التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي

عن الكتاب
ثم ذكر - سبحانه - بضع من جاء بعد قوم نوح فقال :﴿وَعَاداً وَثَمُودَاْ﴾ أى : ودمرنا وأهلكنا قوم عاد بسبب تكذيبهم لنبيهم هود - عليه السلام-، كما أهلكنا قوم ثمود بسبب تكذيبهم لنبيهم صالح - عليه السلام -.
وقوله - تعالى - :﴿وَأَصْحَابَ الرس﴾ معطوف على ما قبله. أى : وأهلكنا أصحاب الرس. كما أهلكنا من قبلهم قوم نوح وعاد وثمود.
والرس فى لغة العرب : البئر التى لم تبن بالحجارة، وقيل : البئر مطلقا، ومنه قول الشاعر :
وهم سائرون إلى أرضهم... فياليتهم يحفرون الرساسا
أى : فيا ليتهم يحفرون الآبار.
وللمفسرين فى حقيقة أصحاب الرس أقوال : فمنهم من قال إنهم من بقايا قبيلة ثمود، بعث الله إليهم نبيا فكذبوه ورَسُّوه فى تلك البئر أى : ألقوا به فيها، فأهلكهم الله - تعالى -.
وقيل : هم قومه كانوا يعبدون الأصنام، فأرسل الله إليهم شعيبا - عليه السلام - فكذبوه فبينما هم حول الرس - أى البئر - فانهارت بهم، وخسف الله - تعالى - بهم الأرض. وقيل : الرس بئر بأنطاكية، قتل أهلها حبيبا النجار وألقوه فيها...
واختار ابن جرير - رحمه الله - أن أصحاب الرس هم أصحاب الأخدود، الذين ذكروا فى سورة البروج.
وقد ذكر بعض المفسرين فى شأنهم روايات، رأينا أن نضرب عنها صفحا لضعفها نكارتها.
واسم الإشارة فى قوله - تعالى - :﴿وَقُرُوناً بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيراً﴾ يعود إلى عاد وثمود وأصحاب الرس، والقرون : جمع قرن.
والمراد به هنا : الجيل من الناس الذين اقترنوا فى الوجود فى زمان واحد من الأزمنة.
أى : وأهلكنا قرونا كثيرة بين قوم عاد وثمود وأصحاب الرس. لأن تلك القرون سارت على شاكلة أمثالهم من الكافرين والفاسقين.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى