معكوس يعطي بريقا ولمعانا يتلألأ من كل نواحيه، وكذلك ألفاظ القرآن الكريم.
ومن معاني الفرقان التي قال بعض العلماء أنه نزل مفرقا، كما جاء في قوله تعالى :﴿وقرآنا فرقناه... ١٠٦﴾( الإسراء ) : يعني : أنزلناه مفرقا لم ينزل مرة واحدة كالكتب السابقة عليه، وللحق- تبارك وتعالى- حكمة في إنزال القرآن مفرقا، حيث يعطي الفرصة لكل نجم ينزل من القرآن أن يستوعبه الناس ؛ لأنه يرتبط بحادثة معينة، كذلك ليحدث التدرج المطلوب في التشريعات.
يقول تعالى :﴿وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلا١٠٦﴾( الإسراء ) :
لقد كان المسلمون الأوائل في فترة نزول القرآن كثيري الأسئلة، يستفسرون من رسول الله عن مسائل الدين، كما قال تعالى :﴿يسألونك عن الأهلة... ١٨٩﴾( البقرة )، ﴿يسألونك عن الخمر والميسر... ٢١٩﴾( البقرة )، ﴿يسألونك عن الأنفال.... ١﴾( الأنفال ) : فكان النجم من القرآن ينزل ليجيب عليهم ويشرع لهم، وما كان يتأتى ذلك لو نزل القرآن جملة واحدة.
وكلمة :﴿نزل الفرقان... ١﴾( الفرقان ) : تؤيد هذا المعنى وتسانده ؛ لأن نزل تفيد تكرار الفعل غير " أنزل " التي تفيد تعدي الفعل مرة واحدة.
وقوله تعالى :﴿على عبده... ١﴾( الفرقان ) : كأن حيثية التنزيل هي العبودية لله تعالى، فهو العبد المأمون أن ينزل القرآن عليه. وسبق أن قلنا : إن العبودية لفظ بغيض إن استعمل في غير جانب الحق سبحانه، أما العبودية لله فهي عز وشرف ولفظ محبوب في عبودية الخلق للخالق ؛ لأن العبودية للبشر يأخذ السيد خير عبده، أما العبودية لله فيأخذ العبد خير سيده.
لذلك جعل الله تعالى العبودية له سبحانه حيثية للارتقاء السماوي في رحلة الإسراء، فقال﴿سبحان الذي أسرى بعبده... ١﴾( الإسراء ) : فالرفعة هنا جاءت من العبودية لله.
ثم يقول سبحانه :﴿ليكون للعامين نذيرا١﴾( الفرقان ) : العالمين : جمع عالم، والعالم ما سوى الله تعالى، ومن العوالم : عالم الملائكة، عالم الإنس، وعلم الجن، وعالم الحيوان، وعالم النبات، وعالم الجماد، إلا أن بعض هذه العوالم لم يأتها بشير ولا نذير ؛ لأنها ليست مخيرة، والبشارة والنذارة لا تكون إلا للمخير.
يقول تعالى :﴿إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا٧٢﴾( الأحزاب ).
فإن عزلت من هذه العوالم من ليس له اختيار، فيتبقى منها ؛ الجن والإنس، وإليهما أرسل الرسول صلى الله عليه وسلم بشيرا ونذيرا، لكن لماذا قال هنا﴿ليكون للعالمين نذيرا١﴾( الفرقان ) : ولم يقل : بشيرا ونذيرا ؟.
قالوا : لأنه سبحانه سيتكلم هنا عن الذين خاضوا في الألوهية، وهؤلاء تناسبهم النذارة لا البشارة ؛ لذلك قال في الآية بعدها :﴿الذي له ملك السماوات والأرض ولم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك وخلق كل شيء فقدره تقديرا٢﴾
١ - وردت ﴿تبارك﴾ في سبعة مواضع بالألف: (الأعراف: ٥٤).(المؤمنون١٤).(الفرقان ١-١٠-٢١)،(غافر٦٤)،(الزخرف٨٥).
-وردت مرتين بدون الألف﴿تبارك﴾: (الرحمان: ٧٨)،(الملك: ١)قال السيوطي في(الإتقان في علوم القرآن)(٢/١٨٨): "تبارك: فعل لا يستعمل إلا بلفظ الماضي، ولا يستعمل إلا لله"..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى