نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — برهان الدين البقاعي

عن الكتاب
ولما ذكر لهم حالهم في الساعة معه سبحانه، أتبعه ذكر حالهم مع معبوداتهم من دونه، فقال بالالتفات إلى مظهر العظمة على قراءة الجماعة :﴿ويوم﴾ أي قل لهم ما أمرتك به، واذكر لهم يوم ﴿نحشرهم﴾ أي المشركين، بما لنا من العظمة التي نبرزها في ذلك اليوم، من القبور ؛ وقرأ أبو جعفر وابن كثير ويعقوب وحفص عن عاصم بالياء التحتية فيكون الضمير للرب ﴿وما يعبدون﴾ أي من الملائكة والإنس والجن وغيرهم ممن يعقل وممن لا يعقل ؛ ونبه على سفول رتبتهم عن ذلك وعدم أهليتهم بقوله :﴿من دون الله﴾ أي الملك الأعلى الذي لا كفوء له، وذكرها بلفظ " ما " إشارة إلى أن ناطقها وصامتها جماد بل عدم بالنسبة إليه سبحانه بما أشار إليه التعبير بالاسم الأعظم الدال على جميع الكمال، مع أن " ما " موضوع على العموم للعقلاء وغيرهم وإن كان أكثر استعماله في غير العقلاء، وعبر سبحانه بقوله :﴿فيقول﴾ بإعادة ضمير الغيبة بعد التعبير بنون العظمة في " نحشر " في قراءة غير ابن عامر لتقدم الجلالة الشريفة، تحقيقاً للمراد وتصريحاً به، وإعلاماً بأن المراد بالنون العظمة لا الجمع، وقرأ ابن عامر بالنون موحداً الأسلوب :﴿أنتم﴾ أي أيها المعبودات ! بإيلاء الهمزة الضمير سؤالاً عن المضل، لأن ضلال العبدة معروف لا يسأل عنه ﴿أضللتم﴾ بالقهر والخداع والمكر ﴿عبادي هؤلاء﴾ حتى عبدوكم كما في الآية الأخرى ( ثم يقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون }[سبأ: ٤٠] في أمثالها من الآيات كما في الحديث القدسي :" إني خلقت عبادي حنفاء كلهم فاحتالهم الشياطين " ﴿أم﴾.
ولما كان السؤال - كما مضى - عن الفاعل لا عن الفعل، كان لا بد من قوله :﴿هم﴾ أي باختيار منهم لإهمالهم استعمال ما أعطيتهم من قويم العقل وسديد النظر ﴿ضلوا﴾ وأوصل الفعل بدون " عن " كما في هداة الطريق بدون " إلى " لكثرة الدور، وللإشارة إلى قوة الفعل فقال :﴿السبيل﴾ أي الذي نهجته ونصبت عليه الأدلة القاطعة، والبراهين الساطعة

تفسير هذه الآية من كتب أخرى