غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري
عن الكتاب
القراآت :﴿تشقق﴾ بتخفيف الشين على حذف تاء التفعل وكذلك في سورة " ق " : عاصم وحمزة وعلي وخلف وأبو عمرو. والآخرون بالتشديد للإدغام. ﴿وننزل﴾ من الإنزال
﴿الملائكة﴾ بالنصب : ابن كثير. الباقون ﴿وينزل﴾ ماضياً مجهولاً من التنزيل ﴿الملائكة﴾ بالرفع. ﴿يا ليتني اتخذت﴾ بفتح ياء المتكلم : أبو عمرو ﴿قومي اتخذوا﴾ بفتح الياء : أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو وسهل ويعقوب. ﴿وثمود﴾ بغير تنوين في الحالين : حمزة وسهل ويعقوب وحفص. الآخرون بالتنوين للمشاكلة، أو بتأويل الحي لا القبيلة، أو لأنه اسم الأب الأكبر. ﴿الريح﴾ على التوحيد : ابن كثير ﴿بشراً﴾ مذكور في " الأعراف ". ﴿ميتاً﴾ بالتشديد : يزيد ﴿ونسقيه﴾ بفتح النون : المفضل والبرجمي، الباقون بضمها.
الوقوف :﴿ربنا﴾ ط ﴿كبيراً﴾ ٥ط ﴿محجوراً﴾ ٥ ﴿منثوراً﴾ ٥ ﴿مقيلاً﴾ ٥ ﴿تنزيلاً﴾ ٥ ﴿للرحمن﴾ ط ﴿عسيراً﴾ ٥ ﴿سبيلاً﴾ ٥ ﴿خليلاً﴾ ٥ ﴿إذ جاءني﴾ ط لأن ما بعده من أخبار الله تعالى ظاهر، ويحتمل أن يكون من تتمة حكاية كلام الظالم. ﴿خذولاً﴾ ٥ ﴿مهجوراً﴾ ٥ ﴿المجرمين﴾ ٥ ط ﴿ونصيراً﴾ ٥ ﴿واحدة﴾ ج على تقدير " فرقنا إنزاله " كذلك أي كما ترى لنثبت وإن وصلت وقفت على ﴿كذلك﴾ والتقدير جملة واحدة كذلك الكتاب المنزل وهو التوراة، ثم أضمرت فعلاً أي فرقناه لنثبت. ﴿ترتيلاً﴾ ٥ ﴿تفسيراً﴾ ٥ ط لأن ما بعده مبتدأ ﴿جهنم﴾ لا لأن ما بعده خبر ﴿سبيلاً﴾ ٥ ﴿وزيراً﴾ ٥ ج للآية ولفاء العطف ﴿بآياتنا﴾ ط للفاء الفصيحة أي فذهبا وبلغا فعصوهما ﴿فدمرناهم تدميراً﴾ ٥ط لأن ﴿قوم نوح﴾ منصوب بمحذوف أي وأغرقنا قوم نوح أغرقناهم ﴿آية﴾ ط لأن ما بعده مستأنف ﴿أليما﴾ ج للآية ولاحتمال عطف ﴿عاداً﴾ على الضمير في ﴿جعلناهم﴾ واحتمال انتصابه بمحذوف أي وأهلكنا عاداً ﴿كثيراً﴾ ٥ ﴿الأمثال﴾ ز فصلاً بين الأمرين المعظمين مع عطف الجملتين المتفقتين ﴿تتبيراً﴾ ٥ ﴿السوء﴾ ﴿يرونها﴾ لا للعطف مع الإضراب. ﴿نشوراً﴾ ٥ ﴿هزواً﴾ ط لحق المحذوف أي يقولون أهذا الذي ﴿رسولاً﴾ ٥ ﴿عليها﴾ ط لانتهاء مقولهم ﴿سبيلاً﴾ ٥ ﴿هواه﴾ ط ﴿وكيلاً﴾ ٥ لا للعطف ﴿يعقلون﴾ ٥ ج لابتداء النفي ﴿سبيلاً﴾ ٥ ﴿الظل﴾ ج لانتهاء الاستفهام إلى الشرط مع اتحاد المقصود ﴿ساكناً﴾ ج للعدول مع العطف ﴿دليلاً﴾ ٥ ﴿يسيراً﴾ ٥ ﴿نشوراً﴾ ٥ ﴿رحمته﴾ ج للعدول ﴿طهوراً﴾ ٥ ج لتعلق اللام ﴿كثيراً﴾ ٥ ﴿ليذكروا﴾ ز والوصل أولى للفاء ﴿كفوراً﴾ ٥.
وقصة عاد وثمود مذكورة مراراً، وأما الرس فعن أبي عبيدة أنه البئر غير المطوية، والقوم كانوا من عبدة الأصنام أصحاب آبار ومواش، بعث الله عز وجل إليهم شعيباً فدعاهم إلى الإسلام فأبوا، فبيناهم حول الرس انهارت بهم فخسف بهم وبديارهم. وقيل : الرس قرية بفلج اليمامة قتلوا نبيهم فهلكوا وهم بقية ثمود. وقيل : هم أصحاب النبي حنظلة بن صفوان ابتلاهم الله بالعنقاء وهي أعظم ما يكون من الطير سميت بذلك لطول عنقها، وكانت تسكن جبلهم وتنقض على صبيانهم فتخطفهم إن أعوزها الصيد فدعا عليها حنظلة فأصابتها الصاعقة. ثم إنهم قتلوا حنظلة فأهلكوا. وقيل : هم أصحاب الأخدود والرس عند العرب الدفن يقال : رس الميت : إذا دفن وغيب في الحفيرة. وقيل : الرس بأنطاكية قتلوا فيها حبيباً النجار وستجيء القصة في سورة يس. وعن علي رضي الله عنه أنهم قوم يعبدون شجرة الصنوبر رسوا نبيهم في الأرض. وقيل : هم قوم كانت لهم قرى على شاطئ نهر يقال له الرس من بلاد المشرق، فبعث الله تعالى إليهم نبياً من ولد يهوذا بن يعقوب فكذبوه فلبث فيهم زماناً ثم حفروا بئراً فرسوه فيها وقالوا : نرجو أن يرضى عنا إلهنا، وكان عامة قومهم يسمعون أنين نبيهم يقول : إلهي وسيدي ترى ضيق مكاني وشدة كربي وضعف قلبي فعجل قبض روحي حتى مات، فأرسل الله تعالى ريحاً عاصفة شديدة الحمرة وصارت الأرض من تحتهم حجر كبريت متوقداً وأظلتهم سحابة سوداء فذابت أبدانهم كما يذوب الرصاص. وروى ابن جرير بإسناده إلى النبي ﷺ : إن الله بعث نبياً إلى أهل قرية فلم يؤمن به من أهلها إلا عبد أسود، ثم عدوا على الرسول فحفروا له بئراً فألقوه فيها ثم أطبقوا عليه حجراً ضخماً، فكان ذلك العبد يحتطب فيشتري له طعاماً وشرابا ويرفع الصخرة ويدليه إليه وكان كذلك ما شاء الله فاحتطب يوماً فلما أراد أن يحملها وجد نوماً فاضطجع فضرب الله على آذانه سبع سنين. ثم انتبه وتمطى وتحول لشقه الآخر فنام سبع سنين، ثم هب فاحتمل حزمته وظن أنه نام ساعة من نهار فجاء إلى القرية فباع حزمته فاشترى طعاماً وشراباً وذهب إلى الحفرة فلم يجد أحداً، وكان قومه استخرجوه فآمنوا به وصدقوه وذلك النبي يسألهم عن الأسود فيقولون : لا ندري حاله حتى قبض الله تعالى النبي وقبض ذلك الأسود فقال ﷺ : إن ذلك الأسود أول من يدخل الجنة. قلت هذه الرواية إن صحت فلا مدخل لها في المقصود فإِن المقام يقتضي أن يكون قوماً كذبوا نبيهم فأهلكوا لأجل ذلك.
أما قوله ﴿وقروناً بين ذلك﴾ فالمشار إليه ما ذكر من الأمم وقد يذكر الذاكر أشياء مختلفة ثم يشير إليها بذلك ومثله قوله الحاسب " فذلك كذا " أي فما ذكر من الأعداد مجموعها كذا.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: التأويل :﴿ويوم تشقق السماء﴾ سماء القلب من غمام البشرية وهو يوم سعادة الطالبين الصادقين، ونزل ملائكة الصفات الروحانية ﴿الملك﴾ الحقيقي ﴿يومئذ﴾ ﴿للرحمن﴾ إذ لم يبق غيره ورجع إليه وذلك مقام الوحدة والفناء في الله والبقاء به :﴿وكان يوماً على الكافرين عسيراً﴾ إذ لم يبق من صفات النفوس الكافرة وحظوظها أثر ولا عين :﴿ويوم يعض الظالم﴾ نفسه وهو المشرك شركاً ظاهراً أو خفياً ﴿على يديه﴾ والآية حكمها عام في كل متحابين اجتمعا على معصية الله تعالى. وعن مالك بن دينار : إنك إن تنقل الحجارة مع الأبرار خير من أن تأكل كل الخبيص مع الفجار. ﴿لنثبت به فؤادك﴾ بأن نخلق قلبك بقلب القرآن وكان بذر التوحيد أوقع في قلب النبي ﷺ في سر ﴿ألم نشرح لك صدرك﴾ [الشرح: ١] وكان يتربى بما أنزل عليه بل على قلبه منجماً، فلما أورق كان ورقه ﴿الرحمن علم القرآن﴾ [الرحمن: ١] فلما أزهر كان زهره ﴿فأوحى إلى عبده ما أوحى﴾ [النجم: ١٠] فلما أثمر كانت ثمرته
﴿فاعلم أنه لا إله إلا الله﴾ [محمد: ١٩] ﴿يحشرون على وجوههم﴾ لأن توجههم إلى أسفل سافلي الطبيعة فيحشرون منكوسين إلى جهنم البعد عن الحضرة ﴿الم تر إلى ربك﴾ فيه أن نبينا ﷺ رآه وقد قال لموسى ﴿لن تراني﴾ [الأعراف: ١٤٣] وذلك البقاء أنانيته ﴿كيف مدّ الظل﴾ عالم الأجسام ﴿ولو شاء لجعله ساكناً﴾ في كتم العدم ﴿ثم جعلنا﴾ شمس عالم الأرواح على وجود ذلك الظل دليلاً بأن كانت محركة لها إلى غاياتها المخلوقة هي لأجلها، فعرف من ذلك أنه لولا الأرواح لم تخلق الأجساد ولم تتكون بالأجسام. وفي قوله :﴿ثم قبضناه إلينا﴾ إشارة إلى أن كل مركب فإنه سيحل إلى بسائطه إذا حصل على كماله الأخير. وبوجه آخر الظل ما سوى نور الأنوار يستدل به على صانعه الذي هو شمس عالم الوجود وهذا شأن الذاهبين من غيره إليه. وفي قوله ﴿ثم جعلنا﴾ إشارة إلى مرتبة أعلى من ذلك وهي الاستدلال به على غيره كقوله :﴿أو لم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد﴾ [فصلت: ٥٣] وهذه مرتبة الصديقين. وقوله ﴿ثم قبضناه﴾ كقوله ﴿كل شيء هالك﴾ [القصص: ٨٨] ﴿ألا إلى الله تصير الأمور﴾ وبوجه آخر الظل هو حجاب الذهول والغفلة والشمس شمس التجلي المعروفة من أفق العناية عند صباح الهداية :﴿ولو شاء لجعله﴾ دائماً لا يزول وإنما يستدل على الذهول بالعرفان. وفي قوله :﴿ثم قبضناه﴾ إشارة إلى أن الكشف التام يحصل بالتدريج عند انقضاء مدة التكليف. ثم بين حكمة الإظلال بقوله :﴿وهو الذي جعل لكم﴾ ليلة البشرية ﴿لباساً﴾ كيلا تحترقوا بدوام شمس تجلي الربوبية، وجعل ليوم الغفلة راحة بعد سطوة التجلي، وجعل نهار العرفان نشوراً أي حياة بنور الربوبية ﴿وهو الذي أرسل﴾ رياح الإشراق على قلوب الأحباب فتزعجها من المساكنات عند الستر فلا تستقر إلا بالكشف والتجلي ﴿وأنزلنا﴾ من سماء الكرم ﴿ماء﴾ حياة العرفان الذي يطهر قلوب المشتاقين عن الجنوح إلى المساكنات وما يتداخلها في بعض الأوقات من الغفلات ﴿لنحيي به بلدة﴾ القلوب الميتة عن نور الله بنور الله ﴿ونسقيه﴾ من جملة مخلوقاتنا من هو على طبع الأنعام لغلبة الصفات الحيوانية عليه فيسقي زرع إيمانه بماء الرحمة والذكر كما قال ﷺ " لا إله إلا الله تنبت الإيمان في القلب كما ينبت الماء البقلة " ونسقيه من الأنس من سكن إلى رياض الأنس يفطمه به عن مراضع الإنسانية إلى المشارب الروحانية، ويطهره عن وصمة الملاحظات ويذيقه طعم المكاشفات. ﴿ولقد صرفنا﴾ الذي هو ماء حياة القلوب بينهم ﴿ليذكروا﴾ به أيام جوار الحق وأوطانهم الحقيقية ﴿فأبى أكثر﴾ الناسين تلك المعاهدة والمشاهدة ﴿إلا كفوراً﴾ بنعمة القرآن وما عرفوا قدرها والله المستعان وإليه المآب.
﴿الملائكة﴾ بالنصب : ابن كثير. الباقون ﴿وينزل﴾ ماضياً مجهولاً من التنزيل ﴿الملائكة﴾ بالرفع. ﴿يا ليتني اتخذت﴾ بفتح ياء المتكلم : أبو عمرو ﴿قومي اتخذوا﴾ بفتح الياء : أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو وسهل ويعقوب. ﴿وثمود﴾ بغير تنوين في الحالين : حمزة وسهل ويعقوب وحفص. الآخرون بالتنوين للمشاكلة، أو بتأويل الحي لا القبيلة، أو لأنه اسم الأب الأكبر. ﴿الريح﴾ على التوحيد : ابن كثير ﴿بشراً﴾ مذكور في " الأعراف ". ﴿ميتاً﴾ بالتشديد : يزيد ﴿ونسقيه﴾ بفتح النون : المفضل والبرجمي، الباقون بضمها.
الوقوف :﴿ربنا﴾ ط ﴿كبيراً﴾ ٥ط ﴿محجوراً﴾ ٥ ﴿منثوراً﴾ ٥ ﴿مقيلاً﴾ ٥ ﴿تنزيلاً﴾ ٥ ﴿للرحمن﴾ ط ﴿عسيراً﴾ ٥ ﴿سبيلاً﴾ ٥ ﴿خليلاً﴾ ٥ ﴿إذ جاءني﴾ ط لأن ما بعده من أخبار الله تعالى ظاهر، ويحتمل أن يكون من تتمة حكاية كلام الظالم. ﴿خذولاً﴾ ٥ ﴿مهجوراً﴾ ٥ ﴿المجرمين﴾ ٥ ط ﴿ونصيراً﴾ ٥ ﴿واحدة﴾ ج على تقدير " فرقنا إنزاله " كذلك أي كما ترى لنثبت وإن وصلت وقفت على ﴿كذلك﴾ والتقدير جملة واحدة كذلك الكتاب المنزل وهو التوراة، ثم أضمرت فعلاً أي فرقناه لنثبت. ﴿ترتيلاً﴾ ٥ ﴿تفسيراً﴾ ٥ ط لأن ما بعده مبتدأ ﴿جهنم﴾ لا لأن ما بعده خبر ﴿سبيلاً﴾ ٥ ﴿وزيراً﴾ ٥ ج للآية ولفاء العطف ﴿بآياتنا﴾ ط للفاء الفصيحة أي فذهبا وبلغا فعصوهما ﴿فدمرناهم تدميراً﴾ ٥ط لأن ﴿قوم نوح﴾ منصوب بمحذوف أي وأغرقنا قوم نوح أغرقناهم ﴿آية﴾ ط لأن ما بعده مستأنف ﴿أليما﴾ ج للآية ولاحتمال عطف ﴿عاداً﴾ على الضمير في ﴿جعلناهم﴾ واحتمال انتصابه بمحذوف أي وأهلكنا عاداً ﴿كثيراً﴾ ٥ ﴿الأمثال﴾ ز فصلاً بين الأمرين المعظمين مع عطف الجملتين المتفقتين ﴿تتبيراً﴾ ٥ ﴿السوء﴾ ﴿يرونها﴾ لا للعطف مع الإضراب. ﴿نشوراً﴾ ٥ ﴿هزواً﴾ ط لحق المحذوف أي يقولون أهذا الذي ﴿رسولاً﴾ ٥ ﴿عليها﴾ ط لانتهاء مقولهم ﴿سبيلاً﴾ ٥ ﴿هواه﴾ ط ﴿وكيلاً﴾ ٥ لا للعطف ﴿يعقلون﴾ ٥ ج لابتداء النفي ﴿سبيلاً﴾ ٥ ﴿الظل﴾ ج لانتهاء الاستفهام إلى الشرط مع اتحاد المقصود ﴿ساكناً﴾ ج للعدول مع العطف ﴿دليلاً﴾ ٥ ﴿يسيراً﴾ ٥ ﴿نشوراً﴾ ٥ ﴿رحمته﴾ ج للعدول ﴿طهوراً﴾ ٥ ج لتعلق اللام ﴿كثيراً﴾ ٥ ﴿ليذكروا﴾ ز والوصل أولى للفاء ﴿كفوراً﴾ ٥.
وقصة عاد وثمود مذكورة مراراً، وأما الرس فعن أبي عبيدة أنه البئر غير المطوية، والقوم كانوا من عبدة الأصنام أصحاب آبار ومواش، بعث الله عز وجل إليهم شعيباً فدعاهم إلى الإسلام فأبوا، فبيناهم حول الرس انهارت بهم فخسف بهم وبديارهم. وقيل : الرس قرية بفلج اليمامة قتلوا نبيهم فهلكوا وهم بقية ثمود. وقيل : هم أصحاب النبي حنظلة بن صفوان ابتلاهم الله بالعنقاء وهي أعظم ما يكون من الطير سميت بذلك لطول عنقها، وكانت تسكن جبلهم وتنقض على صبيانهم فتخطفهم إن أعوزها الصيد فدعا عليها حنظلة فأصابتها الصاعقة. ثم إنهم قتلوا حنظلة فأهلكوا. وقيل : هم أصحاب الأخدود والرس عند العرب الدفن يقال : رس الميت : إذا دفن وغيب في الحفيرة. وقيل : الرس بأنطاكية قتلوا فيها حبيباً النجار وستجيء القصة في سورة يس. وعن علي رضي الله عنه أنهم قوم يعبدون شجرة الصنوبر رسوا نبيهم في الأرض. وقيل : هم قوم كانت لهم قرى على شاطئ نهر يقال له الرس من بلاد المشرق، فبعث الله تعالى إليهم نبياً من ولد يهوذا بن يعقوب فكذبوه فلبث فيهم زماناً ثم حفروا بئراً فرسوه فيها وقالوا : نرجو أن يرضى عنا إلهنا، وكان عامة قومهم يسمعون أنين نبيهم يقول : إلهي وسيدي ترى ضيق مكاني وشدة كربي وضعف قلبي فعجل قبض روحي حتى مات، فأرسل الله تعالى ريحاً عاصفة شديدة الحمرة وصارت الأرض من تحتهم حجر كبريت متوقداً وأظلتهم سحابة سوداء فذابت أبدانهم كما يذوب الرصاص. وروى ابن جرير بإسناده إلى النبي ﷺ : إن الله بعث نبياً إلى أهل قرية فلم يؤمن به من أهلها إلا عبد أسود، ثم عدوا على الرسول فحفروا له بئراً فألقوه فيها ثم أطبقوا عليه حجراً ضخماً، فكان ذلك العبد يحتطب فيشتري له طعاماً وشرابا ويرفع الصخرة ويدليه إليه وكان كذلك ما شاء الله فاحتطب يوماً فلما أراد أن يحملها وجد نوماً فاضطجع فضرب الله على آذانه سبع سنين. ثم انتبه وتمطى وتحول لشقه الآخر فنام سبع سنين، ثم هب فاحتمل حزمته وظن أنه نام ساعة من نهار فجاء إلى القرية فباع حزمته فاشترى طعاماً وشراباً وذهب إلى الحفرة فلم يجد أحداً، وكان قومه استخرجوه فآمنوا به وصدقوه وذلك النبي يسألهم عن الأسود فيقولون : لا ندري حاله حتى قبض الله تعالى النبي وقبض ذلك الأسود فقال ﷺ : إن ذلك الأسود أول من يدخل الجنة. قلت هذه الرواية إن صحت فلا مدخل لها في المقصود فإِن المقام يقتضي أن يكون قوماً كذبوا نبيهم فأهلكوا لأجل ذلك.
أما قوله ﴿وقروناً بين ذلك﴾ فالمشار إليه ما ذكر من الأمم وقد يذكر الذاكر أشياء مختلفة ثم يشير إليها بذلك ومثله قوله الحاسب " فذلك كذا " أي فما ذكر من الأعداد مجموعها كذا.
﴿فاعلم أنه لا إله إلا الله﴾ [محمد: ١٩] ﴿يحشرون على وجوههم﴾ لأن توجههم إلى أسفل سافلي الطبيعة فيحشرون منكوسين إلى جهنم البعد عن الحضرة ﴿الم تر إلى ربك﴾ فيه أن نبينا ﷺ رآه وقد قال لموسى ﴿لن تراني﴾ [الأعراف: ١٤٣] وذلك البقاء أنانيته ﴿كيف مدّ الظل﴾ عالم الأجسام ﴿ولو شاء لجعله ساكناً﴾ في كتم العدم ﴿ثم جعلنا﴾ شمس عالم الأرواح على وجود ذلك الظل دليلاً بأن كانت محركة لها إلى غاياتها المخلوقة هي لأجلها، فعرف من ذلك أنه لولا الأرواح لم تخلق الأجساد ولم تتكون بالأجسام. وفي قوله :﴿ثم قبضناه إلينا﴾ إشارة إلى أن كل مركب فإنه سيحل إلى بسائطه إذا حصل على كماله الأخير. وبوجه آخر الظل ما سوى نور الأنوار يستدل به على صانعه الذي هو شمس عالم الوجود وهذا شأن الذاهبين من غيره إليه. وفي قوله ﴿ثم جعلنا﴾ إشارة إلى مرتبة أعلى من ذلك وهي الاستدلال به على غيره كقوله :﴿أو لم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد﴾ [فصلت: ٥٣] وهذه مرتبة الصديقين. وقوله ﴿ثم قبضناه﴾ كقوله ﴿كل شيء هالك﴾ [القصص: ٨٨] ﴿ألا إلى الله تصير الأمور﴾ وبوجه آخر الظل هو حجاب الذهول والغفلة والشمس شمس التجلي المعروفة من أفق العناية عند صباح الهداية :﴿ولو شاء لجعله﴾ دائماً لا يزول وإنما يستدل على الذهول بالعرفان. وفي قوله :﴿ثم قبضناه﴾ إشارة إلى أن الكشف التام يحصل بالتدريج عند انقضاء مدة التكليف. ثم بين حكمة الإظلال بقوله :﴿وهو الذي جعل لكم﴾ ليلة البشرية ﴿لباساً﴾ كيلا تحترقوا بدوام شمس تجلي الربوبية، وجعل ليوم الغفلة راحة بعد سطوة التجلي، وجعل نهار العرفان نشوراً أي حياة بنور الربوبية ﴿وهو الذي أرسل﴾ رياح الإشراق على قلوب الأحباب فتزعجها من المساكنات عند الستر فلا تستقر إلا بالكشف والتجلي ﴿وأنزلنا﴾ من سماء الكرم ﴿ماء﴾ حياة العرفان الذي يطهر قلوب المشتاقين عن الجنوح إلى المساكنات وما يتداخلها في بعض الأوقات من الغفلات ﴿لنحيي به بلدة﴾ القلوب الميتة عن نور الله بنور الله ﴿ونسقيه﴾ من جملة مخلوقاتنا من هو على طبع الأنعام لغلبة الصفات الحيوانية عليه فيسقي زرع إيمانه بماء الرحمة والذكر كما قال ﷺ " لا إله إلا الله تنبت الإيمان في القلب كما ينبت الماء البقلة " ونسقيه من الأنس من سكن إلى رياض الأنس يفطمه به عن مراضع الإنسانية إلى المشارب الروحانية، ويطهره عن وصمة الملاحظات ويذيقه طعم المكاشفات. ﴿ولقد صرفنا﴾ الذي هو ماء حياة القلوب بينهم ﴿ليذكروا﴾ به أيام جوار الحق وأوطانهم الحقيقية ﴿فأبى أكثر﴾ الناسين تلك المعاهدة والمشاهدة ﴿إلا كفوراً﴾ بنعمة القرآن وما عرفوا قدرها والله المستعان وإليه المآب.