تفسير القرآن العظيم — ابن كثير

عن الكتاب
يقول تعالى مخبرا عن جميع مَنْ بعثه من الرسل المتقدمين : إنهم كانوا يأكلون الطعام، ويحتاجون إلى التغذي به ﴿وَيَمْشُونَ فِي الأسْوَاقِ﴾ أي : للتكسب والتجارة، وليس ذلك بمناف لحالهم ومنصبهم ؛ فإن الله جعل لهم من السمات الحسنة، والصفات الجميلة، والأقوال الفاضلة، والأعمال الكاملة، والخوارق الباهرة، والأدلة [ القاهرة ](١)، ما يستدل به كل ذي لب سليم، وبصيرة مستقيمة، على صدق ما جاءوا به من الله عز وجل. ونظير هذه الآية الكريمة قوله تعالى :﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلا رِجَالا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ [يوسف: ١٠٩] ﴿وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ﴾ [الأنبياء: ٨].
وقوله :﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ﴾ أي : اختبرنا بعضكم ببعض، وبلونا بعضكم ببعض، لنعلم مَن يُطيع ممن يعصي ؛ ولهذا قال :﴿أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا﴾ أي : بمن يستحق أن يوحى إليه، كما قال تعالى :﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤]، ومن يستحق أن يهديه الله لما أرسلهم به، ومن لا يستحق ذلك.
وقال محمد بن إسحاق في قوله :﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ﴾ قال : يقول الله : لو شئت أن أجعل الدنيا مع رسلي فلا يخالفون، لفعلت، ولكنّي قد أردتُ أن أبتلي العباد بهم، وأبتليهم(٢) بهم.
وفي صحيح مسلم عن عياض بن حمار، عن رسول الله ﷺ :" يقول الله : إني مُبْتَلِيك، ومُبْتَلٍ بك " (٣). وفي المسند عن رسول الله ﷺ :" لو شئت لأجرى الله معي جبال الذهب والفضة "، وفي الصحيح أنه - عليه أفضل الصلاة والسلام - خُير بين أن يكون نبياً ملكا أو عبداً رسولا فاختار أن يكون عبدا رسولا.
١ - زيادة من أ..
٢ - في أ :"وأبتليكم"..
٣ - صحيح مسلم برقم (٢٨٦٥)..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى