بحر العلوم — أبو الليث السمرقندي

عن الكتاب
قوله عز وجل :﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ المرسلين﴾ جواباً لقولهم :﴿مَا لهذا الرسول يَأْكُلُ الطعام﴾ ﴿إِلاَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطعام وَيَمْشُونَ فِى الاسواق﴾ يعني : كانت الرسل من الآدميين، ولم يكونوا من الملائكة عليهم السلام. ثم قال :﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ﴾ يقول : ابتلينا بعضكم ببعض، الفقير بالغني، والضعيف بالقوي، وذلك أن الشريف إذا رأى الوضيع قد أسلم، أنف عن الإسلام. وقال : أأسلم، فأكون مثل هذا، فثبت على دينه حمية. يقول الله تعالى للشريف :﴿أَتَصْبِرُونَ﴾ أن تكونوا شرعاً، سواء في الدين ﴿وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيراً﴾ أي عالماً بمن يؤمن، ومن لا يؤمن، ويقال :﴿جَعَلْنَا *** بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً﴾ يعني بلية الغني للفقير، والقوي للضعيف، لأن ضعفاء المسلمين وفقراءهم، إذا رأوا الكفار في السعة والغنى، يتأذون منهم، وكان في ذلك بلية لهم، فقال تعالى :﴿أَتَصْبِرُونَ﴾ اللفظ لفظ الاستفهام، والمراد به الأمر، يعني : اصبروا كقوله :﴿أَفَلاَ يَتُوبُونَ إلى الله وَيَسْتَغْفِرُونَهُ والله غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [المائدة: ٧٤] يعني : توبوا إلى الله. ويقال : أهل النعم بلية لأهل الشدة، لأن أهل الشدة إذا رأوا أهل النعمة تنغص عيشهم، فأمرهم الله تعالى بالصبر.
وذكر عن بعض المتقدمين أنه كان إذا رأى غنياً من الأغنياء. يقول : نصبر يا رب نصبر يا رب، أراد جواباً لقوله تعالى :﴿أَتَصْبِرُونَ﴾ ﴿وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيراً﴾ يعني : عالماً بمن يصلح له الغنى والفقر ويقال :﴿وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيراً﴾ يعني : عالماً بثواب الصابرين.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى