التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي

عن الكتاب
ثم تنتقل السورة الكريمة إلى الحديث عن حالهم عندما يعرضون هم وآلهتهم للحشر والحساب يوم القيامة، وقد وقفوا جميعا أمام ربهم للسؤال والجواب، قال - تعالى - :﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ...﴾.
قوله - تعالى - :﴿وَيَوْمَ﴾ منصوب على المفعولية بفعل مقدر، والمقصود من ذكر اليوم : تذكيرهم بما سيحدث فيه من أهوال حتى يعتبروا ويتعظوا، والمضير فى " يحشرهم " للكافرين الذين عبدوا غير الله - تعالى -.
وقوله :﴿وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله﴾ معطوف على مفعول " يحشرهم " والمراد بهؤلاء الذين عبدوهم من دون الله : الملائكة وعزير وعيسى وغيرهم من كل معبود سوى الله - تعالى -.
والمعنى : واذكر لهم - أيها الرسول الكريم - حالهم لعلهم أن يعتبروا يوم نحشرهم جميعا للحساب والجزاء يوم القيامة، ونحشر ونجمع معهم جميع الذين كانوا يعبدونهم غيرى.
ثم نوجه كلامنا لهؤلاء المعبودين من دونى فأقول لهم : أانتم - أيها المعبودون - كنتم السبب فى ضلال عبادى عن إخلاص العبادة لى، بسبب إغرائكم لهم بذلك أم هم الذين من تلقاء أنفسهم قد ضلوا السبيل، بسبب إيثارهم الغى على الرشد، والكفر على الإيمان ؟
والسؤال للمعبودين إنما هو من باب التقريع للعابدين، وإلزامهم الحجة وزيادة حسرتهم، وتبرئة ساحة المعبودين.
وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - :﴿وَإِذْ قَالَ الله ياعيسى ابن مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتخذوني وَأُمِّيَ إلهين مِن دُونِ الله قَالَ سُبْحَانَكَ﴾ وقوله - عز وجل - :﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلاَئِكَةِ أهؤلاء إِيَّاكُمْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ قَالُواْ سُبْحَانَكَ أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِمْ..﴾ قال الإمام الرازى ما ملخصه : فإن قيل : إنه - سبحانه - عالم فى الأزل بحال المسئول عنه فما فائدة السؤال ؟.
والجواب : هذا استفهام على سبيل التقريع للمشركين، كما قال - سبحانه - لعيسى :﴿أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتخذوني وَأُمِّيَ إلهين مِن دُونِ الله﴾ ولأن أولئك المعبودين لما برءوا أنفسهم وأحالوا ذلك الضلال عليهم، صار تبرُّؤُ المعبودين عنهم أشد فى حسرتهم وحيرتهم.
وقال - سبحانه - ﴿أَمْ هُمْ ضَلُّوا السبيل﴾ ولم يقل. ضلوا عن السبيل، للإشعار بأنهم قد بلغوا فى الضلال أقصاه ومنتهاه.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى