فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني

عن الكتاب
قوله ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ﴾ الظرف منصوب بفعل مضمر : أي واذكر، وتعليق التذكير باليوم مع أن المقصود ذكر ما فيه للمبالغة والتأكيد كما مرّ مراراً. قرأ ابن محيصن وحميد وابن كثير وحفص ويعقوب وأبو عمرو في رواية الدوريّ ﴿يحشرهم﴾ بالياء التحتية، واختارها أبو عبيد، وأبو حاتم لقوله في أوّل الكلام ﴿كَانَ على رَبِّكَ﴾ والباقون بالنون على التعظيم ما عدا الأعرج، فإنه قرأ " نحشرهم " بكسر الشين في جميع القرآن. قال ابن عطية : هي قليلة في الاستعمال قوية في القياس، لأن يفعل بكسر العين في المتعدي أقيس من يفعل بضمها، وردّه أبو حبان باستواء المضموم والمكسور إلاّ أن يشتهر أحدهما اتبع ﴿وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله﴾ معطوف على مفعول نحشر، وغلب غير العقلاء من الأصنام والأوثان، ونحوها على العقلاء من الملائكة والجن والمسيح تنبيهاً على أنها جميعاً مشتركة في كونها غير صالحة لكونها آلهة، أو لأن من يعبد من لا يعقل أكثر ممن يعبد من يعقل منها، فغلبت اعتباراً بكثرة من يعبدها، وقال مجاهد، وابن جريج : المراد : الملائكة والإنس والجن والمسيح وعزير بدليل خطابهم وجوابهم فيما بعد. وقال الضحاك، وعكرمة، والكلبي : المراد الأصنام خاصة، وإنها وإن كانت لا تسمع ولا تتكلم، فإن الله سبحانه يجعلها يوم القيامة سامعة ناطقة، ﴿فَيَقُولُ ءأَنتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلاَء أَمْ هُمْ ضَلُّوا السبيل﴾ قرأ ابن عامر، وأبو حيوة، وابن كثير، وحفص، " فنقول " بالنون، وقرأ الباقون بالياء التحتية، واختارها أبو عبيد كما اختار القراءة بها في نحشرهم، وكذا أبو حاتم. والاستفهام في قوله :﴿ءأَنتُمْ أَضْلَلْتُمْ﴾ للتوبيخ والتقريع، والمعنى : أكان ضلالهم بسببكم وبدعوتكم لهم إلى عبادتكم، أم هم ضلوا عن سبيل الحق بأنفسهم لعدم التفكر فيما يستدل به على الحق، والتدبر فيما يتوصل به إلى الصواب ؟
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ﴾ الآية قال : عيسى، وعزير، والملائكة. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس :﴿قَوْماً بُوراً﴾ قال : هلكى.
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير عن الحسن في قوله :﴿وَمَن يَظْلِم مّنكُمْ﴾ قال : هو الشرك. وأخرج ابن جرير عن ابن جريج قال : يشرك. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة :﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ المرسلين إِلاَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطعام وَيَمْشُونَ فِي الأسواق﴾ يقول : إن الرسل قبل محمد ﷺ كانوا بهذه المنزلة يأكلون الطعام ويمشون في الأسواق ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً﴾ قال : بلاء. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الشعب عن الحسن :﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً﴾ قال : يقول الفقير لو شاء الله لجعلني غنياً مثل فلان، ويقول السقيم لو شاء الله لجعلني صحيحاً مثل فلان، ويقول الأعمى : لو شاء الله لجعلني بصيراً مثل فلان. وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله :﴿وَعَتَوْ عُتُوّاً كَبِيراً﴾ قال : شدّة الكفر.
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله :﴿يَوْمَ يَرَوْنَ الملائكة﴾ قال : يوم القيامة. وأخرج ابن أبي حاتم، عن عطية العوفيّ نحوه. وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد :﴿وَيَقُولُونَ حِجْراً مَّحْجُوراً﴾ قال : عوذاً معاذاً، الملائكة تقوله. وفي لفظ قال : حراماً محرّماً أن تكون البشرى في اليوم إلاّ للمؤمنين. وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق عطية العوفيّ، عن أبي سعيد الخدري في قوله :﴿وَيَقُولُونَ حِجْراً مَّحْجُوراً﴾ قال : حراماً محرّماً أن نبشركم بما نبشر به المتقين. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الحسن وقتادة :﴿وَيَقُولُونَ حِجْراً مَّحْجُوراً﴾ قالا : هي كلمة كانت العرب تقولها، كان الرجل إذا نزلت به شدّة قال : حجراً محجوراً حراماً محرّماً.
وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد ﴿وَقَدِمْنَا إلى مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ﴾ قال : عمدنا إلى ما عملوا من خير ممن لا يتقبل منه في الدنيا. وأخرج سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن عليّ بن أبي طالب في قوله :﴿هَبَاءً مَّنثُوراً﴾ قال : الهباء شعاع الشمس الذي يخرج من الكوّة. وأخرج عبد الرزاق والفريابي وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عليّ بن أبي طالب قال : الهباء وهيج الغبار يسطع، ثم يذهب، فلا يبقي منه شيء، فجعل الله أعمالهم كذلك. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال : الهباء الذي يطير من النار إذا اضطرمت يطير منها الشرر، فإذا وقع لم يكن شيئاً. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عنه قال : هو ما تسفي الريح وتبثه. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عنه أيضاً قال : هو الماء المهراق. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عنه أيضاً :﴿خَيْرٌ مُّسْتَقَرّاً وَأَحْسَنُ مَقِيلاً﴾ قال : في الغرف من الجنة. وأخرج ابن المبارك في الزهد، وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه عن ابن مسعود قال : لا ينصرف النهار من يوم القيامة حتى يقيل هؤلاء وهؤلاء، ثم قرأ :﴿أصحاب الجنة يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرّاً وَأَحْسَنُ مَقِيلاً﴾.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى