البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي

عن الكتاب
العض : وقع الأسنان على المعضوض بقوة وفعله على وزن فعل بكسر العين، وحكى الكسائي عضضت بفتح عين الكلمة.
وقال ابن عباس وجماعة :﴿الظالم﴾ هنا عقبة بن أبي معيط إذ كان جنح إلى الإسلام وأُبيّ بن خلف هو المكني عنه بفلان، وكان بينهما مخالة فنهاه عن الإسلام فقبل منه.
وعن ابن عباس أيضاً.
عكس هذا القول.
قيل وسبب نزولها هو عقبة وأُبي.
وقيل : كان عقبة خليلاً لأمية فأسلم عقبة فقال أمية : وجهي من وجهك حرام إن بايعت محمداً فكفر وارتد لرضا أمية فنزلت قاله الشعبي.
وذكر من إساءة عقبة على الرسول ما كان سبب أن قال له الرسول عليه السلام :« لا ألقاك خارجاً من مكة إلا علوت رأسك بالسيف » فقتل عقبة يوم بدر صبراً أمر علياً فضرب عنقه، وقتل أبيّ بن خلف يوم أحد في المبارزة.
والمقصود ذكر هول يوم القيامة بتندم الظالم وتمنيه أنه لم يكن أطاع خليله الذي كان يأمره بالظلم وما من ظالم إلا وله في الغالب خليل خاص به يعبر عنه بفلان.
والظاهر أن ﴿الظالم﴾ ﴿يعض على يديه﴾ فعل النادم المتفجع.
وقال الضحاك : يأكل يديه إلى المرفق ثم تنبت، ولا يزال كذلك كلما أكلها نبتت.
وقيل : هو مجاز عبر به عن التحير والغم والندم والتفجع ونقل أئمة اللغة أن المتأسف المتحزن المتندم يعض على إبهامه ندماً وقال الشاعر :
لطمت خدها بحمر لطافنلن منها عذاب بيض عذاب
فتشكى العناب نور إقاحواشتكى الورد ناضر العناب
وفي المثل : يأكل يديه ندماً ويسيل دمعه دماً.
وقال الزمخشري : عض الأنامل واليدين والسقوط في اليد وأكل البنان وحرق الأسنان والإرم وفروعها كنايات عن الغيظ والحسرة لأنها من روادفها فتذكر الرادفة.
ويدل بها على المردوف فيرتفع الكلام به في طبقة الفصاحة، ويجد السامع عنده في نفسه من الروعة والاستحسان ما لا يجد عند لفظ المكنى عنه انتهى.
وقال الشاعر في حرق الناب :
أبى الضيم والنعمان يحرق نابهعليه فأفضى والسيوف معاقله
﴿يقول﴾ في موضع الحال أي قائلاً ﴿يا ليتني﴾ فان كانت اللام للعهد فالمعنى أنه تمنى عقبة أن لو صحب النبيّ ﷺ وسلك طريق الحق، وإن كانت اللام للجنس فالمعنى أنه تمنى.
سلوك طريق الرسول وهو الإيمان، ويكون الرسول للجنس لأن كل ظالم قد كلف اتّباع ما جاء به رسول من الله إلى أن جاءت الملة المحمدية فنسخت جميع الملل، فلا يقبل بعد مجيئه دين غير الذي جاء به.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى